بعض ماورد في رسالة الغفران

رسالة الغفران هي إحدى روائع الأدب العربي في العصر العباسي، كتبها أبو العلاء المعري – أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، كنيته أبو العلاء، وبلده معرة النعمان قرية صغيرة بين حلب وحمص في شمال سوريا – ردًا على رسالة أرسلها له الشيخ علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، ويكنى أبا الحسن، بأسلوب أدبي نثري يعرض فيها أبو العلاء أراءه في أبناء عصره وقضايا عايشها، تشبه إلى حد كبير ما نراه في زمننا اليوم، وكأن طباع البشر لا تتغير أبدًا.

يذكر أبو العلاء المعري أثر رسالة ابن القارح الطيب في نفسه، ثم يبدأ خياله بإبداع قصة نثرية يعرض فيها منازل الشعراء في الجنة والنار ويستذكر العديد من أشعارهم التي كانت سببًا لنيلهم الشفاعة مثل تميم بن أبي بن مقبل.

بطل الرسالة هو ابن القارح، بين الجحيم والجنة يتنقل ليرى مراتب الشعراء بأسلوب سخرية، اختلط فيها الديني الغيبي بما هو دنيوي واقعي وبما هو خيالي، رأى كثير من النقاد أن الكاتب الغربي دانتي الألجيري تأثر به كثيرًا في كتابه الكوميديا الإلهية التي بطلها الشاعر الروماني فيرجيل، حيث تبدأ من الجحيم في حين أن رسالة الغفران تبدأ في الجنة.

لقي أبو العلاء المعري من الذين يقرؤون الكلام بضيق فهم، ولا يقدرون الموهبة الخلاقة في ابتكار ر الكلمة، ويسعون للتقليد والسير على طريق مألوفة، كل إنكار واجحاف، فاتهمه من لا يفهمه بالإلحاد وقولوه ما لم يقله في الاستهزاء بالأديان والحط من كرامة مؤسسيها، إن هذه معضلة المفكرين في الشرق، إذا لم يتوافق قولهم مع اراء الغالبية والتيار السائد نبذهم شرقهم وألصق فيهم أشنع الأوصاف، هذا ما لا نجده عند الغربيين، فالغرب يحترمون حرية مفكريهم ولا يخلطون المذاهب والأديان بالفكر والنبوغ، وما زلنا إلى يومنا هذا يعاني المفكرون والمبدعون في شرقنا من خلط المذاهب والتيارات بالإبداع والابتكار، ولا نتقبل منهم الخطأ ولا نحترم الاختلاف.

«الفكر الإنساني بصيص من النور الإلهي الفائض على الوجود، والمفكرون مصابيحه ينعكس منهم على دونهم»، متى سنبذر للمفكرين أجود البذور ونعتني بتربتهم لتثمر غراس في شرقنا أكمل الإبداع؟

أثار المعري قضية الدين ردا على ما اتهم به من الزندقة، فهو يرى أن أكثر الناس يرثون عقيدتهم ولا يعتنقونها عن دراسة واطلاع، لذا فهو يدعو الإنسان إلى التزام العقل في الأمور الدينية لأن المؤمن عن طريقه يكون أصدق عقيدة وإيمانًا.

كما يهاجم في مواضع كثيرة الرجال المتسترين بالدين وصولًا إلى أهداف وغايات دنيوية.

رأيه في الحلاج:

كم افترى الحلاج، وجميع ما ينسب إليه لم تجر العادة بمثله، وأقل رتب الحلاج أن يكون شعوذيًا لا ثاقب الفهم، على أن الصوفية تعظمه منهم طائفة، وما ذلك إلا بدع من جهل الناس.

وذكر له هذه الأبيات:

يا سر سر يدق حتى يجل عن وصف كل حي

وظاهرًا باطنا تبدى من كل شيء لكل شيء

رأيه في المرأة:

إن كان لأحد أن يسخط على أبي العلاء فهي المرأة؛ فقد احتقرها وأنكر عليها أكثر مزاياها، واندفع يشدد عليها الحجاب وينصحها بالعدول عن العلم، فإذا أصرت نصحها أن تحفظ القليل من الشعر، يقول:

علموهن النسج والغزل وخلو كتابة وقراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص تغني عن يونس وبراءة

قد يكون كرهه للمرأة لأنها أصل التكاثر والذرية، وهو كاره للزواج والإنجاب، أضف إلى ذلك أن المرأة في عصره كانت أداة للمتعة ومكانتها بشكل عام ضعيفة ومسلوبة الإرادة، ولم تكن أكثر النساء صاحبات علم ودراية.

وأما حلب فلم يذكر حلب إلا وأردفها الدعاء والمديح، فيقول:

وأما حلب – حماها الله – فإنها الأم البرة وما أحسبها – إن شاء الله – تظاهر بذميم العقوق، ولا تغفل المفترض من الحقوق.

كما ذكر لقاء ابن القارح بسيدنا أدم عليه السلام فيقول على لسانه:

تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح

وأودي ربع أهليها فبانوا وغودر في الثرى الوجه المليح

إنكم معشر بني في الضلالة متهوسون، اليت ما نطفت هذا النظم ولا نطق عصري، كذبتم على خالقكم وربكم، ثم على أبيكم ثم على حواء أمكم وكذب بعضكم على بعض.

وهنا تظهر نظرة أبي العلاء المعري التشاؤمية للناس والحياة، واستياؤه من طبائع البشر.

كما يقول عن النحاة مستهزئا، أنهم ينقلون ما هب ودب ولا يتحرون الصدق والحقيقة، وكم من الأخبار والأشعار والأحداث وصلتنا تائهة بين وجهات النظر وما زيد عليها وافتري، فيقول: كم روى النحاة عن طفل ماله في الأدب!

بعض من أجمل الأشعار التي وردت في الرسالة:

ذكرت الصبا فانهالت العين تذرف

وراجعك الشوق الذي كنت تعرف

فأقبلن يمشين الهوينا تهاديا

قصار الخطا منهن راب ومزحف

ولما رأين الصبح، بادرن ضوءه

دبيب قطا البطاء أوهن أقطف

وأدركن أعجازا من الليل بعدما

أقام الصلاة العابد المتحنف

جران العود

يقول شاعر اخر يسمى عبيد:

من يسأل الناس يحرموه

وسائل الله لا يخيب

يقول على لسان بشار بن برد:

وما كل لب بمؤتيك نصحه

وما كل مؤت نصحه بلبيب

يقول على لسان ابن القارح:

ذكرتك والحجيج له عجيج بمكة، والقلوب له وجيب

أتوب إليك يا رباه مما جنيت فقدت تظاهرت الذنوب

ويقول:

وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد