الرواية التي سنتكلم عنها، هي أيقونة رومانسية جديدة تنضم لمكتبة العالم، جنبًا الى جنب بجوار أعظم الأعمال الإنسانية التي كُتبت في ظل التاريخ المعاصر، بعيدًا عن أي أرقام حققتها، وبغض النظر عن أي نجاحات وصلت لها من شهرة أو جوائز استحقتها، وسنتناول ما يخصها في شكل نقاط مهمة وتفاصيل لم تُذكر من قبل باللغة العربية.

 

  • كاتب الرواية.. john green

هو(john green) الكاتب والمدوّن الأمريكي الجنسية، الشهير بكتابته الرومانسية والخيالية للمراهقين، المبنية على جدارته الأدبية، وثقافته وخبرته الواسعة التي اكتسبها في وقت قصير من خلال عمله ككاتب إذاعي في راديو شيكاغو، وكمساعد محرر وناقد في صحف مراجعة نشر وإنتاج الكتب، وككاتب قصصي وروائي، حيث أصدر رواية الأولى(Looking for Alaska) عام 2005، وحظيت بشهرة كبيرة. ولدى (green) مدونة مرئية على اليوتيوب (VlogBrothers channel) بالاشتراك مع أخيه، ويذكر أن له إسهامات مجتمعية وخيرية.

 

  • عنوان الرواية: The Fault in Our Stars

صرّح الكاتب (john green) في أغسطس عام 2009، أنه بصدد كتابة رواية بعنوان (التتمة أو The Sequel) ولكنه في قرار مفاجئ أعرض عن فكرته تلك، وقرر في يونيو 2011 إعادة هيكلة “التتمة” ودمج أجزاء منها في روايته المقبلة -والتي هي محور حديثنا- ومن ثم أُصدرت تحديدًا في العاشر من يناير 2012 عن مؤسسة النشر الأمريكية (Dutton Books)، بعنوان (The Fault in Our Stars أو الخطأ في أقدارنا) وهو عنوان مقتبس من مقطع حواري بمسرحية يوليوس قيصر لـ (شيكسبير)، حينما قال النبيل كاسيوس مخاطبًا بروتوس: الخطأ يا عزيزي بروتوس، ليس في نجومنا )أقدارنا(، بل في أنفسنا، لأننا أشخاص ضئيلو الشأن.

 

  • نجاحات الرواية: تُرجمت لأكثر من خمسين لغة في أقل من 3 سنوات.

كتبت عنها المجلة الأمريكية (Entertainment Weekly) الشهيرة:
“The greatest romance story of this decade!.”

أي أنها أعظم قصة رومانسية في العقد الحالي، أي خلال عشرة سنوات، كما حازت على جائزة “كتاب العام” بموقع التقييم الأشهر عالميًا(goodreads)  عام 2012.

 

طُبع الكتاب بأكثر من خمسين لغة إلى الآن، ومنذ تاريخ إصداره لا يخرج من قوائم الأكثر مبيعًا للمؤسسات العالمية التي تعاقدت على نشرة ببلدانها، بل ما زال يتصدرها في بعض الأوقات، برغم أنه مصنف لدى معظمها على أنه كتاب للمراهقين، لكنه على حد تعبير التايمز: كُتب بصدق وجداني تام.

 

وهذا جعله من الأعمال غير العادية والمؤثرة في النفس البشرية بشكل عام، وتصويره  كفيلم فيما بعد أمر بديهي. وبسببها سُجل اسم “غرين” بقائمة مجلة التايمز لعام 2014 ضمن أقوى 100 شخصية تأثيرًا في العالم، وفاز ككاتب ومدّون بجوائز عدة من مختلف البلدان وبلغ مرتين المراتب النهائية لجائزة “لوس أنجلوس تايمز” للكًتاب.

 

ومقارنة بأقرانه الأدباء الجدد فلم يحتج (john green) سوى ثلاثة سنوات فقط كي نقرأ النسخة العربية من روايته عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر اللبناني في بداية عام 2015، والتي تُرجمت على يد أنطوان باسيل.

 

  • فكرة الرواية..الحب في زمن السرطان!

فكرة أن يخرج لنا عمل إنساني عظيم ليحظى بمكانة عالمية واسعة الانتشار، وبهذه السرعة في عصرنا الحالي بما فيه من كُتاب شباب وكبار متنافسين، فكرة في غاية الصعوبة لكن “غرين” أثبت سهولتها فقط لأنه آمن بها، ووثق في ذاته التي تستطع تقديم الأفضل عما قُدم سابقًا. فقد كان بمثابة تحدٍ له، هذا ولأن تناوُل علاقة بين حبيبين في ظل معاناة أحدهما بالسرطان عرضت سابقًا في راوية (A Walk to Remember) عام 1999 للكاتب الأمريكي الشهير(Nicholas Sparks)، والتي تحولت لفيلم رائع عام 2002 يحمل نفس الاسم. أما في روايتنا (The Fault in Our Stars) فالحبيبان كلاهما مصاب بالسرطان!

 

وهناك روايات أخرى عديدة دارت حول نفس الفكرة تقريبًا -باستثناء الوصول للنهاية- لكنها لم تلقَ أي نجاح يُذكر على المستوى العالمي بعدما قورنت بـالروايتين السابق ذكرهم، كرواية (The Probability of Miracles) للكاتبة (Wendy Wunder) والتي طُرحت عام 2011.

 

فبرغم تلك المتشابهات بحبكة المرض اللعين إلاّ أن “غرين” قدم بوتريه روائي بطابع حديث ومختلف تمامًا، رسم بريشته بطلان يمنحان الحياة لك تارة، وتارةً أخرى يأخذونها منك، (هازال وغاس) التقيا وسط مجموعة الدعم لمرضى السرطان -حيث يسرد المصاب مشاعره ويحكي آلامه ومخاوفه-  ومن ثم يمهِد القدر لعلاقة صداقة ليشارك كلِ منهما الآخر هوايته -القراءة ومشاهدة أفلام الفيديو- حتى يقعا في الحب،

 

لتجد البعد الإنساني والحسي في أبهى صوره، بين فتى ذي 17 عاما مصاب بسرطان العظام ومراهقة في 16 من عمرها مصابة بسرطان الغدة الدرقية الذي اجتاح نصف رئتيها، وهكذا تتمحور الأحداث ليجتازا الكفاح ،النضال، المعاناة حتى الرثاء!

 

يحاولون العيش في سعادة ما تبقى لهم حتى آخر نفس تستطيع أجسادهم أن تتكيف معه، لأن الفراق في عينيهما قادم لا محالة، ويعرفون جيدًا أنه ما هو إلاّ فرق توقيت وحسب!
فمنْ سيترك الآخر قبل الآخر لحياة أخرى ليس بعدها شيء آخر، منْ؟!

 

وعلى الصعيد الأدبي، فهناك محور بسيط للغاية استخدمه غرين وفيما بعد أصبح يعني لجمهور الرواية الكثير والكثير. وهو استخدامه لكتاب عبارة عن رواية بلا نهاية بعنوان (محنة عظيمة أوAn Imperial Affliction) لكاتب يدعى (Peter Van Houten) حيت تظهر الأحداث مدى ارتباط (هازال) بتلك الرواية فلا تقرأ غيرها طيلة الوقت ولا تكف عن التفكير في نهايتها وكل مرة يزيدها التفكير شغفًا لمقابلة الكاتب ليضع نهاية لما كتب عن البطلة لأنها تؤمن بتشابه ما بينهما.

 

وهكذا إلى أن أصبح الكتاب هذا ملهما للبطلين طيلة أحداث الفيلم، مما أضفي على الحبكة والأحداث متعة خاصة، وجعل العمل أكثر عمقًا. وقد نجح بشهادة الكثير من النقاد والقراء بالمواقع المختلفة، واعتبر من الأشياء المثيرة والمحببة لدى الجمهور خاصة حينما علموا أنها وهمية ولا وجود لها، حيث يُخمن النقاد أنها هي نفسها أجزاء روايته “التتمة” التي تراجع في السابق عن كتابتها.

 

وإمعانًا في الخديعة فقد ثبت “غرين” غلاف صفحته الشخصية بتويتر صورة لكتاب بعنون (An Imperial Affliction) مما جعلنا نعتقد بوجود الكتاب بالفعل. مما دفع قراء العالم وأنا منهم بالبحث عن الرواية الملهمة للبطلة، ظنًا منا بأن هناك بالفعل كاتب يدعى (Van Houten) ولديه عمل يسمى محنة عظيمة.

 

وفيما بعد فاجأنا بكتاب مكون من 6 صفحات على موقع (goodreads)  مسجل باسمه وباسم الكاتب الوهمي “فان هوتن”، كنوع من زيادة أواصر الصلة بالجمهور وأيضًا كي يتسنى لهم تصوير لقطات الفيلم.

An Imperial Affliction

 ففي الواقع، ليس هناك كاتب بهذا الاسم، لكن –حتى لا يختلط الأمر- هناك كتاب فقط بعنوان مشابه للكاتب Thomas Simmons)) يتحدث عن شعراء بريطانيا وحياتهم ما بين القرن 18 و 19 وهو موضوع ليس له علاقة بمحنة “جون غرين” العظيمة التي اخترعها هنا.

 

  • كيمياء الرواية

الحب، الألم، الدموع.. جميعها عوامل مشتركه للغالبية العظمى من الروايات الرومانسية الناجحة، لا أقصد إطلاقًا ربط حتمية النجاح بمدى مأساوية العمل بالمعنى الدارج هذا، أو مثلًا قد يلفت انتباه البعض أن كون العمل ناجحًا يعنى أن له شهرة عارمة وجمهور مفتون به حد التعصب ولا يقبل أي نقد.

 

كلا، فهذا هراء محض، فالنجاح الذي أعنيه للعمل الرومانسي، هو نجاحة ذاتيًا في التأثير عليّ وعلى الآخرين، بما يتماشى مع حياتهم قبل ثقافاتهم حينما يُحدد القارئ العادي نقطة تلاقي بين ما تحاكيه الرواية من خيالات، وما يعيشه هو من واقع.

 

الرواية بشكل عام رومانسية بحتة؛ أي لا تتوقع أن يأتيك الكاتب بمعلومات جبارة عن هذا المرض اللعين، فبرغم أن الكاتب قد أبرز لنا علاجا تتناوله هازال ليعطل نمو الخلايا السرطانية داخل أنسجتها إلاّ أنه بالطبع علاج من وحي الخيال كي تستمر بطلته في إبكائنا.

 

الرواية تتجلى عظمتها كلما اقتربت نهايتها، وبرغم هذا أعترف بملئ فمي بأني كنت أتلكأ في إنهائها، فكلما اقتربنا أخذنا “غرين” لمنحنيات في حياة أبطاله منطلقًا في إطار رومانسي تراجيدي به مسحة كوميدية بيضاء، تدلف بك لحماس لم تعهده، فبينما تتولى سطور الشجن والحب الممزوجة بآلام الدموع المجمدة بعينيك أريدك ألاّ تتفاجأ إن وجدت فمك يبتسم من تلقاء نفسه برغم أن أحداثها لا تستدعي ذلك.

 

كيمياء غريبة تختلط فيها المشاعر من حالة لأخرى لكن تبقى الإنسانية التي صاحبت هذا العمل من أروع ما قُدم عن معاناة مرضى السرطان وحدهم دون العالم، فالعالم بالنسبة لهم مسخ سخيف يقيم مصنعًا لبيع الشفقة والمواساة كسلعة رثة بالية وجب التخلص منها، دون التفكير في منح أمانيهم حق الحياة قبل التفكير.

 

  • الفيلم المأخوذ عن الرواية:

دفع النجاح الجماهيري للرواية حول العالم مؤسسة (Fox 2000) للحصول على حق تحويلها لفيلم جاء أروع ما يكون إخراجًا وتمثيلًا، يحمل نفس الاسم – واختصارًا له يُعرف إلكترونيًا بـ (#‎TFIOS) – بطولة الجميلة ((Shailene Woodley التي قامت بدور “Hazel ” والوسيم (Ansel Elgort) في دور “Gus”.

 

فبمجرد عرض أول إعلان مصوَر للفيلم في يناير 2014 تخطى الفيديو الـ3 مليون مشاهد في أقل من 24 ساعة. وعندما عُرض بصالات الولايات المتحدة في يونيو من ذات السنة تربع على عرش إيرادات قائمة الـ ((Box office في أسبوعه الأول برصيد48.2  مليون دولار، بعدما أزاح فيلم (Maleficent) من المرتبة الأولى للنجمة أنجيلينا جولي. ومتفوقًا أيضًا على فيلم (Edge of tomorrow) للنجم الكبير (توم كروز).!

 

واستمر الفيلم في حظو الإيرادات حتى تجاوز إجماليها الـ300 مليون دولار برغم أن ميزانيته لم تتجاوز الـ12 مليون!. وحصل الفيلم وأبطاله وصناعه مجملًا على 15 جائزه ورشح لأخرى عديدة.

 

الفيلم جاء بنفس الفكرة وبنفس تناسق الشخصيات مع بعض الاختلافات، فالرواية أكثر كمالًا واتساعًا لشخصيات ثانوية لم يذكرها الفيلم، ولكن لم ينفّر القُرّاء منه، بل زاد أغلبهم استمتاعًا فكل منهما مكمّل للآخر.

 

الموسيقى التصويرية للعازفان (Mike Mogis , Nathaniel Walcott) لعبت دورا أعظم ما يكون وتعتبر من أمتع النوتات التي سمعتها في حياتي. وكان لها عامل الشجن منذ الوهلة الأولى إلى الأخيرة، خاصة الخاصة بصوت الرَاوية طوال أحداث وحتى المشهد الأخير وهي البطلة “هازل” نفسها.

 

لكن مهم جدًا أن تقرأ الرواية أولًا، فشخصيًا أنا للأسف لم أحظ بالمفاضلة بين ما أبدا به، لأنهم بالطبع أنهوا تصوير الفيلم قبل أن تُنتج روايته بالعربية.

 

  • ملحوظة

انتشر مؤخرًا مجموعة كاتبات مراهقات ذوات أعمال يُقال عنها إنها رومانسية، للأسف معظم تلك الأعمال أخذت مكانة لا تستحقها. أعتقد أنهم بعدما يقرؤون هذا العمل سيحتقرون كتبهم وأقلامهم ومنافقيهم المرافقين لهم في حفلات التوقيع أينما ذهبوا.

 

نحن كعرب مازلنا نفتقد العمل الرومانسي القوي سواء مشاهد على التلفاز أو صفحات في روايات، نفتقد الكاتب الناضج ذا المجهود المضني، نفتقد القارئ الواعي ذا العقل المثقف، نفتقد الناشر الناجح ذا الضمير الحي، نفتقد هؤلاء بعدما ضرب هوس العمق شبابنا في رحم ثقافته، رحم الله عظماءنا خاصة أستاذ “يوسف السباعي” رائد المدرسة العربية في هذا الشأن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد