هناك من يقول إن المسلمون كانوا غزاة فقط ولم يعلِّموا سكان شمال أفريقيا الإسلام مبادئ الأخلاق.. ولكن السؤال المطروح هو كيف تمسك البربر بالإسلام إذا لم يتم تعليمهم؟

الحقيقة التي يغفلون عنها هو دور الخليفة عثمان بن عفان في إرسال جيش العبادلة، وسمي بهذا الاسم لكثرة الصحابة الذين تبدأ أسماؤهم بعبد الله، ومنهم عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمر، عبد الله بن سعد، عبد الله بن الزبير وغيرهم في فتح شمال أفريقيا وهزيمة الروم في معركة سبيطلة الشهيرة. وكان للصحابة دور في نشر الإسلام في شمال أفريقيا بشكل صحيح.

ثم جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز، ومن حسناته الذي يذكرها جل المؤرخون، إرساله للفقهاء العشرة إلى شمال أفريقيا لتعليم أهلها الإسلام الصحيح. وهؤلاء هم:

1- إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر: قال عنه ابن خلدون: وأسلم جميع البربر في أيامه، وكان في غاية الزهد والتواضع حريصًا على نشر العلم وسار في البلاد بسيرة العدل.

2- بكر بن سوادة الجذامي: من التابعين أقام في الشمال الأفريقي أكثر من 30 سنة، محدثًا ومفتيًا، وفقيهًا، وقد انتفع به أهلها، روى عنه البخاري ومسلم، والأربعة والطبراني وغيرهم.

3- أبو سعيد: من التابعين، وكان محدثًا فقيهًا، مقرئًا، تولى قضاء الجند بالقيروان وبث فيها علمًا كثيرًا لأكثر من 15 سنة.

4- حبان بن جبلة: بقي يبث العلم في القيروان أكثر من 25 سنة، انتفع به أهلها كثيرًا. روى عنه البخاري والحاكم في المستدرك وغيرهم.

5- طلق بن جعبان: من التابعين، كان ممن صاحب عبد الله بن عمر، وكان فقيهًا عالمًا.

6- عبد الرحمن بن رافع: مكث في القيروان يبث العلم ما يقارب 33 سنة، حتى انتفع به خلق كثير من أهلها. أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة وغيرهم.

7- سعد بن مسعود: سكن القيروان وبث في الشمال الأفريقي علمًا كثيرًا، وكانت مجالسه مليئة بالحكم والمواعظ البليغة، وكان شديدًا على الأمراء.

8- عبد الله بن المغيرة: كان معروفًا في القيروان بالعدالة والتقى، وقد ولاه عمر بن عبد العزيز القضاء عام 99هـ لما علمه من فضله ودينه وعلمه، وكان زاهدًا ورعًا عالمًا نشر العلم لاكثر من 25 سنة.

9- عبد الله بن يزيد المعافري: قال عنه المالكي: انتفع به أهل أفريقية، وبث فيها علمًا كثيرًا. وكان رجلًا صالحًا شديد الإقبال على نشر السنة، أجمع النقاد على توثيقه، وحديثه عند مسلم، والأربعة، وابن وهب في جامعه، وأحمد وغيرهم.

10- وهب بن حي: وهو من أفراد بعثة عمر، سكن القيروان ونشر فيها علمًا كثيرًا أيضًا.

وامتاز ذلك العصر بوئام عجيب بين المسلمين الفاتحين والبربر الذين أقبلوا بشغف على تعلّم الإسلام وانضموا إلى الجيش الإسلامي، وحدت بينهم المصاهرات، وكثر بناء المساجد في سائر البلاد الأفريقية، وانتشرت الثقافة الإسلامية بين البربر، وبذلك عرف البربر حقيقة الإسلام فكان لهذا التصرُّف أبعد الأثر في أن يُصبحوا هم أنفسهم حماة الإسلام.

ولكن للأسف هذا المنحى لم يدم طويلًا بسبب فساد أمراء بنو أمية بعد وفاة عمر بن العزيز وظلمهم للبربر.

فما أن توفّي عمر بن عبد العزيز حتى سارع يزيد بن عبد الملك بعزل بن أبي المهاجر وتولية يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج بين يوسف الثقفي وصاحب شرطته، وكان ظالمًا للبربر، واتبع سيرة الحجاج الظّالم في أهل العراق، فنَقم عليه البربر، فقتلوه.

وتولّى بعده بشر بن صفوان الكلبي، ثم عبيدة بن عبد الرحمن السلمي فكان همهما الغزو، ولم يؤثر عنهما اهتمامٌ بالعلم، كما أنّ أنّهما أيضًا قاما بظُلم البربر والتعسُّف في معاملتهم.

واشتد استياء البربر المسلمين من هذه الأفعال السيّئة، ورأوا التناقض الصارخ بين تعاليم الإسلام التي رأوها من قبلُ على يد عقبة بن نافع وأبي المهاجر والفُقهاء الذين تمّ ذكرهم سابقًا، وبين سلوك هؤلاء الأمراء، وأصبحت عندهم قابلية للتمرد، وخاصّة أنّهم يئسوا من ردّ الخليفة عن شكواهم.

فكان هؤُلاء الأمراء غير عادِلِين في المهام بين البَربر والعرب، وفي اقتسام الغنائِم عند الفُتوحات، كما أنه يقدمون جنودهم على جنود البربر، ثم إنهم كانوا يأخذون ماشيتهم، وكانُوا يأخذون الجميلات من بناتهم، فغضب البربر كون هذه التصرفات المشينة لا تمتّ بصلةٍ للإسلام، وخاصّة أنّهم مسلمون، فخرجوا على والي هشام فقتلوه واستولوا على أفريقية.

وهكذا كانت بداية الثورات بأفريقية، والمغرب العربي، وتضافرت الجهود الإباضية والصفرية للإطَاحة بولاة القيروان، فكان هم الخليفة يزيد بن عبد الملك الوحيد هو القضاء على تلك الثورات فكان يُرسل الجيوش فتارة ينتصرون وتارة ينهزمون حتى تمكن الإباضية البربر من حكم القيروان والانفراد بالسُلطة إلى حين ظهور دولة الأغالبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد