عقد مؤتمر برلين يوم الأحد الماضي لإيجاد حل للنزاع الدائر بين حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة بقيادة فايز السراج و الجنرال المتمرد خليفة حفتر الذي يحظى بدعم قوى دولية وإقليمية وعربية.

وتم الإعلان عن مؤتمر برلين في أعقاب فشل وانهيار اجتماع في موسكو حيث رفض حفتر توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع الجيش الوطني وأعلنت ألمانيا أنها ستجعل قادة الدول المعنية بالقضية الليبية يحترمون حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة والاتفاق على وقف إطلاق النار. ومع ذلك فقد حضرت الأطراف المعنية إلى المؤتمر حيث بدوا هم والأمم المتحدة غير مهتمين بحل النزاع أو تحقيق الاستقرار في البلاد أو تحقيق تطلعات الشعب الليبي في الاستقرار والأمن والديمقراطية ولم يأتوا بأي شيء ملموس لإنهاء الأزمة ولقد أثبتت تصريحاتهم أن إنتاج النفط كان الأولوية الرئيسة وليس الشعب الليبيي.

عقدة المنشار خليفة حفتر

يتمتع حفتر بصلات قوية مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وفشل في عام 2014 في الإطاحة بالبرلمان الليبي المنتخب، المؤتمر الوطني العام. في 25 يونيو (حزيران) من ذلك العام وتم انتخاب برلمان جديد بلغت نسبة المشاركة فيه 18٪ فقط مقابل 60٪ للمؤتمر الوطني العام. لعدة أسباب، قضت المحكمة الدستورية العليا الليبية في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بأن الانتخابات الجديدة كانت غير دستورية وبالتالي يجب حل البرلمان الجديد.

في وقت لاحق من نفس العام، تمت استعادة المؤتمر الوطني العام، لكن حفتر وحلفاءه في البرلمان الجديد رفضوا هذه التدابير وكانوا يعقدون «برلمانهم» في طبرق منذ ذلك الحين. وفي الوقت نفسه ساعدت الأمم المتحدة في تشكيل حكومة مؤقتة بقيادة السراج واعترفت بها في نهاية عام 2015 ووقع المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب في طبرق صفقة سياسية من خلال مخرجات اتفاقية الصخيرات بالمغرب وفي 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017 أعلن حفتر أن الاتفاقية باطلة.

وفشلت عدة محاولات للجمع بين الجانبين ومنذ أبريل (نيسان) 2019 تحاول قوات الجنرال المتمرد حفتر الاستيلاء على طرابلس و لم تحاول أي دولة باستثناء تركيا إيقاف ضربات حفتر أو مساعدة الحكومة المعترف بها للأمم المتحدة على البقاء والاستمرارية وأعلنت الأمم المتحدة فقط فرض حظر على تصدير  الأسلحة إلى جانبي النزاع.

وفي الوقت نفسه، كانت العديد من القوى الإقليمية والدولية تدعم وتستضيف حفتر بل إنها تنتهك حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة بإرسال قوات ومعدات عسكرية إليه حيث قتل أكثر من ألفي شخص ونزوح 120 ألف شخص آخر منذ بداية الحملة ضد طرابلس وقد تم الاستيلاء على العديد من المدن حيث توجد فيها معظم آبار النفط من قبل ميلشيات حفتر في هذه العملية.

مع هذا الصراع العسكري والمأزق السياسي، تعاني ليببا من الفوضى وانعدام الأمن وعدم الاستقرار. وسيكون الشعب الليبي ممتنا لأي شخص يساعده في تحقيق الاستقرار في بلده، وجعل حياته طبيعية والسماح للديمقراطية بالنمو ويبدو أنهم ليسوا مستعدين للعودة إلى دكتاتورية معمر القذافي أو أي من جنرالاته مثل خليفة حفتر.

النفط هو مفتاح الأزمة

وفقًا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وافق القادة الذين شاركوا في القمة على عدم تقديم أي دعم عسكري للأطراف المتحاربة في ليبيا لكن هل ستحترم الدول المعنية الغارقة في المستقنع الليبي هذا الأمر، بالنظر إلى أن القوى الأجنبية التي ساعدت حفتر لم تحترم الحظر المفروض على الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يمثل حوالي 200 دولة، وليس فقط القلة التي ذهبت إلى برلين.

أدركت ميركل أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق بسبب العقبات التي وضعها حفتر، لكنها أشارت بوضوح في نهاية القمة إلى أن بلدها يريد توزيعًا عادلًا لعائدات النفط بين طرابلس وطبرق لماذا ميركل أصرت على التوزيع العادل للإيرادات الذهب الأسود؟ لماذا لم تصر القمة على أن عائدات النفط يجب أن تعطى فقط للحكومة المعترف بها ويجب وقف هجمات حفتر على العاصمة والقبض على الجنرال المتهم بارتكاب جرائم حرب؟

من الواضح أن برلين لم ترغب في تعقيد الأمور بالنسبة إلى أكبر شركة  منتجة للنفط الخام والغاز في بلدها وهي شركة «Holding Gmbh ماك القابضة» و«Wintershall فينترشال»، وتعد هذه الأخيرة أقدم شركة نفطية ألمانية تأسست في ليبيا عام 1958، وتعتقد ألمانيا أن التدخل الدولي سوف يديم الصراع في ليبيا، وأنه إذا كان هناك توزيع عادل لعائدات النفط بين المؤسستين الألمانيتين المتنافستين في ليبيا فإن هذا لن يدعم إنتاج النفط فحسب، بل يضمن أيضًا بيئة أكثر استقرارًا لشركة فينترسهال.

وفقًا لوكالة لبلومبرج، «الوصول إلى النفط الليبي هو حافز كبير لبوتين». لقد أرسلت روسيا حتى الآن 2500 مرتزق للقتال إلى جانب القوات الموالية لحفتر.

ونقل عن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قوله إنه يأمل في إعادة فتح منشآت النفط الليبية  التي أغلقتها الفصائل والميليشيات المؤيدة لحفتر ونقل بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عن بومبو قوله «أمريكا لديها مصلحة في مكافحة الإرهاب هناك فرص مهمة للطاقة في ليبيا».

هناك أيضًا مخاوف الأمم المتحدة بشأن النفط كما أوضح غوتيريس من خلال إحدى تصريحاته.

هناك أدلة كافية على أن القمة لم يكن القصد منها مساعدة الليبيين أو حكومتهم الشرعية، ولكن كان المقصود منها إيجاد طريقة لحل الأزمة التي تواجه مصالح القوى العالمية التي لها حلفاء معينون في المنطقة يشاركون في حروب بالوكالة في ليبيا، أرسل خليفة حفتر الذي انسحب من اتفاقية الصخيرات المدعومة دوليًا، رسالة إلى قمة برلين مفادها أن وقف إطلاق النار لن يحترم، وهي رسالة ضمنية منه أنه سيواصل هجماته على طرابلس.

إذا كانت القوى الدولية مهتمة حقا بإنهاء الفوضى والصراع في ليبيا، لكانوا قرروا تشكيل مجموعة آليات و عمل ومراقبة  لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار بدون شروط أو دعوة جميع الدول إلى احترام حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، على الأقل كان ينبغي من الدول المشاركة بالمؤتمر  الدعوة إلى تشكيل قوة دولية للذهاب إلى ليبيا بشكل استعجالي ووضع حد للانتهاكات وتحقيق الاستقرار في البلاد وإعدادها للعملية الديمقراطية، كما حدث عندما تدخل حلف الناتو ضد القذافي في عام 2011.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد