«هناك قوى تصنع السعادة وقوى تصنع البؤس. لا نعرف أيهما سيسود، ولكن لكي نتصرف بحكمة يجب أن نكون على دراية بكلٍّ منهما.» — برتراند راسل.

تمهيد

بالنسبة له، يرى برتراند راسل أن ثَمَّة ثلاثة نظم اجتماعية تُحدِّد نمط التعايُش في كل عصر وفي كل حضارة، في الزمان والمكان، الأول هو نظام عصر القبيلة Clan – Period، ويُقصَد به الجماعات المنفصلة والمُغلقة التي ظهرت في بداية تكوين المدينة، لها عادات وتقاليد ونمط عيش مُستقِل عن الآخرين، أخلاقيَّاته تسود وتشمل جميع أفراد الجماعة، ولا زالت هُناك بعض القبائل التي تأخذ بهذا النظام القبلي إلى اليوم وتعيش بيننا، والثاني هو نظام الأسرة الأبويَّة Family – Period، وهو النظام الذي يُخالِف النظام الثالث، ألا وهو نظام عصر الفرد Personal – Period؛ حيثُ الأول تجتاح فيه الأسرة أو الروح الأبويَّة مساحة الحريَّة الفردية وتقيِّدها وتُخضِعها لها، فيما يُشبِه نوعٌ من النفوذ أو السُّلطة (الجزئيَّة أو المُطلَقة)، أما الآخر فإنه يرفع من شأن الفرد ويوسِّع من دائرة حريَّته، باعتباره مسئولًا عن ذاته، في مواجهة سُلطة هذه الأسرة أو ذاك المُجتمع، والتي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكيَّة خير مثال على هذا النمط في تنظيم الحياة الاجتماعيَّة، حيث تطوَّرت فيها بوادِره بما يعطي الفرد أكبر مساحة مُمكِنة، وتطوَّرت فيها قوانين الزواج والطلاق، التي ما زالت الكنيسة الكاثوليكيَّة في أوروبا، أو الشريعة الإسلاميَّة في الوطن العربي تُقيِّدها وتأخذ بزمام أمورها إلى حدٍّ كبير.

وبالنظر إلى المبادئ الحقوقيَّة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي جرى تأكيدها غير مرَّةٍ في قوانينٍ ومواثيقٍ وتشريعات، سنجد بما لا يدع مجالًا للشك ذلك الانحياز التام لهذا النظام الفردي في التعايُش، وهي بذلك تُعَد أحد أبرز الدول استيعابًا وتأكيدًا للفلسفات والمذاهب الفردانيَّة Individualism في السياسة والأخلاق والاجتماع على أرض الواقع، التي تَتِّخِذُ من الفرد موضوعًا لها، وتؤكِّد على قيمته المعنوية والمُطلَقة في مواجهة سُلطة المُجتمَع أو السُّلطَة السياسيَّة، من مثل الفلسفات الإنسانيَّة، والوجوديَّة، والليبراليَّة، والأناركيَّة… إلخ.

الجنس والحياة الاجتماعيَّة

«فتلك هي الحجة الدائمة لإرغامنا على السكوت، في مجتمع مثل مجتمعنا، العيب أداة الاستبداد، الإحساس بالذنب والخطيئة، هذا ما زرعته الأديان لكي تقيِّد حركتنا، لو تسنَّى للرجال والنساء الحديث بصراحة عن علاقاتهم وعن مشاعرهم وعن أجسادهم .. لكانت البشرية أكثر ازدهارًا وإبداعًا، وأنا على ثقة أن ذلك سيحدث يومًا ما.» — المُفكِّر اللبناني أمين معلوف.
ومن هنا يأخذ الحديث منعطفًا آخر، حيث ما فات هو مجرَّد تمهيد لموضوعنا الرئيسي، ألا وهو الجنس والحياة الاجتماعيَّة عند برتراند راسل. إننا كمجتمعٍ إذ ننظر إلى الجنس باعتباره سببًا من أسباب المكدرات والأمراض الاجتماعيَّة والانحلال الخلقي، نرتكب جُرمًا في حق أنفسنا والآخرين، ربما لا نعرف الآثار الوخيمة التي قد تنتج جرَّاء ذلك، أو نعرف ولا نمتلك الجرأة على القول!، وإرادة عكس هذه النظرة الدونيَّة للجنس التي تؤكِّدها ثنائية الجنس والخطيئة أو الذنب، في مجتمعٍ تسوده الأخلاق الفيكتوريَّة التي وَلَّى زمانها، إرادة النظرة البديلة تأتي عندما ينظر الأخلاقيون والمتديِّنون والأفراد إلى الجنس على أنَّه حاجة طبيعيَّة، ذلك لأن الجنس شأنه شأن أي مَطلب احتياجي آخر للإنسان، لازم وضروري له ولأي كائن حي على وجه الأرض، كما أقرَّ بذلك عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو في نظريته عن الدافع البشري عام 1943م؛ حيثُ وضَع ماسلو الجنس في قاعدة الاحتياجات الإنسانيَّة الأكثر أهميَّة بجانب الحاجات الحيويَّة. غير أن زيادة الاهتمام بفكرة الحريَّة الجنسيَّة في الحضارة الغربيَّة الحديثة إنما كانت استجابة عكسيَّة للتعاليم المسيحيَّة، التي أحاطت الجنس بكثيرٍ من القيود والمُعتقدَات الخرافيَّة القديمة.
يوضِّح هذا الشكل تدرُّج الحاجات عند ماسلو، الاحتياجات الأكثر أهميَّة عند قاعدة الهرم:

وهذه النظرة الليبراليَّة التي أتى لنا بها برتراند راسل إزاء الجنس تحديدًا، هي ما جعلت آراءه محط جدلٍ كبير بين عامة المثقفين والجامعيين، على أن آراءه لا تقتصر على هذا الجانب فحسب، بل إسهام راسل الفكري والفلسفي يعكس عبقريَّة لا مثيل لها، وله آراؤه في السياسة والأخلاق والفلسفة والمنطق والعلم، كما يُعَد راسل من القِلَّة المؤثِّرة والمثيرة للجدل في القضايا الاجتماعيَّة والسياسيَّة والأخلاقيَّة، وله مواقف سلميَّة عديدة تجاه الحروب والنزاعات والأسلحة النوويَّة والسياسات التعسُّفيَّة، كانت سببًا كافيًا لدخوله السجن غير مرَّة، فضلًا عن موقفه المعروف من النزاع العربي الإسرائيلي؛ ففي 31 يناير عام 1970م أدان راسل العدوان الإسرائيلي في الشرق الأوسط قائلًا: «كثيرًا ما يُقال لنا إنَّه يجب علينا التعاطف مع إسرائيل لما عاناه اليهود في أوروبا على يد النازى، إلا أن ما تقوم به إسرائيل اليوم لا يمكن السكوت عنه، وإن استجلاب فظائع الماضى لتبرير فظائع الحاضر هو نفاقٌ فادح».

وقوبلت آراء راسل حيال الجنس بقرارٍ تم بموجبه إلغاء تعيينه بروفيسورًا في سيتي كوليدج بنيويورك، إذ كانت تهمة عدم اللياقة الأخلاقيَّة لصيقة به في غدواته وروحاته، وأصبحت آراؤه – وبالتحديد تلك الخاصَّة بالأخلاق الجنسيَّة والمُفصَّلة في كتابه الزواج والأخلاق Marriage and Morals – غير قابلة للتدريس، الأمر الذي قوبل بدوره باستهجانٍ شديد من بعض المفكِّرين آنذاك، من مثل جون ديوي وألبرت أينشتاين وهوراس ماير كالين، حتَّى أن أينشتاين علَّق على هذا الأمر في رسالةٍ له إلى برتراند راسل بلهجةٍ تملؤها السخرية قائلًا: «لطالما واجهت العقول العظيمة معارضة عنيفة من العقول المتوسطة» وفي عام 1940م شرع هؤلاء المُفكِّرون يكتبون المقالات التي تنتقد هذا التصرُّف غير اللائق، ما عُرِف بعد ذلك بـ«قضية برتراند راسل» The Bertrand Russell Case.

قيمة الجنس عند راسل لا تنحصر في مجرَّد شهوة طبيعيَّة فرويديَّة قد يضيق معناها إلى حد أن يترتَّب عليها أخطار كثيرة تقود إلى الشراهة والحيوانيَّة، بل يرتبط بجانب كبير من بهجة الحياة الدنيويَّة، ففضلًا عن السعادة الأسريَّة، فالعلاقة الجنسيَّة قد يصدر عنها الدافع الشعوري البادي في الخَلق الفني Artistic Creativity، وقد لا تظهر العلاقة بين الجنس والإبداع الفني على نحوٍ واضح، غير أن آثارها السيكولوجيَّة أمرٌ لا شكَّ فيه. وإذا كان للجنس كل هذه الأهميَّة في حياة الفرد والمجتمع، فإن في الطبيعة الإنسانيَّة أيضًا دوافع أخرى للسلوك لا علاقة لها بقوَّة الجنس ولا تصدر عنها، وعلى رأسها السعي إلى الحصول على القوَّة، فمن هذا الدافع تصدر رغبة الطفل في المعرفة وحب الاستطلاع، اللذين يتحولان فيما بعد إلى شغفٍ بالبحث العلمي، وعن الميل إلى القوة أيضًا يصدر الطموح إلى المجد السياسي، وتدعيم الكيان الاقتصادي للفرد.

ويقول برتراند راسل في كتابه «السُّلطة والفرد» الذي نشره عام 1949م، أن مشكلة التعارض بين سلطة المجتمع والدولة وبين حريَّة الفرد هي مشكلة قائمة منذ العصر اليوناني وما زالت إلى اليوم، وهي تتمثَّل أيضًا في الجدل الواقِع بين النظم الرأسماليَّة التي توفِّر الحريَّة المُطلَقة لقلة من الأفراد، والاشتراكيَّة التي تضمَن مستوى أدنى من الحريَّة، لكِنَّها متساوية للجميع، والصراع بين الأيديولوجيَّة لا يحسمه إلَّا العلم، الذي سيؤدي في المستقبل إلى التوفيق بين إتاحة الحريَّة وضمان البقاء والاستقرار للجميع؛ حيث استطاع العلم منذ القرن السادس عشر تشكيل أفكارنا ومؤسَّساتنا وأنظمتنا الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والقانونيَّة التي نعيش بينها اليوم، وفي إمكانه أن يُكمِل هذه المسيرة حتَّى يحقق سعادة الفرد والمجتمع والدولة وضمان بقائهم.

الكبت الجنسي.. الأسباب والنتائج

«هكذا يتكوَّن إحساسٌ بالذنب يطال كل ما له علاقة بالجنس أو بالأعضاء التناسليَّة، وبما أن هذا الإحساس يبقى في «الأنا المثالي» فإن مُعظَم الناس، برأي فرويد، يعيشون حياتهم كلها وهم يشعرون بالذنب إزاء كل ما يرتبط بالجنس، في حين أن الرغبات والحاجات الجنسيَّة تُشكِّل جزءًا من جسد الإنسان، كما يتكوَّن من هنا الصراع الأبدي، يا صغيرتي، بين الرغبة والإحساس بالذنب.» — من رواية «عالم صوفي».
الكبت Repression، مفهوم يعني الكثير عند فرويد، ويمكن تفسيره ببساطة على أنَّه وسيلة دفاعيَّة يتم بموجبها استبعاد الإنسان للمشاعر أو الرغبات أو الأفكار أو الغرائز المُستكرَهة أخلاقيًا أو غير المقبولة اجتماعيًا من دائرة الشعور إلى دائرة اللاشعور؛ حيثُ تستبعد الأنا كل هذه الأشياء وتمنعها من الظهور، لأن هذه الأشياء، إذا بقيت في شعور الفرد، مَثَّلت له تهديدًا لذاته، وأشعرته بالذنب، والألم، والتوتُّر، ويرى فرويد أن اللاشعور أو اللا وعي هو مستودع للمكبوتات والغرائز غير القابلة للتحقيق في وسط وبيئة مُعيَّنة، والتي اعتبرها مُحرِّكات للسلوك الإنساني، وعادةً ما تتحيَّن الفرصة للظهور على هيئة زلَّات لسان، وأحلام، وأعراض مَرضيَّة، ويمكن تفسير الكبت أيضًا على أنه نوعٌ من تهذيب الذات للذات وفقًا لمعايير اجتماعيَّة واعتبارات دينيَّة وأخلاقيَّة مُحدَّدة.

ولعل اثنين من أهم الأفلام التي تطرَّقت إلى موضوع الكبت الجنسي وآثاره عند الرجل والمرأة في السينما المصريَّة هما فيلما «فيلم ثقافي» و«بنتين من مصر»، وإن كان الأخير يميل إلى جانب تصوير الحياة الاجتماعيَّة كمأساة أكثر منها ملهاة في الأول؛ إذ اتَّخذ المُخرِج المصري محمد أمين أسلوبين مختلفين في تناول الموضوع، الأول كان المعالجة الكوميديَّة مع «فيلم ثقافي»، والثاني كان المُعالجة التراجيديَّة مع «بنتين من مصر»، وجسَّد الاثنان هذا الصراع النفسي بين الذات ورغباتها والمُجتمَع ونتائج هذا الصراع بشكلٍ عبقريّ.

ضياع السعادة الأسريَّة في مجتمعنا

ويُمكِن إسقاط كل قاله برتراند راسل على واقعنا العربي، حيثُ لا يقتصر كلامه على السياق الأوروبي المسيحي فقط، بل يمتد إلي السياق العربي الإسلامي أيضًا، ذلك لأن الترسُّبات الأخلاقيَّة المُستمَدة من التعاليم المُقدَّسة لا يخلو منها أي دين وبالضرورة أي مُجتمَع، والآيات القرآنيَّة تُعطِينا نفس النظرة الدونيَّة والعنيفة إزاء الجنس (أو الزنا) وممارسيه، إلا في إطار الزواج، الأمر الذي يجد فيه الفقيه نفسه أمام إشكاليَّةً مُستعصية على الحلّ، هي واجب الالتزام بالنص، وواجب تحقيق المصلحة العامَّة أينما كانت، وليس من المصلحة العامَّة في شيء أن تُكبَت الغريزة الطبيعيَّة، ذلك ما يعود على المُجتمَع بشرور التحرُّش والاغتصاب والاعتداء والعنف والكراهية للجنس الآخر، خاصةً عند الطبقتين الفقيرة ثم المتوسِّطة، ربما بسبب الضائقة الاقتصاديَّة والظروف العسيرة التي يعيشونها، الأمر الذي بسببه تمَّت شرعنة وإتاحة هذه العلاقة الجنسيَّة في أُطُر وقوالب فقهيَّة ليس للمُجتمَع فيها من شأنٍ صالح أيضًا، من مثل الزواج العُرفي وزواج المسيار وزواج المُتعَة، مِمَّا يجعلنا نتساءل.. هل السعادةِ لأفراد المُجتمَع مُمكِنة بمثل هذا المنطق؟ المنطق الذي يكبت الغريزة الطبيعيَّة ثُم يُشرعنها بما يعود على المُجتمَع بكل شرور التفكُّك الأُسَري وانحلال بنية الأدوار الاجتماعيَّة؟

وهنا يؤمن برتراند راسل بالعلم وقدرته على الحل والتفسير والتعليل، إذ إن هذا العلم الذي يؤمن به يُعطينا جوابًا على تساؤلاتنا هذه؛ حيثُ ما أحرزه التقدُّم العلمي خاصَّةً في مجالات الطب وعلم النفس والأنثروبولوجي قد حتَّم ضرورة النظر إلى الأخلاق أو العادات والتقاليد على ضوءٍ جديد يُخلِّصها من الترسُّبات الباقية من المُعتقدات الخرافيَّة، الموروثة عن النظم الاجتماعيَّة القديمة، تلك الترسُّبات التي لا بد من كشفها وإلقاء الضوء عليها حتي يُمكِن ضمان سعادة جميع أفراد المُجتمَع دون مانع.

سيعيش المُجتمَع حالة البؤس هذه للأبد إن لم ينظر إلى الأمور بمنظورٍ عقلانيّ وعلميّ، يرى أين هو النفع أو الفائدة الحقيقيَّة من فعل هذا أو ترك ذاك، وسيظل الفرد ميِّتًا إن استمرَّ يقيس المسائل بمعايير نظام عصر القبيلة لا بعقله، هذا ما أكَّدته وجوديَّة سارتر، وإنسانيَّة مارسيلو فيتشينو (1433 – 1499)، وما تؤكِّده الفلسفات الإنسانويَّة على امتداد التاريخ، في أن الحريَّة الفردية لا تقف عند نص مُقدَّس أو تخضع لسُلطةٍ غاشمة أو تنضوي تحت لواء أي حقيقة مُطلَقة، إنها تعقل ما تسمع وتنتقد ما ترى، ما عدنا في نظام عصر القبيلة بعد الآن، إننا في عصر الفرد، حتَّى وإن بدا في الواقع عكس ذلك، ولا مناص إلَّا الإيمان بالعقل والحريَّة والفرد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

ديانة السعادة
عام
منذ 3 سنوات
المجتمع والحرية
شارك 45
مجتمع
منذ أسبوعين