برزت في مصر – لا سيما في مرحلة ما بعد الانقلاب– تلك الظاهرة المتمثلة في أن يقدم البعض أيديولوجيته على أكاديميته، فالأكاديمية – تعرف في أبسط معانيها– باعتبارها انتماءً مجردًا للقاعدة العلمية “الشرعية” دونما تحيز، بينما تبرز الأيديولوجية باعتبارها جماعًا للأفكار والمعتقدات التي يعتنقها الشخص مساهمة في تشكيل وعائه الفكري، وثمة شعرة دقيقة بين هذه وتلك لا يدركها إلا ربما الحكماء.

تجد الشخص من هؤلاء وقد ملأ الدنيا ضجيجًا عن الديمقراطية ووجوب احترامها، وعن الإرادة الشعبية وقدسيتها، إلا أنه سرعان ما ينقلب على كل هذا حين تأتي الصناديق بمن لا يهوى، وتجد آخر يدعو للرأي الآخر بأن يمر؛ ففي الاختلاف ثراء، بيد أنه لا يتورع عن قصف معارضيه عند أول نقد يتلقاه.

فكارثية أمر كهذا ليس فقط في كونه تأصيلًا لكل ردة فكرية وحسب، بل في كونه أيضًا يمثل تسويغًا للاستبداد باعتبار أن المجرم بحاجة دومًا لمن يفسر له إجرامه، لا سيما والحديث عن جريمة الاستبداد.

لن أتحدث هنا عن الأكاديمي – حسام عيسى– حيث هتاف يسقط يسقط حكم العسكر سابقًا، و”الخرطوش اللي بيلسع بس” لاحقًا، ولم لا وقد ارتاد موقع الوزارة، وليس بالطبع حديثي عن – حازم الببلاوي- الذي رفض استكمال مهامه كرئيس للوزراء في أعقاب مذبحة ماسبيرو، بينما رأى أن ما حدث في رابعة والنهضة من مذابح أمر لا يعدو كونه مبررًا في طريق بناء الدول!!!

نعم، حديثي سيكون عن الأكاديمي -معتز عبد الفتاح – أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وجامعة ميشجان، ومؤلف كتاب “الإسلام والديمقراطية” وفقًا لما أورده عنه موقع ويكيبيديا.

برز اسمه على الساحة المصرية في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير كأحد أبرز منظري العلوم السياسية في مصر، مشتهرًا بأسلوبه الجامع بين الأكاديمية ورصانتها، والشارع وبساطته، وبدا الرواج الواسع لآراء الرجل حينها مبررًا في ظل حالة النهم السياسي التي انتابت المصريين في أعقاب ثورتهم.

“ثقافة مستبد لكن سيطرت على عقولنا لنقبل أي مبرر لقبول الاستبداد طالما يحقق لنا الأمان أو يجعلنا مستورين، ليس مع الاستبداد عذر وليس بعد الاستبداد جريمة”، هكذا بدا الرجل قاطعًا في حديثه عن الاستبداد في مقالة بعنوان “فن صناعة الاستبداد” بعد أيام قليلة من ثورة يناير المجيدة.

“مأزق أخلاقي، تقبل الاستبداد لتجنب الحرب، والأمل أن يكون المستبد عاقلًا، يمارس استبداده برشد، وفساده برحمة، وظلمه بحكمة”، هكذا كان رأي الرجل في أعقاب انقلاب الثالث من يوليو داعيًا لترشيد الاستبداد، نعم هو نفس الرجل، أتفهم حيرتك، لكن صدقًا هو نفسه حينما تجاوز الحديث عن الديمقراطية من الخفوت إلى الاندثار.

أمام ازدواجية كتلك وتناقض كهذا، يتساءل المرء عن هكذا دوافع تدفع بصاحبها إلى أقصى هوة من مداهنة الحاكم، والقفز على أفكار لطالما اعتنقها وروج لها، ربما أضواء التوك شو الخاطفة، أو ربما رابطات العنق الأنيقة، أو ربما موقع الوزارة الوثير، أو حياة الكومباوندات حيث يتوارى ضجيج العامة، وحيث ترى البلاد من أعلى لا من أسفل كما رآها “فتحي نوفل” في رائعة وحيد حامد طيور الظلام.

فلنواصل مع الرجل رحلته

“لا بد من تأمين ومن ثم تحييد المؤسسة العسكرية بحيث نضمن سماحها بالتداول السلمي بأقل قدر من المقاومة والعنف”. هكذا تبدو رؤية الرجل واضحة في فض الاشتباك بين المدنية والعسكرية، مستشعرًا بحاسة الأكاديمي مدى حساسية هكذا قضية في مراحل التحول الديمقراطي، ثم يستطرد الرجل قائلًا: “أن تصل دولة إلى مرحلة الجيش غير المسيس فهذا مكسب وطني وديمقراطي عظيم”. تذكروا كلمات الرجل جيدًا.

في صبيحة الثالث من يوليو، بدت مخاوف الرجل جلية من أي انقلاب على الرئيس المنتخب بأية صيغة، فناشد قائلًا: “لا أريد لتجربتنا الديمقراطية الوليدة أن تنهار “بإزاحة” الجيش للرئيس “المنتخب” بانقلاب عليه سواء أكان ذلك بقرار من المؤسسة العسكرية منفردة، أم بقرار من عدة مؤسسات”، ثم يبرز الرجل مخاوفه أكثر فيتحدث ساخرًا “وبدلًا من أن تكون لجنة الانتخابات هي الفيصل، يكون جوجل إيرث أو هيئة المساحة هم من يحددون نتيجة الانتخابات والاستفتاءات”، في رفض قاطع من الرجل لـ “ديمقراطية الرؤوس” والتي توجت بانقلاب الثالث من يوليو.

أما وأن الانقلاب قد حدث، والمنتخب وقد أزيح، فثمة تنظير آخر للرجل يواكب هكذا مستجدات، فيبرر الرجل موقفه قائلًا: ” لا تظنوا أن قبولنا بالوقوف في كمين الجيش لأننا نرضى الاستبداد، ولكن لأن البديل هو كمين البلطجية والإرهابيين”، هكذا يردد “أستاذ العلوم السياسية” تلك المقايضة السخيفة بين الأمن والاستبداد، والتي لطالما استند عليها الطغاة في تسويغ طغيانهم.

أتفهم تململ البعض من نهجي المهاجم للرجل، باعتبار أن آراءه – شديدة الانحياز للمؤسسة العسكرية تبدو مبررة باعتبارها “عمود البيت” هكذا سماه، فماذا عن عنف الداخلية وقمعها للمواطنين، مما بات معلومًا من حياة المصريين بالضرورة.

لن يدعك الرجل وقد قتلتك الحيرة، فها هو قبيل الخامس والعشرين من يناير من عام 2011 يدعو المتظاهرين قائلًا: “لا ينبغي أن يشكل المحتجون أي تهديد لرجال الشرطة في يوم عيدهم، بل لا بد من تقديم التحية والتقدير لهم”، هكذا يجب أن نعامل داخلية مبارك، ورودنا في مواجهة رصاصهم، فقط هي “شيماء الصباغ” هي من ستتكفل بالرد عليه.

بيد أن للرجل تفسيرًا للأمر فيفصل قائلًا: “أما بشأن أن مؤسساتنا الأمنية غشيمة – هكذا وصفها– في تعاملها مع المتظاهرين فهذا لا غرابة فيه بحكم التدريب الذي يتلقونه، أو بالأحرى لا يتلقونه”، ثم تعلو نبرة الرجل فيسهب أكثر قائلًا: “لو تنامت الصورة الذهنية السائدة عن وزارة الداخلية أنها وزارة القمع والدم والسجن والقتل فإننا نقتل أنفسنا بأنفسنا”، دون أن يوضح الرجل عن ماذا نفعل للحيلولة دون أن تتنامى صورة كتلك، ربما يرى أن نقتل في صمت وبلا ضجيج.

أتفهم أيضًا اتهامك لي بالحماقة، فالرجل لم يرتكب جرمًا حين يريد لفكرة الدولة أن تمر حتى لو قامت على مؤسسات فاسدة، لكن من قال إن ثمة استقرار مع الظلم، فالظلم مؤذن بخراب العمران كما قال الإمام “محمد عبده”.

ربما تختلف مع الرجل – كما غيره- سياسيًّا، تراه انقلابًا ويراه ثورة، تراه قمعًا ويراه عدلًا، لكن ماذا عن الدماء وحرمتها والتي تنحى عندها الخلافات السياسية جانبًا، ربما يكون للرجل موقف مغاير، حيث لا دولة تقوم على دماء “أبنائها” الحرام.

لنرى..

“القبض على خطباء المنصة”. هكذا عنون الرجل مقاله في أعقاب مذبحة رابعة والنهضة، متجاهلًا ما أسيل من دماء، وخالطًا – عن عمد- بين من زمجر على منصة رابعة قائلًا: “سنسحقهم”، وبين من سحقهم فعلًا!!!

ربما كان الرجل متأثرًا حينها بخطاب منفلت من بعض من ارتادوا منصة رابعة حينها، لكن الرجل لن يدع فرصة لتتفهم موقفه – إن صح لنا أن نتفهمه– فيفسر قائلًا: “أنا أدين سفك أي دماء مصرية، مدنية أو عسكرية كان يمكن تجنب سفكها، ولكن مما رأيت أن قيادات جماعة الإخوان ومناصريهم قرروا أن يجعلوا من – رابعة- كربلاء سياسية، وأن السلطة قتلتهم لأنهم بتوع ربنا”، هكذا كان جواب الرجل حين سؤاله عن الطريقة التي تم بها فض رابعة والنهضة وما خلفه من ضحايا كثر، بيد أن الرجل لن يتوقف عن إدهاشك حين يصرح مؤخرًا بأن “السيسي” قد حال دون إراقة المزيد من الدماء في أعقاب الثالث من يوليو، ضاربًا عرض الحائط بقتلى قاربوا الأربعة آلاف وفق إحصاءات رسمية، هكذا بدا الرجل متمرسًا في جلد الضحية وتبرئة الجلاد.

لكن دماء هؤلاء تبدو مستباحة إذ هم من الشعب الآخر، فماذا لو أصاب بطش الدولة أحد من أيدوا يومًا الثالث من يوليو، ربما يكون للرجل موقف مغاير حينها، متماهين مع الرجل في تصنيفه للموتى حسب الهوى السياسي.

“بنتنا ماتت يا ريس، ومش عايزين ده يحصل تاني لو سمحت”، هكذا بدت لغة الرجل حالمة ورومانسية وهو يخاطب رئيسه في أعقاب مقتل شيماء الصباغ، لغة على غرار عمر الشريف وفاتن حمامة في “نهر الحب” حتى لو تعلق الأمر بكارثة كالقتل.

لطالما خبرونا بأنه إذا ما رأيت المثقف على يسار السلطة مجاهرًا بمعارضتها، ومصوبًا لأخطائها، فعليك باتباعه، لكنك ستصعق حين يصرح الأكاديمي النابه قائلًا: “والله الرئيس – في إشارة للسيسي– صعبان عليا”، في حديث بدا فيه الرجل متفهمًا لأداء “السيسي” المتردي إزاء ما يواجه من تحديات، حيث لا حديث هنا عن “مرسي” الفاشل، والذي بدا أنه كان يعاني من ترف الفراغ في سنة حكمه.

لكن كل ذلك في جانب، وحديث – أستاذ الديمقراطية- عن الالتزام بالديمقراطية – كوسيلة للحكم- في جانب آخر، حيث لا ازدواجية هنا ولا تناقض، حيث لا يعقل أن يدرس ذلك لطلابه صباحًا، ويجهر بخلاف ذلك مساءً، إلا أن الرجل يتماهى في سحق كل ما تبناه من آراء، وما اعتنقه من أفكار حين يقترح على السيسي “تشكيل جمعية تأسيسية تنويرية – هكذا أسماها- تحل محل مجلس النواب المنتخب”، متسائلًا “هو إحنا محتاجين برلمان دلوقتي؟”. بدا الرجل كريمًا حين اقتصر على البرلمان فقط!!!

لم يرد “أستاذ العلوم السياسية النابه” أن تظل أفكاره حبيسة القطر المصري، بل أراد لها أن تكون عابرة للحدود، فيقترح الرجل خلق ما أسماه “توافقًا ليبيًّا وعربيًّا ودوليًّا لاستعادة الملكية الدستورية في ليبيا” حيث يرى “معلم الديمقراطية” أن ردة للملكية خير وأولى من ديمقراطية تأتي بمن لا نريد.

سأنهي معاناتي ومعاناتك في إنهاء هكذا مقال – منهك لكاتبه، ولكن أتمنى ألا يكون ثقيلًا على قارئه– حين أشير إلى فلسفة الرجل والتي أوجزها قائلًا: “أنا ناصحك إن سألت، ونصيرك إن عدلت، وخصيمك إن ظلمت”، هكذا تحدث الرجل عن نهجه، فمتى يكون خصيمًا لظالم زكم ظلمه الأنوف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد