تتلخص فكرة المعرفة بين الإنسان والإله في الثقافة الغربية في أسطورة برومثيوس سارق النار، والتي ترمز إلى المعرفة التي كان يخفيها الآلهة الإغريق على جبال الأوليمب وشقائه بعد ذلك وعقاب الآلهة بتقييده وتسليط طائر الرخ لأكل كبده يوميًا، ثم إعادة تكوينه – الكبد – ليظل خالدًا في العذاب، ومحاولات هرقل لإنقاذه.

ويغلب على الإنتاج الأدبي والفني المتعلق بنفس الفكرة، فكرة حجب الآلهة المعرفة عن البشر ومن ثم عقابهم بها!

ونرى ذلك مثلًا في الحكايات التوراتية عن أن الشجرة التي منع الرب منها آدم كانت شجرة الحكمة والمعرفة وإتيانه إياها كان سبب طرده من الجنة!

وكأنها تماثل سرقة برومثيوس لشعلة المعرفة.

وحتى الأفلام الهوليوودية التي تناقش فكرة الإله والرُسل والأنبياء، تتعامل مع الفكرة من نفس المنطلق كفيلم ten commandments “الوصايا العشر”، حين كسّر موسى الألواح العشرة التي كتب الله له فيها الطريق والأحكام لبني إسرائيل، بعدما رآهم يعبدون العجل!

لم يرض الرب بعدها أن يعيد كتابة الألواح كعقاب لبني إسرائيل بعدم إعطائهم المعرفة اللازمة لحياتهم!

فما كان من موسى إلا مواجهة الرب، وغضبه – موسى – وصراخه على الرب، في مواجهة انتصر فيها (برومثيوس – موسى) على الإله وصعد الجبل ليأخذ ما استحقه طلبًا وغضبًا – الألواح- للمرة الثانية!

كمثال لفيلم آخر قريب: فيلم Noah نوح؛ حيث يتعامل أيضًا مع قسوة الرب، ليس فقط بمنع المعرفة، ولكن بإفناء البشر وإعطاء الفرصة للحيوان ليعمروا الأرض، وانقياد نوح المحافظ على النظام الإيكولوجي انصياعًا لرغبة الرب حتى تعود لنوح إنسانيته المعرفية، ويرفض وجه الرب المانع للمعرفة ولا ينفذ، بل ويعاقب نفسه على رضائه السابق للأمر؛ ثم يتوجه الفيلم مباشرة لفكرة تطور الإنسان من الخلية الأولى وحتى وجوده المباشر بعد القردة العليا.

ومن الغريب أن بعض الإسلاميين المتشددين يؤيدون نفس تلك الفكرة دون أن يشعروا!

وعندما تجادل بأول آية في القرآن الكريم “اقرأ”، فيخبرونك بكل ثقة، أن القراءة هنا المقصود بها العلم البشري ومآلاته ومجالاته وما يتعلق به، أما ماعدا ذلك فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر!

وذلك مع أننا إن أكملنا الآية فهي تقول “اقرأ باسم ربك الذي خلق!”.

أي أن الآية تربط القراءة بالعلم، بالبيولوجيا والأحياء، لم يقل اقرأ باسم ربك الذي أنزل الشرع والدين مثلًا!

وكان الرد دومًا على حديث “اطلبوا العلم ولو في الصين”، أن العلم هنا مرتبط أيضًا بالعلم الشرعي، وذلك شيء مضحك حين نعلم أن الصين كانت بلا أديان ولم يظهر فيها أنبياء غير الأديان الوضعية ولغاتهم الصعبة للغاية، فكان من الصعب عقليًا أن يخرج أحدهم من مكة أو المدينة وسوريا أو مصر ليطلب علم الحديث والفقه في الصين مثلًا!

والآن أصبح الرد على الحديث أيسر من ذلك بعدما وضعه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة.

ثم ننهي المقال بمثيل برومثيوس في الحكايات الدينية وهو آدم كما قلنا سابقًا عن مساواته ببرومثيوس في التوراة عندما عاقبه الرب بسبب أكله من شجرة المعرفة!

وذلك في حين أن الحكاية الإسلامية تحكي أن الله ذاته هو من علّم آدم الأسماء كلها، وبنفسه لأن الملائكة بأكملها لم تكن تعلم الأسماء (العلم) وأن المعرفة التي أحاط بها آدم هي ما كفلت له سجود الملائكة وبداية معركته مع الشيطان، التي لم يتسلح فيها آدم برغم كل شيء، إلا بالمعرفة التي حصل عليها ابتداءً، وحاول تطويرها من حينها أو مقاومة انطفائها وخفوتها، ومقاومة حرمانه منها عن طريق المُدعين والجهلة، وإعادته صلصالًا من حمٍأ مسنون، يدخله الشيطان من فمه ويخرج من دُبُره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد