يشن أهل الزيغ والتدليس ممن أشربت قلوبهم الولاء الفكري لباريس هجمة شرسة على العلامة ابن باديس – رحمه الله – ويتهمونه بالعمالة والتحيز لفرنسا زورًا وبهتانا، رغم أنه قضى بياض نهاره وسواد ليله في العمل لمحو ظلمات ظلمها وطغيانها عندما كان أجدادهم يرسخون لبقائها ويفتخرون بولائها، ولمعرفة حقيقة مواقف الفريقين يجب قراءة التاريخ بوقائعه مع فهم الظروف المحيطة بكل مرحلة وملابساتها، دون الحكم عليها بعيدًا عن سياقها التاريخي والواقعي الميداني ليتسنى لنا فهم حقيقتها وأسبابها، وغاياتها ومآلاتها.

إن خلاصة موقف ابن باديس من الاحتلال الفرنسي هو أنه تعلم الدرس من التجارب  السابقة لرجال المقاومة الشعبية، حيث أن فشلها الواحدة تلو الأخرى ولد جوا من اليأس والضعف والتخاذل بين عامة الشعب، وكان الاختلاف والتنازع إلى درجة التصارع من أسباب فشلها.

فأبى ابن باديس إلا أن يسلك طريقًا طويلة تستغرق أكثر من مجرد إعداد مادي، إذ اختار تحرير العقول وإعداد النشء وحفظ عوامل اجتماعه من دينه وهويته وكيانه لتثبيت أسسه وأركانه، وارتأى أن لا يدخل بشعب ممزق ومضرج بالجراح تجربة خاسرة أخرى تزيده خورًا وضعفًا، وراح يحضر الأسس ليكون بعد اكتمال بنيانه ودخوله التجربة الموالية منصورًا نصرًا مؤزرًا وتحررًا مظفرًا يبدد غيوم اليأس وظلام الظلم.

وقد قال الشيخ البشير الإبراهيمي في هذا (مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها، قسمان: تحرير العقول والأرواح، وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل الثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين والدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية، والأوطان من الاحتلال، متعذرًا ومتعسرًا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدًا، إنه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل، لذلك بدأت جمعية العلماء منذ نشأتها، بتحرير العقول والأرواح، تمهيدًا للتحرير النهائي). (1) وهذا ما سعى إليه الشيخ ابن باديس وذلك ما رمى إليه في أبياته عن رجائه وأمله في الناشئة حيث قال:

يَانَشءُ أَنْـتَ رَجَــاؤُنَــا **وَبِـكَ الصَّبـاحُ قَـدِ اقْـتَربْ

خُـذْ لِلحَـيـاةِ سِلاَحَـهـا **وَخُـضِ الخْـطُـوبَ وَلاَ تَهب

ْ وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ** حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ

وأذق نفـوس الظّالمـ *** ـين السمّ يمزج بالرهب (2)

وعلى طول ذلك الخط الطويل الذي اختاره كان مستعدًا لكل أنواع البذل والتضحيات من أجل مصلحة أبناء دينه ووطنه، فكان يغتنم كل فرصة وظرف للمطالبة بما يعود على شعب الجزائر بالفائدة والمصلحة حسب معطيات المرحلة والإمكانيات المتاحة، مستعملًا في ذلك أسلوب المداراة، وأحيانًا أخرى يتجاوزه إلى المحاباة، ولم يكن يأبه بتعفير وجهه في التراب ما دام شعبه هو الرابح ربحًا نسبيًا في تلك المراحل.

فمثلًا نجده يقبل ما فرضه عليه الاستدمار في قانون حسن النية المتعلق بقانون الجمعيات، ويسبق فائدة تعليم الشعب الذي جهلته فرنسا ونشرت فيه الأمية والتخلف على أن يبقى قوي الخطاب الإصلاحي ضدها؛ لأنها كانت تغلق له الجريدة تلو الأخرى، فنجده يداري ويواري أهداف الجمعية بسطور وعناوين يهادنهم بها هم وأذيالهم الذين ينقلون للسلطات كل صغير وكبير عنه، فبعد إغلاق السلطات جريدة المنتقد عقب انتقاداته الشديدة لها، صار ابن باديس وجمعية العلماء أكثر حذرًا، وراحوا يطبقون لفظيًا قانون حسن النية المفروض على الجمعيات آنذاك.

وهكذا نجد الشيخ العقبي يتبع أسلوب التورية عند افتتاح الجريدة التي تلتها وكان اسمها السنة النبوية فكتب بعد الافتتاحية وبالضبط في مطلع العدد الثاني وبالعنوان العريض لسنا أعداء لفرنسا، ولا نحن نعمل ضد مصلحتها، بل نعينها على تمدين الشعب وتهذيب الأمة ومساعدتها، ورغم ذلك أغلقت السلطات الفرنسية الجريدة بسبب توالي وشايات الحركى وإخبارهم المستعمر بأن الجمعية تعمل ضدهم، وأنها تخرج عن الإطار المسطر لقانون الجمعيات الذي يلزم بالإخلاص وحسن النية بين فرنسا والجمعيات المتأسسة.

ثم يتكرر الأمر عند افتتاح جريدة الشريعة المطهرة بعد إيقاف جريدة السنة، فيضطر ابن باديس لكتابة سطور مداراة حتى يسمح المستعمر له بمواصلة طريقه التعليمي والإصلاحي، وقد أشار في تلك الافتتاحية إلى الذين ينبذون الجمعية ويشون بها ليسيؤوا الظنون حولها، ثم راح يحابي فرنسا بسطور تضمن له بقاء الجريدة، وذلك بأن أكد على ثقته في ديمقراطية فرنسا وحرياتها وقانونها، وهو في ذلك من جهة أخرى يرمي إلى أن يلزمها بقانونها وما تدعيه من حريات وتبنيها لشعارات منفوشة.

لذلك كانت كل تصريحاته حول تعلق الجزائريين بفرنسا في سياق المطالبة بمساواتهم في الحقوق العلمية والاقتصادية مع الفرنسيين، وانتزاع ما يمكن من مصالح للشعب المضطهد؛ لأنه يعرف أن ما يذكره من واجبات أداها الجزائريون لفرنسا آنذاك كانت قسرًا حيث جندوا الشباب إجباريًا وزجوا بهم في حروب فرنسا الخارجية، وجعلوا أصحاب الأراضي عمالًا فيها فكان أقل ما يطالب به هو انتزاع ما يمكن من حقوق لأناس تم إجبارهم على تأدية واجبات جائرة، والكثير ممن لا يعرف التاريخ ودقائقه يظلم ابن باديس عندما يقرأ له سطورًا يصرح فيها بالتعاون والإخلاص وحسن النية لفرنسا فيحكم بالنقص عليه، ولكن القارئ للتاريخ يعلم أن تلك الألفاظ كلها فرضها الواقع عليه أنها متعلقة علاقة مباشرة بقانون إنشاء الجمعيات الفرنسي لسنة 1901 (3).

حيث كان من بنود ذلك القانون الذي يسمح بإنشاء جمعية الالتزام بتنفيذ بند قانون الصدق والإخلاص وحسن النية بين الجمعيات والإدارة الفرنسية كما ينص القانون رقم 1134 (4)، وبدون تنفيذ قانون حسن النية la bonne foi(5) ولو لفظيًا فلن يسمح له الاحتلال الفرنسي بإنشاء جمعية مهما كان نوعها، ولم يكن يستطيع فتح الجمعية التي يعلم بها الشعب لولا ذلك التنازل، وحقيقة أن من أخطائه التي لا يمكن التبرير لها أنه كان يتوسع في الألفاظ والمحاباة التي كان من الممكن الاقتصار على الضروري منها، ولكن ظروف مرحلته كانت صعبة مما يشفع له، وأعماله الميدانية بحر لا تظهر فيه تلك النقطة.

وقد كان يطالب بالجانب العلماني الذي يخدم الشعب مما تدعيه فرنسا بفصل الدين عن الدولة لتفصل معاملاتها التعسفية ضد المساجد والمجلات الدينية والفقهاء عن الجانب السياسي الخاص بها وتتركهم وشأنهم كما تركت الحرية لرجال الكنيسة واليهود وغيرهم من أهل الأديان، ولتساوي بين الجزائريين في الحقوق مع المعمرين بدل أخذ أموالهم وأراضيهم وجعلهم عمالا فيها.

لكنه من جهة أخرى يطالب بالإبقاء على كيان وهوية ودين الشعب كما هو وكما يريده الشعب ويدافع عن ذلك بشراسة خاصة ضد الإدماج والتجنيس وتغيير القوانين والتشريعات الاجتماعية الإسلامية التي خالطت دماء الجزائريين، لذلك فهو وجمعية العلماء لم يطالبوا بالعلمانية الكاملة ولا العامة كما يدعي المغالطون الحاقدون وإنما طالبوا فقط بالجانب الذي يتماشى مع مبادئ ومصلحة المسلمين في تلك الظروف ورفضوا ما يخالف مبادئهم.

وكان ابن باديس رجل ميدان يسخر جل وقته لتعليم الناس من الصباح إلى صلاة العشاء، وكان يعيش وسطهم ويطعمهم من ماله ويأكل معهم الأكل المتواضع، ويعيش معهم المعاناة رغم أنه ابن عائلة ثرية ولو شاء لعاش معيشة الأسياد المترفين، ولكان بعيدًا عن كل استهداف في شخصه أو عائلته، لكن عيشه في رحم المعاناة بين أبناء الشعب المقهور ولد عنده حسًا بالمسؤولية وجعله ساعيًا لكل ما فيه مصلحته ولو على حساب سلامته أو سمعته أو كرامة وعزة نفسه مما جعله يضطر لكتابة مثل تلك السطور الممزوجة بالمداراة والمحاباة للإدارة الفرنسية ليستطيع مواصلة تعليم شعب صير المستخرب الفرنسي أغلبه أميًا ولم يصل التعليم إلا فئة قليلة جدًا.

ورغم ذلك استكثر الكولون المعمرون تلك القلة وحسدوها وطالبوا بمنعهم من التعليم ليبقوا يدا عاملة عندهم، حتى بلغ بهم الحقد أن عقدوا مؤتمرًا سنة 1908 لإدانة تدريس الأهالي الجزائريين (6) وعندما وفقت الإدارة الفرنسية بين تعليم أقلية تفرنسها ليتحدثوا مستقبلًا باسمها وبين الاستجابة لمطالب الكولون فتحت للجزائريين مدارس كالإسطبلات سميت بمدارس الأكواخ

(les écoles gourbis  (7.

لذلك لم يكن عجبا أن تصل نسبة الأمية إلى 94 بالمئة سنة 1929 (8).

وحاول المستدمر بمختلف الطرق سلخ الشعب عن دينه وتاريخه، وجعل من الفئة القليلة المتعلمة ذات ثقافة وميول فرنسية متنكرة لتاريخها وهويتها، وفي هذا قال ابن باديس متحسرا بعاطفة جياشة تنظر بعين الرحمة لحالة الشعب: لقد كان هذا العبد يشاهد قبل عقد من السنين هذا القطر قريبًا من الفناء، ليست له مدارس تعلمه، وليس له رجال يدافعون عنه، ويموتون عليه. بل كان في اضطراب دائم مستمر، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلا للمدارس الأجنبية، التي لا تعطيهم غالبًا من العلم إلا ذلك الفُتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميتهم وقد ينكرونها (9).

لذلك شمر الشيخ عن ساعده وبذر بذرة العلم والوعي ثم سقاها بعرق جده وكده واحتضنها بدفء إيمانه ثم آمن بوجود الأمة الجزائرية المسلمة بعد أن يئس الأكثرون منها ومن حياتها وانتظر بفارغ الصبر اشتدادها وامتدادها فحقق هو ورجال الجمعية وأهل الخير ذلك.

 ومن المغالطات الساقطة التي يروج لها الأفاكون دعوى أن ابن باديس قد قبل الاندماج أثناء دخوله المؤتمر الإسلامي، رغم أنه كتب في تلك المرحلة عن الاستقلال السلمي رسميا، وهذا الهراء والافتراء تكذبه عشرات النصوص للشيخ، حيث نجد أن مطالبهم تمثلت في المطالبة بحرية التعليم وحرية الدين والعقيدة وتعليم اللغة العربية ومساواة الشعب المضطهد بالمعمرين في الحقوق.

وأما الإدماج فقد كانوا ضده، فحتى عندما حاول ابن باديس تليين الخطاب مع فرنسا وإيجاد حل وسط يبعد بطش المستدمر بالجمعية، وكتب عن الفرق بين الجنسية السياسية والقومية فإنه بقي مصرا على معارضة الإدماج حيث فرق بين ارتباط الجزائر بفرنسا سياسيا والذي كان واقعًا مفروضًا ومعاشًا يجب التعامل معه بالحكمة والتحضير لمحوه بالحنكة والمطالبة من خلاله بما يمكن من حقوق للشعب المنهوب، وبين الارتباط القومي والاندماج حيث كان يراه مستحيلًا وكان ينتظر من ذلك الكيان المستقل دينيًا وعقديًا وتاريخيًا وقوميًا أن ينبت جيلًا مستقلًا.

والقارئ لنصوص الشيخ يجد منه المعارضة الصريحة للإدماج حتى في أشد نصوصه تليينا ومحاباة وذلك في قوله (ومن الممكن أن يدوم الاتحاد بين شعبين مختلفين في الجنسية القومية إذا تناصفا وتخالصًا فيما ارتبطا به من الجنسية السياسية التي قضت بها الظروف واقتضتها المصلحة المشتركة.

فإذا لم يرتبطا بالجنسية السياسية فلا بد لهما – مهما طال الأمد – من أحد أمرين: إما أن يندمج أضعفهما في أقواهما بانسلاخه من مقوماته ومميزاته فينعدم من الوجود. وإما أن يبقى الضعيف محافظًا على مقوماته ومميزاته فيؤول أمره – ولا بد – إلى الانفصال. وبعد فنحن الأمة الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية وقد دلت تجارب الزمان والأصوال على أننا من أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية وإننا ما زدنا على الزمان إلا قوة فيها وتشبثًا بأهدابها وأنه من المستحيل إضعافنا فيها فضلًا عن إدماجنا أو محونا) (10).

وأوضح النصوص على رفض ابن باديس مشروع بلوم فيوليت الإدماجي هو قوله (وعلى هذا المبدأ كنا نقاوم بروجي الرجل العظيم الذي لا ننسى فضل بلوم فيوليت لما فيه من عدم التسوية في الحقوق لا بين الجزائريين والفرنسيبن ولا بين طبقات الجزائريين أنفسهم وما فيه من تهيئة الطبقة المثقفة للاندماج مع السكوت التام عن الدين واللغة، قاومناه أيام كان الناس كلهم متمسكين به) (11) ووجوده في المؤتمر الإسلامي إلى جانب الشيوعيين والنواب البرلمانيين كان للمطالبة بالحقوق التي تتماشى مع مبدأ الجمعية.

فقد كان لكل تيار مطالبه فالنواب يرغبون في تطبيق مشروع فيوليت، والعلماء يدافعون على احترام الدين الإسلامي واللغة العربية، وحقوق الشعب الاقتصادية والشيوعيون يطالبون بالمساواة في الحقوق مع الفرنسيين، وكانت الغاية من اجتماع تيارات مختلفة جمع الكلمة الجزائرية في مؤتمر واحد أمام فرنسا لتكون كلمتهم مسموعة، ولكن فكرة الجمعية تلك كانت خاطئة حيث راحت كل جهودهم في ذلك المؤتمر سدى رغم تنازلاتهم الكثيرة، وفوق ذلك بقيت تلك التنازلات وصمة ثلب ونقص في تاريخ الجمعية.

وقد كان ذلك المؤتمر تجربة خاسرة تعلم منها ابن باديس بعد خيبات الأمل، ولم يجن منه إلا الحنظل مع تشويه صورة الجمعية بالتحالف مع الادماجي العلماني السكير بن جلول والإقامة في فندق لا يليق بمكانة العلماء كما ذكر مالك بن نبي، ولكن الشيخ تعلم من تلك الخيبة وراح ينادي في الأخير الشعب المسلم أن يعتمد على الله ثم على نفسه ولا يلتفت لمن يعده الوعود الكاذبة فهل تتعلم جمعية العلماء ذلك الدرس من التاريخ وتجتنب التحالف مع الأفاعي الناعم جلدها وخطابها والتي تحمل لها وللأمة بداخلها السم من أولئك الذين يكنون لها ولمبادئها الإسلامية كل البغض والكيد، أم تعيد الوقوع في الخطأ نفسه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد