في الميثيولوجيا البابلية القديمة أنّ رجلا أراد أن يتحدّث لغة الطير، فذهب إلى كاهن وسأله ذلك، فقال له الكاهن سأعلمك لغة الطير لكن بشرط، ألاّ تخبر أحدًا بما تقوله الطيور. فوافق الرجل، لكنّه نسي عهده وحدّث بما سمع، قعاقبته الآلهة بأن صار مسخا نصفه العلوي طير ونصفه السفلي إنسان. ومن هذا المثال الذي أردناه مدخلًا للحديث عن مدوّنة الترجمة في الأدب العربي بين ناقل ومنقول، نحاول في هذا المقال مقاربة الترجمة وشبهة الخيانة فيها. إنّ انفتاح النتاج الأدبي على مختلف اللغات قد ردم الهوّة بين الجغرافيا الشعرية والسردية من جهة وبين الرؤية الاحادية لكل نتاج أدبي من جهة أخرى. وهذا ما عجّل بظهور تقنية الترجمة أو التعريب، والتي تقوم أساسًا على نقل النص الأصلي إلى لغات أخرى غير لغته الأم. وفي معرض حديثنا عن حركات الترجمة نلحظ ازدهارها واستسهالًا لها، وهذا ما دفعنا إلى إطلاق صيحة فزع تكمن دوافعها أساسًا في شبهة خيانة النص الأصلي عبر التصرّف فيه؛ لانّني أكاد أجزم بأنّ النص المترجم مهما علا شأنه لن يضاهي النص الأصلي، ناهيك انّ كلّ لغة تختصّ بديناميكية خاصّة بها تخلق داخلها بعض المفردات التي من الصعب إيجاد رديف لها في اللغات الأخرى.

إنّ كبار المترجمين على غرار صالح علماني وغيرهم قد عبّروا في أكثر من مناسبة عن قصور المترجم في إعطاء النص المنقول قداسة لغته الأصلية انطلاقًا من إيمان دفين بأنّ لغة العمل الأصلية لا يمكن أن تتكرّر مرتين، فما بالك بلغة مختلفة. إنّ من قرأ اعمالًا ضخمة مترجمة إلى العربية، كالحرب في زمن الكوليرا، وزوربا اليوناني، والإخوة كرامازوف، وغيرها قد لاحظ بونًا شاسعًا بين النص المترجم والنص الأصلي، لكن السؤال المطروح خارج كل الحسابات الفكرية: أيّهما أفضل أن يكون المترجم عربيًا ويجيد لغات أجنبية، أم يكون المترجم غربيًا ويجيد اللغة العربية، أي مستشرق؟

هنا لا يسعنا سوى التذكير بطرح جورج برنارد شو، والذي قال بخصوص اللغة: إنّ الأمّة التي لا تفخر بلغتها، لا يمكن ان تضاهي سائر الأمم. وهنا يشير (شو) تصريحًا وتلميحًا إلى أنّ اللغة الأمّ لكلّ أمّة هي مفتاح التقدّم لمضاهاة سائر الأمم. ومن هذا المنطلق لا يمكن للترجمة أن تضاهي النص الأصلي بلغته الأم. فمثلًا يرى فتحي البس صاحب دار الشروق للنشر والتوزيع أن (الترجمة صناعة واستثمار في الثقافة تلجأ إليها دور النشر إذا كان هناك جدوى اقتصادية، ولذلك تلجأ الأمم التي ترغب في نشر ثقافتها إلى تخصيص ميزانية لدعم نقل ثقافتها إلى لغات أخرى، وذلك من أجل نفوذ سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، ومن يدقق في الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية يجد أنها تنقسم إلى قسمين، ما تنشره دور نشر خاصة لأنه يلاقي رواجًا فيحقق ربحًا لهذه الدور، وما تقوم بدعمه جهات لها مصلحة في هذا النشر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الميزانيات الضخمة التي تخصصها الولايات المتحدة الأمريكية عبر البرامج المختلفة لنشر الكتب التي تحبب القارئ بالنظام السياسي والاقتصادي، ونمط الحياة الأمريكية.

قد يعتقد البعض أنّنا نشن هجومًا على حركة الترجمة في واقع أدبنا العربي، لكنّ نحن إزاء طرح أكاديمي وعلمي مضبوط لا يخضع للمزاجية أو لغة العاطفة. وعلى ضوء هذا نطرح السؤال التالي: كم نسبة المجيدين للغة العبرية أو الصينية أو اليابانية أو الروسية في عالمنا العربي؟ حتمًا هي فئة قليلة، ناهيك عن صعوبة هذه اللغات التي تحمل تعقيدًا أكثر من اللغات اللاتينية، ثمّ يقدّم لي نصًا مترجمًا عن العبرية أو اليابانية أو الصينية، وأقول هكذا كتب الروائي الفلاني أو الشاعر الفلاني.. هذا حقيقة يدخل في شبهة التصرّف في النص الأصلي ويتركنا نقول: الخيانة ليست للمتزوجين فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_ أدب, الترجمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد