لعل الحب من الآيات الإنسانية التي استأثرت بأقلام الكتاب على مر العصور، ولعله من الأمور التي سال فيها المداد حتى بلغ أحجام البحور، ومن منا لم يقرأ في أدبيات العشق والوجدان وتراث الحب القديم، من قصصٍ وعبرٍ وحكاياتٍ تنبض بأسرار الحب العميقة وأساطير التضحية والوفاء.

فالحب كان وما يزال الومضة التي تتلألأ في وحش الظلام، والاستثناء الذي يغطي بشاعة الإنسان وقساوته، فرغم نعمة المحبة التي أوجدها الله عز وجل ما زلنا نرى الإنسان يكيد لأخيه الإنسان، يخاصمه ويحاربه، ينكل به ويتخلص منه، فما بالنا لو لم يكن للحب وجود بيننا على وجه هذه الأرض، حتمًا ستختفي الحياة، وتكثر الدماء، ويتحول من عليها من فرط ظلمهم وتجبرهم إلى أشباحٍ شريرة وثعابين مخيفة.

وقد استأثرت علاقة الرجل والمرأة بحصة الأسد من ينابيع الحب وفيض المشاعر، فهام الشعراء والأدباء في وصفه وتوصيفه، وانغمس الفلاسفة في أغواره النفسية والروحية، وسرح الكتاب والمفكرون في عالمه الفسيح المطل على شرف الخيال والإلهام، وهاهم إلى اليوم ما زالوا على الحال نفسها يسرحون، فكتبوا في الحب ما لم يسطروا في غيره، وتركوا من الحروف والعبارات في فنون العشق والهيام ما تبنى به الجبال وتشيد به البروج.

فالحب في جوهره هو ذاك الإحساس العميق الفريد المجرد من كل شيء، ومن كل تابع، كالبدر في سماءه، يطل وحيدًا متربعًا في ضيائه، لا ترى في السماء غيره ولو كثرت مصابيح النجوم، ولن تظفر بسرابه ولو عبرت جريًا كل الآفاق والغيوم، ولكون سحره هذا حير الشعراء والأدباء وكل مكتوٍ بحرقته ومفتون بلوعته، فهم غالبًا ما يحيلونه إلى الوفاء والتضحية والطواعية والانجذاب وما إلى ذلك، لكنه إحساسٌ في واقع الحال مختلف تمامًا عن كل هذا، وهذا ما أكسبه صبغة الإبهار والغموض والوحدة.

فكيف نصل ضفة الحب وترسو مركبتنا على شاطئه؟ وكيف نعيش حقيقته ونبلغ ماهيته؟ هذا هو القول الذي حار العرافون فيه والعارفون.

الإحساس بالآخر، نعم الإحساس بالآخر هو الحب نفسه، والعشق عينه، والإنسانية في أبهى تجلياتها، بل هو أسمى من الحب، وأسهب من الود، وأصدق من الهيام وأنبل من هذيان القلب وثورته.

فإذا كان الإنسان هو ذاك الحلم الكبير الذي يشق طريقه نحو المستقبل بطموحٍ واجتهاد، دون أن يلتفت لمن حوله ودون أن يقف وقفةً إنسانيةً يتأمل محيطه وما فيه، فهذا كائنٌ خاب وخسر، إذا كان الإنسان هو ذاك المتلهف لتحقيق ما عجز عنه غيره، المتعطش للارتواء بإكسير النجاح والتألق، المقتفي كل مصلحةٍ ومنفعة دون أن يمنح لإنسانيته حقها، ولآدميته نصيبها، فهذا كائنٌ ناقصٌ متعجرف، إذا كان الإنسان لا يرى من الدنيا إلا ما يملك، ولا يبغي منها إلا ما لا يملك، كقائد عربةٍ يمشي سريعًا لا يهمه من على جانب الطريق ولو كان جريحًا يصارع البقاء، أو كهلًا تقطعت به الأسباب، أو حاملًا تهم بوضع مولودها، فهذه طبيعةٌ شتان بينها وبين فطرتها ومقصودها.

فالحب لا يتجسد في صورته الأصلية إلا إذا تمرد ضد هذه الأوصاف، وتنزه من هذه الأمور، وتمخض على شكل عصارة إنسانية في زمنٍ أصبحت هذه الفضيلة فيه سلعةً نادرة الوجود، فتوقف الزمن، وتجرد الإنسان مما فيه من محنٍ وأهوال، وفرض شخصه على كل التحديات الداخلية والخارجية ومنازعات الحياة وأحس بالآخر، حينها فقط سيصل مرتبة الحب، وسينكشف له لغز الجمال فيما يعبر عنه في لحظاتٍ إنسانيةٍ فارقة، وليس فيما يظهر عليه ويقال فيه، فذاك الذي يميز صراخ الثكالى وزمهرير القنابل، وبكاء الأطفال في العراء البارد، عن إيقاعات الموسيقى الصاخبة، وذاك الذي يئن لأنين اليتامى وتنهيدات الأرامل، وذاك الذي يعيش الجوع والظمأ غير آبهٍ بقدرٍ ولا مكانة، لا يهنأ بلقمة حتى يسد بها أفواه الجياع وقد أغناه الله من فضله وكرمه، وذاك الذي يهاجر قلبه وكيانه مع المغادرين إلى أوطانهم الفارين من آلام الحروب والمآسي، وذاك الذي يحس في نبرات مخاطبه بلفحات الألم المتوارية خلف الشفاه، وذاك الذي يرى من وراء ابتسامة متذمرة مقهورة ما تخفيه الجباه، وذاك الذي يتقطع إربًا حين يصغى لصرخات الفناء من حرقة الأيام وتقلبات الزمن الظالم.

هذه المعاني القوية هي من أجلها وُجد الحب، ليتحرك في الدم البشري سره ومعناه، وما دون ذلك من مظاهر مزيفة ومصالح مقيدة أريد لها أن تنسب لمعجم الحب بهتانًا لتقوم مقامه، ما هي إلا عوارض وانشغالات لا تعدو أن تكون ردود أفعال لنزواتٍ عابرة، وتغيرات نفسية فاعلة مؤثرة، وعادات بشرية متوارثة، لا تصل إلى قيمة الحب المطلقة بقدر ما تحوم حوله بخجلٍ وانكسار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد