إن شخصية الإنسان تتشكل بين عالمين، أولهما عالمه الصغير المحدود الذي يولد فيه، والذي فيه تبدأ أولى لبِنات فكره، يكتسب عنه أشياء متنوعة بعضها سلبي وبعضها إيجابي، لكن بالتأكيد نظرته إلى الأشياء تبدأ في التغيير شيئاً فشيئاً وذلك حينما يخرج من عالمه الخاص إلى عالم أكبر وأوسع..

 

فلا شكَّ أن الطفل في مراحل عمره الأولى يكون في أشد الارتباط بعالمه الصغير الذي لا يعرف فيه سوى والديه وبعض الأشخاص الذين يعتاد رؤيتهم. وهو في هذا العالم يرى نفسه دائما مركز هذا المجتمع ومحط الاهتمام الوحيد. كل ما يطلبه وحتى في بعض الأحيان من قبل أن يطلب الأشياء تأتي له وعلى الفور. كل ما ينطق به لسانه رائع. كل ما يقوله عظيم ومسلم به. لا يعرف العقاب الحقيقي وحتى لو عوقب فسرعان ما يلجأ لسلاح يضعف أمامه الجميع ألا وهو البكاء، فيتراجع من عاقبه بل يتودد إليه أحيانا كي ينسى ما حدث.

 

فيتنامى بداخل هذا الصغير الشعور بالأنا. ومع مرور الوقت يرى الوالدان أنه ربما من الأفضل عدم عزل صغيرهم عن العالم وعدم إشعاره بالخوف الشديد والمبالغ فيه في بعض الأحيان، وعليه أن يندمج وسط أقران له، وهنا تبدأ أولى صدمات الصغير؛ هو لا يجد ذات الاهتمام، ذات النظرة، هو مثل أقرانه بل في بعض الأحيان هو قد ُيعاقب، وعليه فإنه يكون بين خيارين إما أن يُعدِّل من أخطائه وإما أن يُعامَل معاملة قاسية. وهو إذ يتنازل سواء برضا أم بعدم رضا إنما يتنازل عن أنانيته وعن سلوكه غير المقبول.

ثم تتوالى الأيام ويزداد الصراع بينه وبين العالم من حوله، قد يتحول هذا الصراع إلى نوع من العنف ربما أو نوع من الانطواء، أو قد يحدث العكس وهو التأقلم مع من حوله.

 

وبعد وصول الإنسان إلى مرحلة جديدة من النضج الفكري يبدأ في التنازل أكثر فأكثر عن سلبياته، ذلك أنه يجد نفسه ينفتح على عالم مليء بالأشخاص، بالمعلومات، بالأفكار، فينظر إلى عالمه السالف ويراه عالمًا ساذجًا في أحيان كثيرة، ولم يعد الآن يروق له، وأهم ما يصل إليه هو التجرد من الأنا التي كانت مسيطرة عليه لفترات طويلة، ويبدأ فى إدراك أنه ليس إلا حلقة محدودة في سلسلة طويلة ولا نهائية من معلومات ومعارف، يتأكد وقتها أنه ليس هو بطل العالم الأوحد، وأنه يحتاج للآخرين، أكثر حتى من احتياج الآخرين له.

 

كل هذا يحدث للأشخاص الأسوياء، الذين يتنازلون وبمحض إرادتهم عن الأنا، تلك التي حُبسوا فيها طويلا.
هذه هي القاعدة، أنه كلما نما أو زاد وعي الإنسان كلما نقصت الأنا بداخله، أقول يحدث ذلك للأشخاص الطبيعيين. أما من أصابه التعالي والغرور وانتفش ريشه مثل الطاووس بما عنده من ثقافة وغيرها ويقول أنا، }قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76){ سورة ص. هذه هي “أنا خيرٌ منه”، وهنا فقط تنكسر القاعدة، وسيظل حتماً حبيس عالمه الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد