بعضُ المشتغلِين بالفلسفة يعتبرون أن الفلاسفةُ هم أنُاس فشِلوا في أن ينظروا للأشياء بطريقة عادية. وبعضُهم يرى بأن الفلسفة هي كلمة مركبة من فِيلو/ سُوفست، وفيلو هذه تعني حب الشيء وسوفست تعني الحكمة، وبالتالي يصبح المعنى بعد تركِيبه وتجميعُه: المحبِين للحكمة. وأرسطو كان يري أن واحدة من الفلسفات العملية هي الأخلاق التي تُعني بالأساس بتدبير الفرد. ولما كانت الحكمة هي الضالة في الفلسفة، قدم لنا المجتمع المحلي السُوداني فلسفة ارقد عشان ما تموت وهي فلسفة تعني تدبير الفرد والجماعة، وهي مقولة تم صياغتُها وصناعتُها في معامل الطبقة الشبابية دون الثلاثين في الشوارع والحواري والمقاهي، عبر لغتهم الخاصة التي هي هجين بين اللغة العامية المحلية واللغة العربية.

المعني اللفظي المقابل في العربية الفصحى لهذه المقولة هو الانحناء للعاصفة. والمعني العملي لها هو التسوية – Settlement، والتأقلم – ِAcclimation الدائم أو المؤقت. ولطالما كان يعرف إستيفن هوكينج الذكاء بأنه التأقلم مع التغيير، وأخرون يصنفونه بالفن. ووفقًا لهذه الأحوال والتوصيفات يمكن تصنيفها ومذهبتها ضمن الفلسفة البراغماتية العملية.

ظهرت البراجماتية كفلسفة أمريكية تمقتُ البحث النظري العقيم الذي يركز على كُنه الأشياء ومصادرها، وأخذت تركز على نتائج الأعمال وعواقبها، وأجازت للإنسان أنْ يتخذ مِن أفكاره وآرائه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولًا، ثم السير بالحياة نحو السُمو والكمال ثانيًا (علي، 1995)، وظهرت كردة فعل لموجات الفلسفة المثالية.(1).

تطبيقات فلسفة ارقد عشان ما تموت

بغير عناء، يمكننا ملاحظة تطبيقاتها وتجريباتها علي مستويات الفرد والمجتمع والدولة، فعلي صعيد الفرد، وفي حالات الوعي بالذات يدرك جيدًا وبطريقة عملية لا تدع مجال للشك أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وبالتالي تبدأ في مساومات التمني وتسويات الرغبة وتماهيات الإرادة، في الصعود والهبوط في فضاء التعاملات اليومية، وتقلباتها مع المجتمع كطرف خارجي من جهة ووتصوراتنا ورغباتنا إزاءه من جهة أخرى. لأنك ببساطة في النهاية بشر، يجب أن تقدم التنازلات لكي تمضي بك الحياة.

ولذلك يقُال مثلًا في المأثوريات: بأنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد. حيث إن الإرادة النافذة الناجزه هي للإله فقط.

ولما كان المُجتمع يتكون من مجموعة من الأفراد، فإن عمليات التضاغُط الاجتماعي والإقتصادي التي تسري على الأفراد هي صائرة وناجزة كذلك في التدافع المجتمعي في شكل كتلي ومجموعاتي بحسب الظروف الواقعية والموضوعية لقوى هذا المُجتمع أو ذاك، وما يهُمنا هنا هو أن المجتمع ككل أيضًا يخضع لعمليات التأقلُم والتسّوية، ويستخدمها بترددات كثيرة داخل تفاعلات قواه المختلفة بكثرة.

أما تطبيقاتها في الدولة فهو من أوضح الأمثلة لأنها بالأساس تتعاطي مع السياسة، والسياسة هي أحد أفرع الفلسفات العميلة التي تقوم علي التأقلم والتسوية، والتأقلم في السياسة يمكن تسميته بفن الإمكان وهو تعريف شائع للسياسة نفسها. وبالتالي نجد نفسنا في غنية عن الخوض في هذا الباب.

وحتي في التراث العالمي هناك فلسفات مشابهة كثيرًا لفلسفة «ارقد عشان ما تموت»، على سبيل المثال: الفينج شوي أو الفنغ شوي بالإنجليزية: (Feng Shui) هي فلسفة صينية نشأت منذ حوالي 4 آلاف سنة مضت وهي فن التناغم مع الفضاء المحيط وتدفقات الطاقة من خلال البيئة والتصالح مع النفس ومع الطبيعة المحيطة بالإنسان وبذلك يستطيع التعايش بشكل إيجابي بدون توتر(2).

أستخلص في الأخير بحسب اعتقادي أن فلسفة «ارقد عشان ما تموت»  سودانية المنشأ في العبارة، وكونية الاستعمال في الوظيفة على مستويات الفرد والجماعة والدول، بل أعتقد بأنها ليست فلسفة للتعايش والتأقلم فقط، بل إنها طريقة حياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد