-1-
في مسألة التشدد

 

هل تستحق صياغات الأخبار في الصحف الألمانية الانتقاد؟ ربما٬ لكن أليس هناك فعلا ما يستحق التقويم؟

 

جريدة التابلويد الأشهر في برلين BZ-Berlin نشرت خبر عن مشاجرة بين شيشان وسوريين تطورت لاقتتال وتدخلت الشرطة، قبضت على البعض وتم إرسال مصابين للمستشفيات، كانت المعركة في بيت مخصص للاجئين الذين استضافتهم ألمانيا وتحولت القضية لنقاش مجتمعي.

 

و قبل أيام نشرت صحيفة Bild خبرًا عن مظاهرة ضد داعش وجرائمها ضد اليزيديين قابلتها مظاهرة صغيرة لشباب يحملون أعلام الدولة وانهال المناضلون على المتشددين بالضرب حتى أنقذتهم الشرطة. الشرطة حمت بعضًا من أصحاب الأفكار المتشددة لأنهم عبروا بسلمية بينما قابلهم من يفترض بهم البحث عن الحرية بالضرب .. أين المعقولية هنا؟!

صياغة الخبر ستتحدث عن إسلاميين داعمي داعش ولن تتبين الحقيقة والأعلام السوداء مرفوعة بشكل يدعو للأسى، لكن بالسؤال ستعرف أنهم ليسوا بالضرورة من داعميها وليسوا ممن تسميهم الصحف بالإسلاميين٬ سيكونون خليطًا من متشددين وقوميين وأشياء أخرى!

 

هل تصدق أن هناك من يدعم داعش والأسد في المدينة الألمانية؟!

 

الإجابة للأسف هي نعم، والخيال يرسم صورة قاتمة للوضع إن استمر جلب الصراعات بكل بدائيتها٬ التي يغيب فيها خيط الدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان ودعم الثورات لصالح العصبيات والقبليات. فمظاهرات دعم الثورة السورية يتصدى لها مؤيديون للأسد وحزب الله بشتائم ورمي زجاجات بلاستيكية أحيانًا.

 

وفي مظاهرة لأجل غزة اضطر الناس لخفض كل الأعلام العربية بعد اعتراض سوريين على رفع علم الثورة السورية.

ستكون نتيجة كل ذلك مقالًا في صحيفة Der Spiegel يتساءل عن كيفية التعامل مع مؤيدي داعش في ألمانيا وحظرهم، هل يمكن أن نمنعهم من حمل تلك الرايات السوداء؟ تقرأ هناك ردًا بائسًا من باحث يرى أن الراية رمز إسلامي منذ النبي محمد ومنعها سيؤدي للتطرف .. الواقع بائس للغاية!

 

سؤال لماذا تجذب الأفكار السلفية والمدارس المتشددة شبابا بمعدل متزايد؟!

 

ربما تكون هناك إجابات مباشرة عن عدم كفاءة الجانب المعتدل في تقديم بدائل جاذبة وسيكون هناك نقد مباشر للمجتمع الألماني الذي ينبذ الشباب من أصول أجنبية لأسباب عرقية واختلافات ثقافية، لكن هل التفسير كافِ هنا؟

 

التيار اليميني ينمو على الجانبين بشكل مخيف. فالأحزاب اليمينية تحرز تقدمًا في الانتخابات المحلية والأوروبية وأفكارهم تجد قبولًا متزايدًا في الشارع. ونجد كتاب Thilo Sarrazin، ألمانيا تلغي نفسها: كيف نضع بلادنا في خطر، “Deutschland schafft sich ab: Wie wir unser Land aufs Spiel setzen”.  يحمل أفكار سارازين المتطرفة.

 

فيُحذر خلاله من جلب الخطر وإلغاء ألمانيا لنفسها ويرجع مسألة التخلف لأسباب جينية٬ يحقق مبيعات صادمة منذ صدوره. جريدة Frankfurter Allgemeine تصف سارزين بصاحب الملفات المعادية للمسلمين.

 

 

في الجانب الآخر ستجد شبابًا يحملون أفكارًا مضادة لكل تلك العنجهية فيتحول للتشدد٬ لكن هذا طريق مسدود الأفق تماما!

 

الخبر.
هنا يجب على ضابط برليني حماية مؤيدي داعش
https://www.bild.de/regional/berlin/polizist/schuetzt-isis-anhaenger-mit-seiner-waffe-37220674.bild.html
-2-
في مسألة اللاجئين

 

ألمانيا لا زالت تمثل داعما كبيرا للاجئين. لكن يلاحظ ساكنو المدينة نوعيات من التصرفات الغريبة في المواصلات العامة ومعاكسات تصل لحد التحرش.

ولمن يعرف برلين سيعرف أن مترو الأنفاق والقطارات تحيط المدينة وتتمدد في شوارعها في نظام ممتاز ييسر حياة ساكني المدينة الكبيرة والعينة هنا ستكون معبرة عن المجتمع بشكل تقريبي.

 

التصرفات المريبة كانت محصورة سابقًا في بعض محطات خطي مترو الأنفاق U8 وU7، الآن ستجد في خط U6 وU3 في شرق وغرب المدينة فئات يرون وجودهم في البلاد كانعتاق كامل من كل القيود ومع كونهم متوسطي التعليم أو معدميه أحيانا سيتصرفون بنسق سيظهر مدمرا ويجعل المستقبل صعباَ للغاية.

كملحوظة عابرة لهؤلاء: هناك فارق بين المعاكسة الفنية والتحرش اللا أخلاقي٬ هذا بفرض التحرر التام عند الوافد للمدينة!

 

في المجلتين الوحيدتين اللتين تصدران بالعربية في برلين٬ ستجد تفرغًا تامًا للدعايات والصراعات المتبادلة. هل هناك تبنٍ لأي قضايا تهم المهاجرين أوالجيلين اللاحقين؟ ستكون هذه أمور فرعية يتولاها الألمان وكفى!

 

تتصاعد النبرات المعادية للمهاجرين بعد أن كانت في الغرف المغلقة وربما نخسر الجهود الحكومية وضغوط منظمات المجتمع المدني لصالح إنقاذ المزيد من الناس من جحيم الحروب المتصاعدة في المنطقة.

 

نعم كل إنسان يستحق العيش بكرامة ولكن لكل مجتمع شروط للعيش فيه٬ ليس بالضرورة الموافقة عليها لكن على الأقل احترامها.

 

لا أتحدث عن قيم دينية يفتقدها الناس أحيانًا رغم التشدق بها، ولكن عن شروط إنسانية ضرورية وهنا تقع المسئولية حقاَ على أهل الجالية وحكمائها٬ لا بد من إنشاء برامج أهلية ذاتية لتوعية الناس بالبلد وناسها واحترام الاختلاف مهما كانت الخلفية القيمية والثقافية. ولتكن برامج شبيهة بتلك التي تقدمها جمعيات ألمانية وبمهارة عالية لكن بأعداد محدودة.

 

هذه شروط أولية للتعايش وإلا فالحياة ستكون صعبة علينا جميعًا.

 

-3-
المشهد في دقيقتين

المشهد لخص الحكاية في دقيقتين متوترتين.

 

كنت في القطار ودخلت سيدتان محجبتان على شمالي وتلاهما قس قبطي مع فتاتين أمامي٬ السيدتان تنظران للقلنسوة السوداء والملابس والصليب الضخم بتعجب أقرب للسخرية والرجل ينظر للمحجبتين بنظرة متشككة حذرة، النظرات يتم تبادلها بتكرار وارتياب يصل لمرحلة الاشتباك.

 

تركت الكتاب من يدي وأرهفت السمع كفضولي يقع من قديم في هوى الحكايات. كان واضحًا أن الطرفين جديدان في المدينة التي لا تعرف توجساتهم المتبادلة ولا تاريخها المتراكم ولن تفهمها بالتأكيد. سيصطدم الطرفان حتمًا بمجتمع يتعامل مع فكرة الدين بهامشية شديدة في الإطار المحلي.

 

أما عن منطقتنا فتكفي دقائق مع أخبار القناة الألمانية الثانية ZDF لشرب مقلب التسامح العلماني في صياغة الخبر.

 

الحقيقة أن سماع أخبار منطقتنا بلغة أخرى يصدمنا أكثر في واقعنا المؤلم.

ذات مرة، طلبت مني سيدة ألمانية مقعدة مساعدتها، كنا في منتصف الليل وأنا وهي والكرسي المتحرك والنجوم٬ هي تمطرني بأسئلتها، من أين أنت؟ مسلم؟ سني أم شيعي؟ آه، لكن السنة عنيفون؟ ماذا تدرس؟ هل ستترك هنا قنبلة قبل أن تعود لبلادكم؟

 

20 دقيقة من الأمطار المتسائلة بجهل، تتبعها ردودي الساخرة، وقبل الوداع قلت لها، الإعلام مصدر معقول لصناعات تضخم الغباء، لم تستوعب الملحوظة الساخرة وهي تشكرني بكلمات سريعة.

 

و تذكرت هاني.

 

الشاب الذي قابلته مرة في قطار للقاهرة وجمعنا نقاش عن ديوان أبي القاسم الشابي الذي كان يحمله، وحكى لي عن تجربته كشاب في الجيش ثم يقطع حديثه فجأة: أنا مسيحي!

 

– و هل دا هيفرق بالنسبة لك يا هاني؟
– لا، بس بعض الناس بتاخدها بحساسية!

 

كنت سعيدًا بكونه شاب يواصل كفاحه في الحياة بعد التجنيد ويحاول التغلب على مصاعبها ككل شاب مصري. أعتقد أن كلينا كنا نريد تبادل الأرقام. كنت مشفقا عليه أن يخاف ففي النهاية لم تجمعنا إلا ساعتي سفر وأظنه كان خائفا أن أفكر بالمثل، كان اقترابًا لا يخلو من رواسب التشكك وإن صفت النوايا. التاريخ البائس المتراكم لا يمكن تجاوزه في لحظات.

القصص متعددة عن زملائي في الجامعة والعمل بين المدينتين المتباعدتين في المكان والزمان٬ القاهرة – برلين. ربما أستنتج معها أن معرفتي بصديق مسيحي غربي وكنيسته تفوق بمراحل معرفتي بقبطي، وكذلك العكس بطبيعة الحال.

 

هل يكفي تفسير الأمر بمجرد كونه واجهة صراع مجتمعي في دولة تعتمد منطق القبلية؟

 

هذا لم يعد كافيًا لرصد تنامي مشاعر التوجس بين الاثنين وفيما بينهم، المسألة تجاوزت السطح لبنية عميقة في المجتمع.

هل قلت من قبل أن الطريق يبدو صعبًا للغاية، يبدو أن تكرارها سيكون رفيقنا في مسيرتنا التي تبدو بلا نهاية قريبة، ليتنا نستعيد ذواتنا قبل فوات الأوان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد