توقف صوت صرير المروحة في غرفة حبس الشاب “إبراهيم أحمد إسماعيل”

 

ابن الـ 17 عامًا، لماذا يقطعون عنا الكهرباء أليس يكفي التواجد في مثل هذا المكان؟ غرفة ضيقة مظلمة سيئة التهوئة، يسأل نفسه ماذا فعلت حتى يقوموا برميي في هذا المكان الذي يقتل كل شيء حي، لم أفعل شيئًا سوى أنني أتجول في الشوارع من أجل البيع وكسب الرزق، من الباعة الجائلين تلك تهمتي، وهل اخترت تلك المهنة؟ أنا مثل الآلاف ممن تطاردهم الحكومة في كل شارع وتصادر بضائعنا شرطة البلدية، ألا يوجد تجار مخدرات أو سلاح أو أي شخص يهدد الدولة غيرنا؟!

لماذا تأخرت الكهرباء كل هذا الوقت؟

 

لا يهم، الآن ستأتي، لكنني أشعر ببعض الاختناق، تبًا لكم ألم يكن من الممكن سجني في مكان أوسع وبه مكان للتهوئة أفضل من هذا المكان!

 

يحاول أن يمسح عرقه في كمه، الجو اليوم حار جدًا، ألم يجدوا سوى هذا اليوم ليقطعوا الكهرباء كل هذا الوقت!

 

سأحاول أن أنام بعض الوقت حتى تأتي الكهرباء.

 

لم تأتي الكهرباء كما اعتقد إبراهيم، ولكن كان أجل الله هو من جاء، حتى يستريح من عناء سجنه ومطاردة رجال البلدية له في الشوارع، مات إبراهيم أحمد إسماعيل مختنقًا في محبسه في سجن (نجع حمادي بمحافظة قنا)، وعندما نقلوه إلى مستشفى نجع حمادي العام كانت الكهرباء لم تأتي بعد.

تلك الواقعة واحدة من مئات الأحداث التي تحدث يوميًا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، من موت الأطفال في الحضانات وتحت أجهزة التنفس، بالإضافة إلى الحوادث اليومية بسبب مولدات الكهرباء.

 

(لازم نستحمل ولا عايزننا نبقى زي سوريا والعراق).
الجملة دي أكيد سمعناها أكتر من مرة في أماكن مختلفة، عبارة “مش أحسن من العراق وسوريا” مش حاجة غريبة أبدًا، ممكن نرجع لقاموس التبرير المستخدم منذ أربع سنوات مثلًا ((اعتبره أبوك، مرورًا بعجلة الإنتاج، والاستقرار، عملاء ممولين، إرهابيين)) وأخيرًا وليس آخر التبريرات.

عزيزي المواطن لا تقلق فالاعتراض على انقطاع الكهرباء التي وعد المشير السيسي في برنامجه الانتخابي بحلها فقط بـ (لمبة موفرة)، ثم يتحدث في لقاء تلفزيوني الآن بأن هناك أيادي مخربة تريد لمصرنا السوء ويجب على كل مواطن أن يحمي محطة الكهرباء من المخربين، يقول في نفس اللقاء أن هناك مشكلة حقيقية في توليد الكهرباء وتحتاج مصر إلى 12 مليار دولار لمدة خمس سنوات من أجل حل مشكلة الكهرباء!

عزيزي المواطن قبل أن تخبر الآخرين بأن عليكم أن تتنازلوا عن حقوقكم من أجل تجنب الحالة السورية والعراقية، عليك أن تخبر نفسك لماذا ما حدث حدث في سوريا والعراق، هل من أجل الكهرباء أو ارتفاع الأسعار التي تحدث الناس عن ضرورة الصبر عليها أم من أجل ماذا؟

 

قد يكون قتل الآلاف من أبناء نفس البلد في عدة ساعات محفزًا على العنف مثل سوريا والعراق أكثر من مشاكلنا اليومية الروتينية، فمن الأولى بك عزيزي المواطن الباحث عن “الاستقرار” أن تقلق من المحفزات الحقيقية مثل السجن بدون تهمة، الاضطهاد المجتمعي، غياب العدل، التناقضات الطبقية، التوزيع غير العادل للثروة والحكم وغيرها من المسببات الحقيقية لظواهر العنف.

 

ليس التغاضي عن تلبية نداء الحكومة (بالصبر والتقشف) يعتبر عملًا متمردًا، ليست المشكلة في الصبر ولكن لماذا تصبر الطبقة الفقيرة وهي ترى الطبقة الأغنى تعيش في ترف وبذخ!

 

ألم يكن من الأولى (بالمشير المحنك) أن يطالب رجال النظام ورجال الأعمال بالتقشف والصبر من أجل مصر حتى لا نصبح مثل سوريا والعراق!

أليس من المفترض من رجل دولة محنك تخرج من جهاز مثل المخابرات يعلم جيدًا الدولة الأمنية فكيف حدث الانفلات الأمني في إحدى المحافظات لعدة أيام متواصلة في غياب تام للأمن والجيش مثل ما حدث في “أسوان”، ويقتل فيها العشرات دون تدخل لحماية المواطنين، وانتشار ظواهر العنف الذي يتنامى بشكل يومي في تعامل الأشخاص وجرائم القتل والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة في ظل ضعف الأجهزة الأمنية، ألا يعلم المشير السيسي أن ضعف الدولة في تحقيق الأمن يعرضها إلى التفكك!

 

ألم تنادي عزيزي المواطن بأن مصر لا بد من أن يحكمها رجل (عسكري) يستطيع أن يحميها من المؤامرات والانفلات الأمني والحرب الأهلية، ألا تعتبر القتال بين المواطنين وبعضهم حربًا أهلية!

ألم يقسم كل رجال الدولة على حماية كل المصريين ثم يخرج “رئيس الدولة” ليخبر الشعب أن هناك مجموعة من الشعب تريد لمصر الشر ويجب على الأهالي مواجهتهم، ألا يعتبر هذا تحريضًا؟!

 

ألم يعلم أن الطبقات المضطهدة قد تلجأ إلى العنف كوسيلة لتصحيح المسار كما تصور “ماركس”، فلم يزيد حياتهم شقاءً على شقاء، ولم يدفعون البلاد إلى الهاوية، الطبقات الفقيرة والمضطهدة إن لم تجد من الدولة موقفًا يجعل لمشاكلهم نهاية فسوف تضع النهاية بأيديها لكن ستكون النهاية لأشياءٍ كثيرة والضريبة سيدفع ثمنها الجميع.

قد يجد بعض الأشخاص حلًا جذريًا من وجهة نظره هي القتل والإبادة لكل من تسول له نفسه محاولة التغيير مثل هؤلاء الأشخاص الذين يناشدون بسحق هؤلاء وتعذيب وسجن هؤلاء، تعتبر نظرية “فرويد” تحليلًا منطقيًا نفسيًا لهؤلاء الأشخاص فالنظرية تعتبر العنف في جوهره (سواء كان فرديًا أو جماعيًا منظمًا) هو مجرد نزعة مرتبطة بطبيعة البشر للعدوان، وإيذاء الغير ماديًا ومعنويًا والتشفي والثأر وعدم المسامحة والعزل لبعض الفئات من المجتمع دون أسانيد موضوعية وحقيقية.

عزيزي المواطن لو أصبحت مصر مثل سوريا والعراق هيكون حضرتك من الأسباب، العلاقة بين البيئة المحيطة وتصاعد أعمال العنف بينهم علاقة ارتباطية وثيقة، يعني حضرتك كل الحكومة ما تقمع وحضرتك تأيد اضطهاد بقية الفئات هتخلق بيئة صالحة لتنامي العنف فيها ويصبح العنف من مجرد وسيلة وأداة إلى غاية، قد تلجأ المعارضة إلى العنف إذا ما وجدت كل السبل الشرعية السلمية مغلقة فاستخدام العنف يعبر عن خلل في التفاوض السياسي بين الحكومة والمعارضة.

 

فسجن 40 ألف مواطن في دولة بدون تهم موضوعية قد يتسبب في اندلاع أعمال العنف بها، عزيزي المواطن اتهامك لبعض الأشخاص بأنهم مخربين وضد الاستقرار بسبب مطالبتهم بحقوقهم في التظاهر قد يتحول هؤلاء الأشخاص بالفعل إلى مخربين يستخدمون العنف من أجل تحقيق مطالبهم لأن الدولة قد سلبت منهم هذا الحق.

مصر مش أحسن من سوريا والعراق، مصر مش أحسن من أي حد، دولتنا العظيمة في تفكك مستمر بسبب غياب العدل وكل وسائل الاضطهاد والظلم والفساد، سوريا والعراق قدام فرصة للنجاح، الحالة في سوريا أو العراق ثورات تسبب قمعها إلى تحول التظاهرات السلمية إلى أعمال عنف، فالعنف بالنسبة للحالة العراقية والسورية قد يكون وسيلة وليست منهجًا، وسيلة من أجل تصحيح ما تم إفساده من الأنظمة.

 

 

من الحقائق الثابتة أن الضغط يولد الانفجار، ومنها أيضًا أن عليك أن تتعلم كيف تعيش مع الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد