تمثل الخيانة اختيارًا شخصيًا للخائن، تقف وراءه رغبات دنيئة يخفيها في نفسه، ويظهر بدلًا عنها قيمًا عليا، يبرر بها فعلته لكي يوقف صراخ ضميره، إن كان يحمل بقايا منه، ويبَرِئ ساحته أمام مجتمعه حتى لا يلفظه الناس. ومن أمثلة الخونة في التاريخ بروتوس ورفاقه الذين خانوا يوليوس قيصر تحت دعوى منع ديكتاتوريته المُحتملة حينما نصب نفسه إمبراطورًا بعد ما حققه من انتصارات.

فكان لابد لهم من قيمة عظمى يواروا بها سوءة نفوسهم، فرفعوا زورًا قيمة الحرية، واستخدموها سكينًا يطعنون به من ضاقت نفوسهم عن احتمال رئاسته. وقد ينكر البعض هذا المنطق في تفسير الأحداث فكيف لمثل هؤلاء أن تدفعهم الأحقاد نحو الخيانة وهم من هم! فعلي رأسهم كاسيوس الذي كان صاحب رأي وواحد من مجلس الشيوخ الذي حكم روما ومعه بروتوس الذي عامله يوليوس قيصر كابن له واشتهر بالاستقامة، وكان مثالًا للفضيلة، فالأقرب أنهم كما زعموا حراس للحرية وحماة للديمقراطية ولا سلطان لهوى النفوس على أفعالهم.

والرد على ذلك من وجهين يفندان مزاعم الخونة، ويكشفان زيف تبريراتهم التي يخفون وراءها أحقادهم.

أما الوجه الأول، فهو أن الديمقراطية في بلادهم كانت مبتورة، والحرية كانت منقوصة، حيث تتيح للقلة حق اختيار ممثليهم، وتمنع الكثرة من خلال منظومة انتخاب يُمنَع فيها العبيد والنساء وغير المواطنين من المقيمين من اختيار ممثليهم وحكامهم. ولأن القلة التي لها حق الاختيار ترتبط بمصالح مع النخبة الحاكمة تضمن لها وضعًا اجتماعيًا مميزًا، فدائمًا ما تأتي اختياراتها ضمانًا لحفظ مكاسبها ومكانتها على حساب الأغلبية المنسحقة.

أما الوجه الثاني الذي يفند مزاعم الخونة، فهو تتبع تفاصيل حياتهم، فهذا كاسيوس رأس الأمر، كان ممن ضاقوا ذرعًا بقيود يوليوس قيصر التي قللت مما ينهبه ورفاقه من أموال الأغلبية المنسحقة، فأغرى أمثاله من المتذمرين، وجمع إليهم قواد الجيوش الساخطين على قلة ما حباهم به يوليوس قيصر من عطايا خلافًا لطموحاتهم؛ ليكون جبهة من الخونة يشد بهم أزره ويشركهم في أمره.

ثم انتقل كاسيوس لضم رمز الفضيلة والاستقامة بروتوس؛ بحجة الخوف من انفراد يوليوس قيصر بالأمر وقضائه على الحرية والديمقراطية، ملتمسًا الغطاء قيمي ليستر به أطماعه وأحقاده.

وكانت المفاجأة موافقة بروتوس رمز الفضيلة وتحمسه للأمر وهو ما يُبين ان وراء الظاهر باطن يخالفه فلم تكن الاستقامة والفضيلة إلا رداءًا يخفي به الخائن أحقادًا على من عامله كابن له، وقربه إليه لذلك التقط مسرعًا قيم الحرية والديمقراطية ذريعة يستر بها خبث نفسه التي طالما كرهت يوليوس قيصر وتاقت إلى التخلص منه انتقامًا من جعل سيرته مضغة في فم الرومان؛ لما أشيع عنه أنه ابن غير شرعي للقيصر من علاقة آثمة بأمه.

نعم لقد كان بروتوس يتحين الفرصة للانتقام، فقد عاش حياته متجهمًا صامتًا بعد أن عجزت استقامته وتمسكه بالفضيلة في محو هذه السمعة السيئة من أذهان الناس ومن على ألسنتهم لذلك رأي في قتل يوليوس إبراءًا لنفسه وانتقامًا لأمه التي أغواها وأفسد أخلاقها.

نعم إنها الأحقاد والأطماع التي تحرك الخونة، فالقيم العليا لا تبنى على الخيانة والباطل لا يصنع حقًا، لذلك اجتمع القوم في اليوم الموعود، وانهالوا على قيصر طعنًا ليفرغوا في جسده أطماعهم وأحقادهم.

مات قيصر وهو يخفي وجهه بثوبه مستسلمًا بعد أن رأى طعنات أقرب رفاقه بروتوس الذي لطالما أحبه وقربه لما رَآه من استقامته وفضيلته حتى ظن أنه قد صيغ من ذهب.

مات قيصر ضحية الأطماع والأحقاد، فلا يصدقن أحد أن بروتوس ورفاقه كانوا أصحاب قضية، ولا يصدقن أحد تبرير بروتوس بأنه لم يفعل ما فعل إلا لأن حبه لروما أكبر من حبه لقيصر.

لا يصدقن أحد مبررات الخائن؛ فليس كل ما يلمع ذهبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد