لا يخفى على أحد تأزم الوضع الصحي في مصر، وعلى الرغم من تعاقب من تولوا منصب وزارة الصحة، إلا أن الحلول المقدمة تبدو ضعيفة ولم تلق النجاح المنشود، اللهم إلا بعض الحملات ذات الأهداف الواضحة والزمن المحدود التي حققت أهدافها ولاقت ترحيبًا من متلقي الخدمة مثل حملة تطعيم شلل الأطفال وحملة القضاء على فيروس سي، أما الحل الدائم والجذري لمشكلة تقديم الخدمة الصحية في المستشفيات ما زال مفقودًا.

 

يرى البعض أن الحل يكمن في زيادة ميزانية الصحة وزيادة رواتب الأطباء والعاملين بالقطاع الصحي والذي بدوره سيسد العجز في المستشفيات ويشجع الطاقم الطبي على القيام بدوره على النحو الأمثل، لا شك أن زيادة ميزانية الصحة أمر مطلوب وحتمي ولا غنى عنه، كما أن الحل الذي أطرحه في هذا المقال يتضمن هذا البند الرئيسي، ولكن لا يمكننا الزعم بأن هذا البند فقط ولا شيء غيره سيحل مشكلة الصحة في مصر، لأننا هكذا نتغافل عن القطاع الأكبر والأكثر تأثيرًا في صحة المواطن المصري ألا وهو القطاع الخاص.

 

لقد كان للإعلام والسوشيال ميديا دور كبير في تسليط الضوء على التراجع الحاد والمزمن للمستشفيات الحكومية عن أداء دورها في تقديم خدمة طبية جيدة بسبب نقص التجهيزات وقلة الدواء وصعوبة الحصول على سرير بالرعايات المركزة أو العثور على حضّانة لطفل حديث الولادة. أضف إلى ذلك مشكلات القطاع الخاص، لربما تنبهت إلى زيادة معدلات الولادة القيصرية على حساب الولادات الطبيعي بشكل ملحوظ وبدون أسباب طبية واضحة، كما أننا من أكثر الدول إفراطًا في استخدام المضادات الحيوية والعقاقير المسكنة وما له من مخاطر ومضاعفات على صحة المرضى، ولعلك مررت بقصة أحد المرضى الذي تلقى تشخيطًا خاطئًا من أحد الأطباء المشهورين، أو تم وصف له عملية جراحية لا يحتاجها، أو أهل مريض ذهبوا به إلى العديد من الأطباء المشهورين ولكنهم لم يجدوا التشخيص أو العلاج المناسب إلا عند أحد الأطباء غير المعروفين، والذي يؤكد أن الطبيب المشهور ليس بالضرورة أنه الأفضل والأكثر علمًا ولكنه الأحسن كلامًا والأكثر إقناعًا وإرضاءً للمريض، وذلك هو السبب في لجوء الكثير من الأطباء للاستجابة لطلب المريض بوصف له المضادات الحيوية والمسكنات الأقوى التي يشعر معها المريض بتحسن في وقت أقصر بغض النظر عن المضاعفات طويلة المدى، وبالتالي يحصل الطبيب على رضا المريض وتزداد شهرته دون مراقب أو محاسب على عمله.

 

لذا فالحل الفعلي للمنظومة الصحية لا بد أن يشمل شقيها الحكومي والخاص مع مراعاة قدرات المواطن المادية، بحيث يكون تلقي الخدمة الطبية متاح للقادر وغير القادر بأعلى درجة من الكفاءة ومهما كان تكلفة العلاج، سنتناول الآن الخطوات التي اقترحها لحل الأزمة، والتي ربما تلاقي قبولًا لدى البعض لكنها حتمًا ستلقى رفضًا من الكثير.

 

أولًا: إلغاء العيادات الخاصة تمامًا ونهائيًا

ما قرأته صحيحًا، هناك الكثير من الدول التي لا تجد بها عيادة طبيب، وكي تستشير طبيبًا عليك التوجه إلى مواعيد تواجده بالمستشفى، الأصلح لمصر أن تكون من تلك الدول.

 

إذا افترضنا أن هذا الحل ممكن فما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ وما هي طريقة تنفيذه؟

 

عند إلغاء العيادات الخاصة تنتفي المنفعة المباشرة بين الطبيب والمريض أو على الأقل تصبح أقل وطأة، فعندما لا يتلقى الطبيب أجرًا من المريض مباشرة وإنما يتلقاه من المستشفى مقابل ساعات عمل محددة، فلن يميل الطبيب إلى إجراء جراحة غير ضرورية، لن تجد تفضيلًا للولادة القيصرية عن الطبيعية إلا لضرورة طبية، لا يضطر الطبيب لوصف مسكنات إلا بالحد المسموح به عالميًا كي لا يسبب ضررًا لأجهزة جسم المريض على المدى البعيد، لن يصف الطبيب مضادًا حيويًا إلا بناء على تحليل أو أعراض تؤكد وجود التهاب بكتيري، وسيصف المضاد الحيوي الاكثر تناسبًا للمرض وبالجرعة المطلوبة حتى لا يصنع ميكروبًا مقاومًا للعلاج، الخلاصة أن الطبيب لن يبحث عن شهرة بين المرضى، وتصبح الشهرة الحقيقية كما يصنعها أطباء الخارج بالتميز بين الأطباء وبعضهم بما قدموه للعلم أو للمرضى.

 

لن يكون الدافع الوحيد للطبيب على اختيار طريقة العلاج الأنسب للمريض هو ضميره فحسب، فعمل الطبيب داخل المستشفى هو team work أو عمل جماعي، وبالتالي دائمًا وأبدًا هو تحت رقابة وتقييم من زملائه، سواء أساتذته أو من يكبرنوه ويعلمونه أو تلامذته أو من يصغرنوه، على العكس من العمل بعيادة خاصة يكون هو صاحب القرار دون مشورة دون رقيب دون مسؤولية.

 

كيفية تنفيذ قرارًا كإلغاء العيادات الخاصة، يجب أن يكون تدريجيًا وليس بين ليلة وضحاها، أولًا تخصص الدولة مساحات من الأرض لإقامة مستشفيات على حسب احتياج كل مدينة أو قرية، ثم توضع تصميمات لكل مستشفى بالشكل الذي يناسب عدد التخصصات المطلوبة وعدد المواطنين متلقي الخدمة، وتطرح هذه الأراضي للبيع للمستثمرين بشرط بناء المستشفى في زمن محدد، ويتم إعفاء المستشفيات الجديدة من الضرائب لفترة كافية لتشجيع المستثمر على إقامة المشروع، مع زيادة رسوم فتح العيادات الجديدة وزيادة الضرائب تدريجيًا عامًا بعد عام على العيادات، فيتجه الأطباء إلى العمل بالمستشفيات الخاصة بدلًا من العيادات، أو ربما يشترك البعض لبناء مستشفى بدلًا من إقامة كل طبيب لعيادته الخاصة، فيستفيد المريض من وجود سرير ومتابعة من طبيب وتمريض وليس فقط استشارة سريعة في عيادة.

 

هل تعلم أن المنفعة المباشرة تظل موجودة بين الطبيب والمريض في المستشفى الخاص؟ بالطبع هذا موجود بحال مستشفياتنا الحالية، ولكن من الممكن وضع المعايير للمستشفى كي لا تتحول إلى مجرد مجمع عيادات، بأن تقسم المستشفى إلى أقسام وكل قسم به مجموعة من الاستشاريين والإخصائيين والأطباء المقيمين، وأن تكون عقود الأطباء برواتب ثابتة ولا ترتبط بعدد الحالات أو الفحوصات الطبية التي تتم للمريض، كما أن المستشفيات يمكن إخضاعها للرقابة الأمر الذي يصعب وقد يستحيل مع العيادات.

 

اختفاء المنفعة المباشرة بين الطبيب والمريض ليس أمرًا جديدًا، بل هو مطبق في الكثير من المستشفيات المصرية، وأبلغ مثال هو المستشفيات العسكرية، التي يحظى فيها المريض بالرعاية الطبية التي يستحقها سواء كانت مجانية كما هي للعسكريين أو بمقابل مادي كما هو للمدنيين.

 

ثانيًا: التسجيل Registration

في وقت قريب انتشر على صفحات السوشيال ميديا للأطباء قصة مريضة دخلت غرفة العمليات وأعطت طبيب التخدير قصاصة من الورق تفيد بأنها تعاني من مرض يجب الحذر منه وقت التخدير وتحتاج إلى جرعات أقل من المخدر، وقد كتب لها هذه الورقة طبيب تخدير قد اكتشف حالتها منذ عشرين سنة، وأكد عليها بضرورة إعطاء الورقة لأي طبيب تخدير إذا دخلت غرفة العمليات مرة أخرى، هلل الكثير وشكر أكثر في أمانة طبيب التخدير، لأنه كان السبب في إنقاذ حياة المريضة، ولكن ماذا إذا فقدت تلك الورقة؟!

 

من المعروف أن التسجيل الطبي في مصر منعدم، وأن المصدر الوحيد لمعرفة معلومات عن تاريخ الحالة المرضية لأي شخص هو المريض نفسه أو أهله، والذي يعتبر مصدرًا غير موثوق منه وغير كاف.

 

كثيرًا ما يواجه الأطباء مرضى يعانون من حساسية دوائية ولا يعرفون اسم الدواء الواجب تجنبه، في حالات أخرى يرغب الأطباء بمعرفة نوع العملية الجراحية التي أجريت للمريض وتفاصيل تلك الجراحة دون جواب، التسجيل الطبي هو الحل، لا بد أن يكون لكل مريض ملفًا يحوي معلومات مفصلة عن تاريخه المرضي وكل الأبحاث المعملية والأشعات والإجراءات التداخلية التي أجريت له، وحتمًا أن يحفظ هذا الملف على أجهزة الكمبيوتر بالمستشفى التي تلقى بها الخدمة (بدلًا من الملفات الورقية التي تذهب في غياهب الأرشيف وسط آلاف الملفات الأخرى دون جدوى)، بحيث يسهل الوصول إليه عند الرغبة في استخراج معلومة أو إضافة جديد، يصعب تحقيق ذلك بالعيادات الخاصة ولكنه ممكن بالمستشفيات، وعندها يمكن ربط المستشفيات بشبكة معلوماتية تمكن من الوصول إلى الملف الطبي للمريض في أي مستشفى يذهب إليها.

 

ثالثًا: التقييم

هل تعرف مواقع حجز الفنادق مثل booking وtrivago؟ جزء من الإصلاح المنشود للمنظومة الصحية هو أن تعرف تقييم المستشفى التي تقصدها، بحيث تقوم الوزارة بتقييم كل مستشفى سنويًا حسب عدة معايير مثل عدد الأسرة وغرف العمليات ووجود عناية مركزة وأجهزة الأشعة الحديثة… بالإضافة إلى عدد الحالات التي يتم مناظرتها ونسبة نجاح العمليات ونسب الشفاء التي تحققها كل مستشفى، وبناء عليه يتم تقييم المستشفى وتحديد ترتيبها بين مستشفيات الجمهورية، وكما يتم تصنيف الفنادق بعدد النجوم يمكن إضفاء تصنيف مماثل للمستشفيات، ويتم ذلك من خلال موقع تطلقه الوزارة على الشبكة العنكبوتية، يسهل من خلاله الاطلاع على الإمكانات المتاحة بكل مستشفى، كما يستطيع المرضى أنفسهم تقييم الخدمة الطبية والمعاملة التي تلقوها بالمستشفى، ونقل خبراتهم إلى مرضى آخرين لم يسبق لهم التعامل مع هذه المستشفى، مما يخلق روحًا من التنافس على تقديم أفضل خدمة ترضي المريض.

 

جدير بالذكر أنه كان هناك محاولة لعمل تقييم لعيادات الأطباء من خلال موقع خاص وليس رسمي، ولكن هذا الموقع لم يحقق الانتشار والثقة المطلوبين، وذلك لاتساع رقعة العيادات وعجز الموقع عن تغطية كل عيادات الاطباء، كما أنه يصعب ادراج كل عيادة جديدة في الموقع أو تعديل مكان عيادة تم إغلاقها، فصار الموقع أشبه بموقع إعلاني عن عدد قليل من الأطباء عنه باعتباره موقعًا للتقييم، ولك أن تتخيل قدرتك على الاختيار بين إحدى ثلاث أو أربعة مستشفيات بمدينتك وبين اختيار واحدًا من عشرات أو مئات الأطباء في مدينتك.

 

رابعًا: إلغاء نظام التكليف والتوظيف للأطباء

عندها سيصبح العمل بالمستشفيات بنظام التعاقد براتب يتفق عليه الطرفان، ويحوز رضاهم ولفترة محددة بالعقد، ستعلن كل مستشفى عن حاجتها لأطباء في تخصصات معينة، وتشترط درجات علمية أو سنين خبرة حسب حاجتها، ويصبح سوق العمل عبارة عن عرض وطلب، راتب مقابل ساعات عمل ولك أن ترضى أو ترفض، ستجد كل مستشفى تسعى للتعاقد مع أفضل الأطباء سواء استشاريين أو أخصائيين أو مقيمين لتحسين نتائج المستشفى ورفع الـ score وبالتالي ترتيبها بين المستشفيات كي يزداد الإقبال عليها، وقد تنهي مستشفى تعاقدًا مع طبيب أخطأ أو أهمل في دوره مع مريض، وسيضطر عندها للقبول بتعاقد أقل قيمة نتيجة خطئه ويتوخى الحذر ومعايير السلامة في قادم المرات.

 

خامسًا: التأمين الصحي الشامل

كما اتفقنا سابقًا أنه لا يجب التفرقة بين المواطنين في كفاءة تقديم الخدمة الطبية حسب قدراتهم المادية، وأن من حق كل مواطن تلقى العلاج المناسب له مهما كانت كلفته، وهنا يأتي دور التأمين الصحي الشامل، بحيث يصبح لكل مواطن على أرض هذا البلد تأمينًا صحيًا يسمح له بتلقي الخدمة الطبية المناسبة لحالته، ويقسم التأمين إلى شرائح تختلف فيه فئة تأمين الأفراد حسب قدرتهم على سداد نفقات التأمين ليس من حيث كفاءة الخدمة الطبية، ولكن من حيث المستوى الفندقي للمستشفى ومدى شمول التأمين للخدمات غير المُلحة، وتتكفل الدولة بغير قادرين على سداد نفقات الفئة الأقل في التأمين، ويصبح هناك بطاقة تأمين إلكترونية مرتبطة بالرقم القومي لكل مواطن، يمكن من خلالها تلقي العلاج في أي مستشفى والولوج بها إلى ملفه المرضي.

 

وهنا يأتي دور زيادة ميزانية الصحة كي تشمل كل غير القادرين، وكي توفر الرقابة اللازمة على كل المستشفيات.

 

سادسًا: توفير الأمن اللازم للمستشفيات

كي تعمل المنظومة الصحية بكفاءة لا بد أن يشعر من يعمل بالمجال الطبي بالأمن الذي يوفر له البيئة الصالحة لمواصلة عمله وتقديم أفضل ما لديه، والواقع أن المستشفيات هي من أكثر الأماكن حساسية واحتياجًا للأمن، لأنها تتعامل مع حوادث ومصابين ومرضى على مقربة من الموت، الذي يجعل أهل المرضى وأصدقاءهم قد يفقدوا رشدهم والتمييز بين الصحيح والخطأ من أجل إنقاذ ذويهم، لا شك أن الأمن في مصر هذه الأيام يحتاج إلى الكثير من العمل والتنظيم ليس فقط في المستشفيات ولكن على كل الأصعدة، وأن منظومة الأمن أيضًا تحتاج إلى الإصلاح، ولكنه جزء لا يتجزأ عن إصلاح المنظومة الصحية ككل.

 

هذا التصور قد يكون ممكنًا في يوم من الأيام وقد يكون الحل في تصور غيره، ولكن كي يتحقق الإصلاح لا بد أن تأتي الإرادة أولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد