دأبت الحكومة السعودية على مر السنين، على انتهاج سياسة معتدلة ومتوازنة مع الأشقاء والأصدقاء، مما أكسبها ثقة واحترامًا كبيرين، وأهلها لأن تتبوأ مكانة غير التي منحها البعد الديني باعتبارها خادمة للحرمين الشرفين، مهوى أفئدة ملايين المسلمين من أصقاع العالم.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2011، وما نجم عنه من اتهامات طالت المسلمين، الذين باتوا في فقص الاتهام في مخيلة الشعوب الغربية، التي لعبت الهالة والآلة الإعلامية دورًا في شيطنة الإسلام، وتجريم أهله باعتبارهم إرهابيين دمويين.

وعليه انبرت القيادات السعودية المتتالية إلى محاولة تعديل الصورة الذهنية المشوهة للمواطن الغربي وتحسينها، وذلك بالرد على الاتهامات وإظهار الإسلام بصورته الحقيقية، كدين للتسامح والتعايش، ولقد لعبت مراكز وفعاليات حوار الحضارات التي رعتها وأشرفت عليها المملكة دورًا مهمًا، وكذا الخطاب الإعلامي والديني المعتدل.

ولأن المعركة فكرية أولًا؛ فقد لعبت «المناصحة» دورًا بارزًا في تأهيل الكثير ممن غرر بهم وأهلوا للعودة إلى حضن المجتمع.

وبالموازاة مع هذا التوجه، كانت السياسة الأمنية فعالة في وأد تحركات أصحاب الفكر المنحرف، وتفكيك الخلايا النائمة، وتجفيف منابعها.

ولعل احتفاظ ولي العهد الأمير بمنصب وزير الداخلية، يصب في هذا التوجه الحازم، لاعتبار أن الرجل على خبرة في هذا المجال ورثها عن والده الأمير نايف – رحمه الله- الذي شغل المنصب ذاته لمدة ليست بالقصيرة.

كما أن المؤسسة الدينية من خلال هيئة كبار العلماء هي الأخرى لعبت دورًا في تقزيم أصحاب الفكر المنحرف، وعزلهم فكريًا واجتماعيًا.

وهذه المعركة ليس بالسهل الانتصار فيها، خاصة وأن خيوطها متشابكة، وأهمها تركيبة المجتمع الذي يعتبر فيه التدين حالة عامة ومقدسة، بل نظامًا يوميًا للحياة والمعاملات .

أما التحدي الخارجي والخطير، هو المشروع الإيراني في المنطقة الملتبس، والذي يتخذ من الدين قناعًا، ومن تصدير الثورة المزعومة وسيلة؛ فالخطاب الرسمي الإيراني يتبجح بتلك الأهداف، وهي إعادة بعث المجد الفارسي المفقود، وما الدين والدفاع عن آل البيت، إلا مطية يصدقها المخدرون بخرافات وخزعبلات الولي الفقيه، من شيعة إيران من العرب.

وقد اتضحت معالم المشروع الإيراني الذي استثمر في مغامرات المحافظين الجدد، بتدمير مؤسسات الدولة العراقية، وعلى رأسها الجيش، فاستغلت إيران الفرصة وأدخلت مليشياتها المرتبطة بالحرس الثوري؛ لتستولي على مفاصل الدولة العراقية، وقد أنشأت الحشد الشعبي، الذي هو نسخة الحرس الثوري في العراق .

وقد تكررت السياسات العدوانية والتوسعية الإيرانية في البحرين، التي لولا «درع الجزيرة» الذي تشكل القوات السعودية صفوته، وقد أحبط المخطط الإيراني في بدايته في هذا الخليج.

والسيناريو نفسه في سوريا، حيث جمعت إيران وبالتنسيق مع وكيلها الأسدي مرتزقة من كافة أنحاء المحيط الشيعي، وأقحمتهم في حرب على الشعب السوري ذي الأغلبية السنية، ورغم التلكؤ الدولي تصدت المملكة العربية السعودية بقوة في المؤسسات الدولية للمحاولات الإيرانية لتبرير عدوانها على الشعب السوري، من خلال دعمها اللا مشروط للنظام فاقد الشرعية في دمشق .

كما أن جهود المملكة كللت بإدراج مليشيا «حزب الله» على لائحة المنظمات الإرهابية، والمأمول أن يطول الحرس الثوري، الذي يعد أداة إيران القوية في تحقيق أهدافها السرية والعلنية.

وعلى أي حال، فإن هذه المعارك الداخلية والخارجية التي ترتبط بالمصير والقيم التي تأسست عليها المملكة، إنما تصطدم بالنفاق الدولي، ولعبة المصالح الواسعة والمتشابكة، كما أن الطبيعة المعقدة للمنطقة إثنيًّا واجتماعيًّا، كذا التدخلات الخارجية غير البريئة، هي التي تعقد من مهمة حسم هذه المعارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد