أظهر التقرير السنوي لمكتب مناهضة التمييز، أن حوالي 1200 شكوى قُدمت في ألمانيا ضد العنصرية سنة 2019 بزيادة تُقدر بـ10%، وذكر التقرير أيضًا أن واحدًا من بين ثلاثة أجانب يعاني العنصرية خاصة في مسألة السكن، وأن41% من الألمانيين يرفضون كراء منازل لمُهاجرين.

ما جرَّنا للبحث في الموضوع هو مسائل العنصرية الكبيرة في أوروبا نحو كثير من المهاجرين من العالم الثالث خاصة الإسلامية منها تحت غطاء محاربة الإرهاب وغيره، وألمانيا إحدى الدول التي تتصدر مشهد التمييز منذ مدة، فوفقا لصحيفة «مورجن بوست»، فإن 55% من المسلمين المهاجرين قد تعرضوا للتمييز، مقابل 29% من المهاجرين المسيحيين و32% دون انتماء ديني.

قضية مسعود أوزيل

إذا ربطنا مسألة العنصرية والتمييز في ألمانيا بالمجال الرياضي، وهو المقصود من مقالنا اليوم، فإن الربط سيكون مباشرة بالقضية الأبرز، قضية اللاعب الألماني ذي الأصول التركية، مسعود أوزيل، الذي ترك منتخب المانشافت إلى غير رجعة مع انتهاء مونديال روسيا 2018، بعد أن انهالت عليه انتقادات شديدة اللهجة رُبِطت بأدائه في المحفل العالمي، ورغم أن أداءه كان سيئًا للغاية رفقة زملائه، لكن أوزيل أرجع خلفيتها بالدرجة الأولى للصورة التي التقطها وزميله إلكاي غوندوغان رفقة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبلها، والتي أحدثت حينها ضجة كبيرة وجدلًا واسعًا جدًّا داخل ألمانيا، حيث اعتبر أنه استفزاز واضح للشعب وللسلطة الألمانية على حد سواء، حينها أهدى مسعود أوزيل قميصه في نادي أرسنال الذي يحمل الرقم 11 للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع أخذ صورة تذكارية أيضًا وغرد قائلًا: صحبة جيدة هذا المساء، وهو الفعل نفسه الذي فعله إلكاي غوندوغان لاعب مانشستر سيتي، الصورة سبقه حزب العدالة والتنمية التركي حزب الرئيس إلى وضعها على حسابه أيضًا ليعطيها طابعًا سياسيًّا أكثر منه رياضيًّا.

بالنسبة لمسعود أوزيل كان التقاط صورة مع الرئيس التركي لا يمت للسياسة أو الانتخابات بصلة، بل لها علاقة باحترام أعلى منصب في بلد عائلته، ووظيفته هي لاعب كرة قدم وليس رجلًا سياسيًّا، حيث قال إن اجتماعه مع الرئيس التركي طيب رجب أردوغان قبل المونديال لم يكن دعمًا لأي سياسات، وأضاف قائلًا إن المعاملة التي تلقاها من الاتحاد الألماني وآخرين جعلته لا يرغب في ارتداء قميص ألمانيا مجددًا، وهو يشعر بأنه غير مرغوب فيه ويعتقد أن كل ما حققه منذ مشاركته الأولى مع المنتخب في 2009 جرى نسيانه، وأضاف أن الأشخاص أصحاب الخلفية العنصرية لا يجب السماح لهم بالعمل في أكبر اتحاد كرة قدم في العالم يوجد به لاعبون من أصول مزدوجة، نهجهم لا يمثل وببساطة انعاكسًا للاعبين المفترض أنهم يمثلونهم.

الألمان الجدد

وصرح بعض السياسيين الألمان بأن ما فعله مسعود أوزيل وغوندوغان المولودان بمدينة غيلسنكيرشن الألمانية الحدودية مع دولة تركيا هو فعل منافٍ حقًّا للقيم الألمانية، وهما اللذان كانا يعبران ويمثلان ما يسمى بالألمان الجدد، الذين يمثلون الهوية الألمانية البحتة، التي لا علاقة لها بالأصول القديمة، وأن المهاجر يمكن أم يكون ألمانيًّا بحتًا فقط بالتعايش والاندماج، وهو ما أفسده اللاعبان حسبهم باعترافهما بأردوغان رئيسًا لهما وعبرا عن ذلك علنًا.

بن طالب وحاريث!

قبل أيام انقشع ضباب عن العنصرية الألمانية مجددًا، الدولي الألماني السابق ستيفان فروند يخرج للعلن بتصريحات نارية ضد لاعبَّي شالكه الجزائري نبيل بن طالب والمغربي نبيل حاريث في حوار مع قناة «سبورت 1» الألمانية على خلفية الخلاف بين اللاعبين ومدرب الفريق في مقابلة فولفسبورج؛ إذ قال فيه «إن عدم انضباط بن طالب مرتبط بأصوله الجزائرية».

وأضاف ستيفان فروند «نبيل بن طالب ليس منضبطًا بسبب أصوله الجزائرية، أصوله ونشأته في بيئة فقيرة ساهمت في بناء شخصيته الحالية، وهو الانطباع نفسه الذي تركه بخصوص المغربي أمين حارث».

أحدث التصريح ضجة كبرى في ألمانيا ليُسارع نادي شالكه للتوضيح بعدم ربط كلام فروند عن اللاعبين بأصولهما، وذلك بتأكيد أن العقوبة المسلطة على بن طالب وحاريث لا علاقة لها على الإطلاق بأصولهما، وبعد موجة الغضب الكبيرة التي رافقت تصريحات اللاعب الدولي الألماني السابق، خرج معتذرٕا بتغريدتين توضحان موقفه من كلامه «لا يوجد شخص أكثر غضبًا مني لأني للأسف تصرفت بطريقة خاطئة، ولهذا أحرص على تقديم اعتذاري».

ثم قال: «كل من يعرفني كلاعب أو مدرب يدرك بأني أكره كل أشكال العنصرية، بالطبع لا اللون ولا الدين ولا الأصل لها دور في تحديد مردود اللاعبين داخل الملعب».

ليرد بن طالب على تغريدته بأخرى «عندما يتم الحديث بكل هذه اللباقة، رائع ستيفان»، وبثانية ثمَّن فيها وقوف المدرب الجزائري جمال بلماضي إلى جانبه رغم أنه من اللاعبين المغضوب عليهم «رياضيًّا» بالنسبة لجمال، الذي أثبت مرة أخرى أن كل لاعب له أهميته ما دام حاملٕا للجنسية الجزائرية، وأن عدم استدعائه له خلفية رياضية وفقط.

ودافع المدرب السابق للمنتخب الوطني المغربي عن حاريث وبن طالب إثر عنصرية فروند فقال:«أعتقد أن فروند، هو من يملك سلوكًا سيئًا بتصريحاته المخزية في حق حاريث وبن طالب، بربط أصولهما بالسلوك السيئ»، مردفًا: «حاريث لاعب موهوب ومميز ويفتخر بأصوله المغربية».

لن تكونا أحسن من مسعود أوزيل

لن يكون الجزائري نبيل بن طالب أو المغربي أمين حاريث أحسن من مسعود أوزيل الذي ذُبِّح في أول منعرج وقُدِّم قربانًا للعنجهية الهتلرية، ولن يكونا أحسن ممن قدم للكرة الألمانية الكثير وكان لها دومًا أحسن سفير، إذن فإن تمَّ بيعه عند أول زلة بعدما كان قبل حين مستأجِرًا ثم حصَّل السكن في الأراضي الألمانية، فلا تنتظر أن يُرمى بالورود المستأجر المؤقت القادم من دول العالم الثالث، أما المُطالبات بالرحيل وتغيير الوجهة بسبب العنصرية فليست حلًّا أبدًا، فلا بد للظالم أن يكف عن العنصرية والتمييز لا أن يخرج منها المظلوم قصرًا ثم يسمى حلًّا.

لكن خِتامًا يجدر القول إنه من الصعب على الألمان أن تمحى من ذاكرتهم كلمات أدولف هتلر في كتابه «كفاحي»، يقول الزعيم النازي: «إنه من الواضح بشكل مثير، من أدلة التاريخ، أنه حين يختلط دم الآري بدماء غيره من الشعوب المنحطة، فإن النتيجة كانت – بلا نزاع – دمارًا على الأجناس المتحضرة»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد