منذ شهرين جاءني أحد أبناء قريتي الصغيرة بصعيد مصر المهمش طالبًا مساعدتي – بصفتي ناشطًا اجتماعيًا – في مشكلة مشينة حدثت له. ورغم أنني أعرفه من قبل إلا أنني دهشت حينما رأيته فلم يكن هو ذاك الشخص السعيد الذي يلقي بالنكات على كل من يلاقيه.

كان شاحب اللون حزينًا يكاد أن يبكي. لمّا رأيته على تلك الحالة علمت بأن الأمر جد خطير فتماسكت أعصابي ورسمت علامات الجدية على وجهي وبادرته قبل أن يبدأ بالسؤال عن أحواله مبادرة تشجيعية مني تساعده على أن ينطلق لسانه الذي تلعثم، فتاهت منه العبارات ولم تتمكن كلماته المنقطعة من أن توضح لي ما يريد صاحبها أن يقول، فقد كان محرجًا ولا يدري من أين يبدأ.

وبعد أن هدأته بمشروب وأغلقت باب مكتبي بناءً على طلبه بدأ الشاب حكايته.

يقول أحمد (اسم وهمي استعمله لحماية خصوصيته) “كنت جالسًا أمام الكمبيوتر الخاص بي متأخرًا في الليل أتصفح حسابي على الفيس بوك، فوجدت طلب إضافة جديدًا من حساب باسم دينا الجميلة وكانت الصورة الشخصية الخاصة بالحساب تدل فعلًا على أنها جميلة، وبالطبع قبلت الإضافة ثم بدأت المحادثة معها للتعرف عليها فأخبرتني بأنها عربية تعيش في فرنسا، بعدها طلبت مني أن نلتقي عبر سكايب للتمتع وهنا لم أصدق نفسي أن مثل تلك الفاتنة تطلب مني أنا أن أفتح لها كاميرتي لتتمتع بي وأتمتع بها عبر الإنترنت.

وبالطبع لم أكذب خبرًا وأعطيتها حسابي على سكايب وقامت بالاتصال بي بالفيديو ولمّا حاولت الحديث لم تكن ترد بالحديث وطلبت مني أن أكتب لها لأنها لا تستطيع أن تتكلم، ثم خلعت ملابسها وطلبت مني أن أفعل نفس الشيء وأن أفعل بعض الحركات الجنسية ثم فجأة انقطع الاتصال. بعدها بأقل من ثلاث دقائق اتصل بي مرة أخرى ولمّا جاوبته وجدت نفسي على الشاشة! فقد قام بتصويري!

هنا شعرت أنني وقعت في شباكه ولم يطل الوقت حتى وجدته يكتب لي في رسالة مبينًا شخصيته الحقيقية بأنه ولد مغربي الجنسية وأن السيدة الجميلة التي رأيتها كانت كاميرا وهمية! طلب مني مبلغ 5000 دولار وإلا قام بنشر المقطع وإرساله إلى كافة أصدقائي على الفيس بوك وبيعه للمواقع الإباحية!

هنا تمنيت لو أنني كنت في حلم! تمنيت لو أنني قبرت غير أن أمنياتي كلها كانت مستحيلة ولم أجد بدًا من أن أتذلل للرجل كي يرفق بي، فأنا بالكاد أملك قوت يومي فكيف لي أن أرسل له هذا المبلغ الكبير؟ وبعد مفاوضات وتذلل لمدة يومين قام خلالها بالفعل برفع الفيديو على يوتيوب وقام بإرسال الرابط لي وهددني بالنشر إن لم أقبل بإرسال المبلغ له واتفقنا على أن أرسل له 50 دولارًا.
وأرسل لي الاسم والعنوان بالمغرب وطلب مني أن أرسل له المبلغ في خلال ساعات بواسطة ويسترن يونيون. وبالفعل ذهبت إلى ويسترن يونيون وأرسلت له المبلغ معتقدًا أنه بخسارتي 50 دولارًا كل شيء قد انتهى. إلا أنه بعد يومين طلب مني أن أرسل له 50 دولارًا أخرى وإلا نشر المقطع فجئتُ لك لعلك تجد لي حلًا (مخاطبني أنا)” انتهى كلام أحمد.

في الواقع كنت مندهشًا فقد وقعت كلماته عليّ كالصاعقة، فأنا أعلم فقره الشديد وأعلم ماذا تعني 50 دولارًا بالنسبة له. أعلم أنها تكفيه وأسرته لمدة شهر! ولم أدرِ كيف أساعده إلا بعد أن قمت بفتح جوجل وبحثت عما يسمى بالكاميرا الوهمية لأفهم ماذا حدث، ثم بحثت عما إذا كان لدينا في مصر شرطة مختصة بالجرائم من هذا النوع، وبالفعل وجدت أرقام هواتف الشرطة الإلكترونية غير أنني قررت أولًا أن أراسل ويسترن يونيون مستعلمًا عن بيانات الشخص الذي استلم المبلغ بالمغرب لعلها تفيد قبل أن أذهب إلى الشرطة، وردت ويسترن يونيون بأنها تحتفظ ببيانات العملاء لديها ويمكنها أن تفصح عنها للشرطة فقط إذا ما طلبت الشرطة ذلك.

وهنا اعتقدت بأننا قد أوقعنا باللص فنحن نملك الاسم الذي قام أحمد بتحويل الأموال له ولدينا مستند التحويل وستقوم الشرطة بطلب بياناته من الشركة ومن ثم يمكنها القبض عليه عبر الإنتربول.

 

وذهبنا في اليوم التالي لمقر الشرطة الإلكترونية بوزارة الداخلية بالقاهرة وحينما دخلنا كنا محرجين، فبدأ الضابط بسؤال أحمد عن الواقعة وفوجئت بأن الضابط لم يدعه يكمل القصة فكان يعرفها جيدًا كأنه عايشها وأخبرنا بأن هذه هي عصابة مغربية محترفة وأنهم لديهم عشرات البلاغات بنفس القصة مع نفس اللصوص، غير أنهم لا يمكنهم المساعدة حيث أنه لا توجد اتفاقية تبادل مجرمين بين مصر والمغرب. فسألته ما العمل إذن؟ فقال الضابط على أحمد أن يتجاهله تمامًا ويحظر حسابه لأنه لن يشبع أبدًا وسيظل يطلب المزيد من النقود إلى ما لا نهاية. وفعلنا ما قاله لنا الضابط والحمد لله حتى وقت كتابة هذه الكلمات لم تحدث الفضيحة.

 
لقد غيرت تلك القصة من طريقة تفكيري بشكل كبير؛ فقد كنت دائمًا ضد كل أشكال الرقابة الحكومية على الحسابات وأناصر الخصوصية، ولكن عندما حكى لي الشاب الضحية أول ما جاء بذهني هو أين الرقابة من حماية هؤلاء الشباب؟ ونسيت لوهلة أن هذا خرق كبير لحرية التعبير وقوانين الخصوصية.

 
ثم قرأت عن داعش والجماعات الإرهابية الأخرى وكيف أنها تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للتنظيم وتجنيد المزيد من السذج الذين قتلهم الفراغ فلم يجدوا أمامهم إلا شاشة الكمبيوتر لكي يقضوا أوقاتهم عليه.

وبالطبع البحث عن داعش والمواقع المتطرفة هو وسيلة للتمرد على واقعهم الاجتماعي المرير ليس أكثر. إن داعش تمثل “النجم السينمائي الإسلامي” للكثير من اليائسين البائسين من شباب وفتيات المسلمين الجالسين طوال الوقت أمام شاشات الكمبيوترات باحثين عن كل ما هو غريب ومثير. لقد بلغ استخدام الإنترنت من قبل تلك التنظيمات الحد الذي لا يقف عند الترويج والتجنيد بل تعداه إلى عقد زواج أفراد التنظيم على فتيات يعشن في أوروبا عبر الإنترنت، كي يتسنى لهن السفر “الشرعي” إلى سوريا حيث يتواجد زوجها “المحرم”.

إن الكثير ممن تم تجنيده هم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا كما حدث مع الفتيات البريطانيات الثلاث منذ أشهر. وهنا نتساءل هل يحق لنا أن نطالب الحكومة بحماية هؤلاء الأطفال وغيرهم بدون وجود رقابة على الإنترنت؟ وهل يجب علينا أن نسمح للحكومة بانتهاك خصوصية المستخدمين من أجل حماية شعوبها وأمنها القومي ومكافحة الإرهاب؟ هل يجب علينا أن نختار ما بين المرّ والأمرّ؟ ألا يوجد حل وسط؟

إن بلداننا في الشرق الأوسط خرجت من ثورات ما سمي بالربيع العربي متطلعة للحرية وذروة سنام الحرية هو حرية التعبير. وقد بدأت ثوراتنا على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تصل إلى الشوارع وتخلع الأنظمة القمعية العجوز التي أكل عليها الزمان وشرب. إنه لمن الصعب على تلك الشعوب التي قُهرت لعشرات الأعوام أن تقبل بعودة قمع حرياتها بمزيد من القيود والرقابة على الإنترنت والتي بدأت بالفعل أغلب الحكومات العربية بتطبيقها بحجة مكافحة الإرهاب. فهل يمكن أن نسمح للحكومات بالعودة تدريجيًا إلى سياسات ما قبل الربيع العربي؟

أعتقد أنه يجب أن تعتمد سياسات حكومة الإنترنت على وترين، الأول هو الرقابة المنضبطة التي تلتزم بالقانون، الرقابة التي تعلوها رقابة شعبية تتمثل في البرلمانات المنتخبة الحرة التي تملك صوتها وحريتها. يجب أن تقتصر رقابة الدولة على ما يحقق أهدافًا محددة وواضحة وهي مكافحة الإرهاب وحماية الأطفال ومنع الاستغلال الجنسي لهم. أما أن تمتد الرقابة لتطال النشطاء السياسيين السلميين فهذا مرفوض وغير صحي ويولد المزيد من حالات الاحتقان والتمرد المجتمعي.

الوتر الثاني يتعلق أكثر بالمجتمع المدني والإعلام، وهو التوعية والحملات التي تهدف إلى توعية المواطنين بمخاطر الإنترنت وكيفية حماية أنفسهم وأبنائهم من الوقوع ضحية لأي من هذين الصنفين سواء النصابون الجدد أو المتأسلمون الجدد. إن أحمد – ابن قريتي ضحية عملية النصب – لو وجد من يوعيه من قبل لما وقع في شباك النصاب الذي قام بالنصب عليه وعشرات غيره لا نعرفهم. كما أن الفتيات البريطانيات وغيرهن لم يجدن من يحذرهن من الوقوع في شباك الإرهابيين المنصوبة على الإنترنت.

أتمنى أن أرى يومًا شعبًا واعيًا متعلمًا مدركًا يحسن استخدام التكنولوجيا في كل ما هو مفيد، كما أتمنى أن أرى حكوماتنا واهتمامها الأول هو حماية شعوبها لا حماية رؤوسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد