مع انتشار الرأسمالية التي ملكت الخواص وجعلت السوق بيدهم، باتت الاستهلاكية وإقصاء الآخر نظامًا معيشيًا معتمدًا لا يمكن إنكاره أو التنكر منه.

الأنانية التي نبذها الإنسان طيلة حياته أصبحت بحكم النظام الاقتصادي والسيادي السائد جزءًا لا يتجزأ من معاملاته وعلاقاته، فهي بشكل أو بآخر نظام حياتي لا يدافع عنها بقدر ما يحافظ بحفاظه عليها على بقائه، وكل مساس بها يهدد منصبه وراتبه وأسرته ومنزلته من الهرم الاجتماعي، يتقبلها ويبررها بكل ما أوتي من قوة، يفر منها أحيانًا لاجئًا إلى فطرته، إلى ما خلق من أجله وله، فتغلب عليه إنسانيته ويخرج للملأ بصورة الشخص المتطوع الذي يحاول أن يكون معطاءً ما استطاع لينام بعدها مرتاح البال هانئ الخاطر، لينام إنسانًا كما توجب عليه إنسانيته أن يكون.

لكن التطوع بحد ذاته يمكن اعتباره عالما آخر، عالمًا موازيًا لتلك الحياة التي نعيشها، حياة كوب القهوة اللاذع الذي نرتشفه على عجل صباحًا لنستقل المترو أو المواصلات في أسوأ الأحوال قاصدين مشاغلنا التي لا تنتهي، حياة الكرسي الدوار الوثير الذي نجلس عليه لنشتم الخرابة التي نعيش فيها، وأوضاع البلد وشلل الرئيس وسذاجة الوزير، حياة أحجار الدومينو التي تتقافز الواحدة فوق الأخرى وننتشي لصوت ارتطامها في محاولة لمحاصرة خصمنا.

حياة التطوع مختلفة تمامًا عنها، إنها تأخذ بيدك وتحشرك داخل إطار آخر ربما لم يسبق لك في حياتك أن رأيته، إنها تضعك وجهًا لوجه مع ضعفك، أنانيتك وعنصريتك، إنها تضعك أمام مخاوفك، تلك التهيؤات التي تعتبرها ليلا كوابيس، الوجوه التي تراها خارجًا فتحاول أن تهرب منها، أن تفر.

ذلك الوجع الذي يداهمك أحيانًا لكنك تتجاهله خوفًا من أن يكون مرضًا عضالا سيفتك بك، ستأخذك حياة التطوع وتضعك أمام أشخاص يشبهونك تمامًا، مارسوا نفس مهنتك ودرسوا نفس تخصصك، لكنهم لسبب أو لآخر ملقون هناك بين أربعة جدران لا يملكون لأنفسهم شيئًا، أنهكهم المرض العضال الذي كنت تخاف أن تذكر اسمه.

سيقصون عليك قصتهم، لكنك ولأنك بدأت تعتاد هذه الحياة الجديدة لن تدير وجهك، لن تدمع عيناك ولن تفر منهم ستكون جلدًا وصلبًا وتربت عل أكتافهم وتخبرهم أننا جميعًا سنقضي يومًا ما، وأنهم أفضل من الجميع لأنهم أقوى منك.

سيكون ذلك إنجازك الصغير الذي تفاخر به، لقد وقفت وجهًا لوجه أمام مخاوفك، السرطان الذي كنت تخشى سيرته، أصبحت تعرف أعراضه وأنواعه وأنه أحيانًا وديع كقط غير مرغوب به، يكفي أن تتحمل ضرباته وخدشاته وأن تكون قاسيًا قليلا في طرده لتصبح غرفة قلبك نقية كما كانت قبل ذلك اليوم.

جارك الذي كنت تلقبه بـ(الغول) وترعب أبناء الجيران به، فقط لأن الحروق تمكنت من وجهه، وقدر الزيت المغلي الذي تخاف الاقتراب منه، ستأخذك حياة التطوع إلى حرارة القدر تلك وتجعلك تتحسس وجهك الصافي مليًّا وتشتم داخلك العكر.

ستجعلك تتلمس النتوءات والندبات على وجهه وتغوص في نقاء داخله لتعلمك حبه، حب الجمال الذي يعيش داخله، ستعلمك حياة التطوع أن تقف أمام جهلك وغبائك وسطحيتك لتكسر حواجز الاعتقادات والحكم المسبق وتغوص داخل الأرواح فتراقصها في معاقلها.

أولئك اللاجئون الذين كنت تستهزئ بهم وبلكناتهم، بصرخاتهم وتضرعاتهم، تذكر ذلك اليوم الذي مرّ عليك وانتقدت هجرتهم وفرارهم من بيوتهم، أنكرت عليهم قطعة الحصير المهترئة التي يستلقون عليها في المنفى واليد المتسولة التي تجول الشوارع، تذكر ذلك حتمًا! لا بد أنك يومًا ما جلست إلى جانب أحدهم في القطار ونظرتما إلى تلك اللاجئة المتسولة باحتقار ولعنتما الثورة والوطن والشعب الأحمق الذي ثار والأيادي الجانبية التي حرضته على الثورة لتدعو لرئيسك، لجلادك بطول العمر وللبلاد بالاستقرار، أتذكر؟

الرجل (الأسود) الذي كنت تتجاهل نظرة توسله وأنت تمر أمامه رافعا جبينك في السماء، لا لشيء إلا لأنه هنا أمامك حاف عار وأنت داخل سيارتك ترتدي بدلة عمرها خمس سنوات، أتذكر؟

ستجرك حياة التطوع إلى ذلك الحصير، ستجلس عليه وتتسامر معهم وتتذوق أكلهم اليابس المتعفن، لكنك سوف تحبه لأنه معجون بغصة المنتصر، بقهر الرجال الذي لم تكن لتعرفه لولا حياة التطوع، ستسمع قصص فرارهم من الميليشيات والمسلحين وباعة البشر وقاتليهم ومستغلهيم وتسمع قصصًا لم تكن لتتخيل يومًا أنها قد حدثت على وجه هذه الأرض، وكالسحر تمامًا ستمر عليهم يوما آخر وتلقي عليهم كلمة طيبة، لأنك في حياة موازية لحياتك القديمة.

تلك هي حياة التطوع التي تعتقد في بدايتك أنك تخوضها لتساعد من حولك ولتعلم في الأخير أنك تخوضها لتساعد نفسك، لتنقذ نفسك من العفن الذي بدأ يتسرب إلى داخلها فيمحو كل شبر طيب فيها.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد