لا يحب المُمثل المصري عادل إمام أن يبدو كبيرًا أمام الناس، على الأقل في السن، رغم أن تاريخ ميلاده يعود إلى 17 ماير (آيار) 1947، أي أن الرجل المُلقب بالزعيم لمسرحيته المشهورة بهذا الاسم، ويراه البعض زعيم الكوميديا في مصر بلا منازع، وهو رأي يلزم القائلين به والرائين أهمية الكوميديا التي تسير في ركاب وخدمة ومسح أعتاب الظلمة والطغاة.

ويوم ذهب إمام للعزاء في أحد أقرانه من الممثلين وسط حراسة خاصة أحدقت به من كل اتجاه، وقال أحدهم في تعاطف شديد معه.. محاولًا إبعاد الجموع عنه:

ـ (يا جماعة على مهلكم عليه.. ده راجل كبير برضه).

رد (الرجل الكبير) بمنتهى التقزز، وبصوت لا يكاد يخرج من الضعف والشيخوخة عن شفتيه:

ـ (مين اللي راجل كبير يا عم أنت.. مش تاخد بالك من ملافظك؟)

أي أن إمام ذا السبعة والسبعين عامًا يومها، والعزاء كان العام الماضي، لا يرى نفسه كبيرًا، ويُوبخ الذي يشير إلى عمره.. ولو كان من أتباعه وحراسه.

وداخل سياق هزلي، ككل السياقات المزعومة للانتخابات الأخيرة المسماة بالرئاسية ظلمًا وعدوانًا على الديمقراطية وتاريخ الشعب المصري، بل على الإنسانية كلها، داخل السياق المزعوم ذهب إمام للجنة انتخابية في مدرسة بحي الدقي من القاهرة الكبرى، لعلها الأقرب إلى سكنه، حيث اعتاد أن يُلقي برسائل لمعجبيه في الطريق العام، في السياق المدروس ذهب إمام، وكما هو مُرتب له بعناية معهودة في مثل هذه المواقف قال إمام أمام عدسات الصحف الموالية للنظام.. للفتاة المشرفة على اللجنة:

ـ بالطبع حالة السمنة التي أنت عليها من أكل (المحشي والمكرونة بالبشاميل)؟!

وسارعت الفتاة بمجرد أن أنهى الرجل الكبير الكلمات، وأفلت لسانها بالرد:

ـ (وأنت الصادق بل من الفرجة على مسرحياتك أثناء الأكل)؟

وبالطبع لم ينته (الإفيه) الكوميدي إلا وكف الفتاة يضرب كف إمام من فرط الغبطة والسرور.

قالت الفتاة، في فيديو لاحق برسالة منها إلى الذي أسمته الزعيم: إنها فوجئتْ بتعليقه.. وإنها فرحت جدًا بتعليقه، وأنها بالفعل ممتلئة العود.. وإلا فهل تغشنا؟ وهلم جرًا.

ولم تقل شيئًا عن الرجل المُسن إذ يتلفت عن يمينه وشماله ومن قدامه وخلفه ليقول بصوت مسموع:

ـ (هوه ماحدش جه غيري ولا إيه؟).

قالها بصوت بهجت الأباصيري في مسرحية مدرسة المشاغبين التي لم يكن من المفترض بحال من الأحوال أن يكون بطلها الأول، لولا أن كلماته جلبت ضحكًا أكثر من صديق عمره سعيد صالح في دور مرسي الزناتي، ثم إن الأخير اعتاد الحياة داخل الدور، فصار الزناتي يحرك سعيد صالح، لا العكس، ولا ما اعتاده إمام من تخبئة الأباصيري، وعدم إخراجه إلا في المناسبات، ورحل صالح شاكيًا تنكر إمام له، ولم يدر أن الأخير يتنكر لمصر كلها ويغشها، لا له فحسب.

وهو في انتظار الوصول إلى اسمه عبر الكشف ببطاقته الشخصية، التي يتعامل بها على النقيض مما صرح به في أوائل الألفية الحالية، وهو يتمنى أن تطول عليه وعلى أمثاله من الراغبين في خدمة أنفسهم وملذاتهم ورغباتهم فحسب، في ذلكم المعرض، وفي أمسية في الصالة الرئيسة، سأله الراحل الدكتور سمير سرحان:

ـ هل تحب أن ترشح نفسك أمام الرئيس مبارك، وأن تجعل صورتك على الجنيه، بل تسدد ديون مصر؟

فأجاب على السؤال كله بطريقة (المكرونة بالبشاميل):

ـ مستورة ولا أحتاج لمزيد من الشهرة، وأنا أكثر شهرة من جعل صورتي على الجنيه.. كل بيت عربي يعرفني!

والفتاة تعود لدورها الهزلي الأكبر في الانتخابات، بعد دورها الهزلي الأصغر في التضاحك مع الرجل المُعمر، قال إمام الحق:

ـ (هوه محدش جه ولا إيه؟)

أي أو لم يحضر أحد الانتخابات المزعومة بالرئاسة (لا بالبشاميل هذه المرة)، ثم هرب إمام من دور الزناتي بسرعة ليقول:

ـ أبدًا لم أقل شيئًا؟!

هرب لدور سرحان عبد البصير في (شاهد ما شفش حاجة) لأن الرجل (لابس الباروكة) يخشى من بطش العسكريين به إن نطق على سبيل الرجولة والجد مرة في حياته، ثم صمم بعدها على ما قال.

لم تقل له الفتاة، ولم تكن لتقول إن أحدًا لم يأت؛ لأن مصر التي كنا نعرفها جميعًا، والتي عادت إلينا بعد محاولة ثورة أخيرة، وأدها وقتلها في المهد أمثالك من كبار الحاقدين والغالين على (خلق الله من المصريين).. ومن المنتقمين من صباهم وهامش دورهم اللبلاب في الحياة.. فضايقهم أن تخرج الناس للجان الانتخابية لتختار رئيسًا تؤمل عليه أن يعيد شباب ونور وضياء مصر إلى العالم، ويوم قال عبد الفتاح السيسي، وهو كاذب:

ـ (إن الجيش لو نزل قولوا على مصر السلام ثلاثين.. أربعين سنة).

يومها روى لنا زميل كان مكلفًا بتغطية أنشطة منوعة فقاده حظه للقاء الرجل الساخر إمام، والرجل المُنقلب فيما بعد في خيمة بعيدًا عن الكاميرات، قال الرجل الحاقد إمام:

ـ سيادة المشير.. هل أنت صادق في ترك مصر لهؤلاء.. وفي الاكتفاء بلقب وزير الدفاع.. أظنك أكبر من ذلك؟

ويومها قال كبير المفسدين في مصر السيسي:

ـ (أصبر شوية يا أستاذ عادل.. الصبر).

وصبر الأستاذ غير الصابر على الخير عادل حتى ليرى مصر خرابًا، المتخمون يحدثونه فيحدثهم عن (المحشي والمكرونة بالباشميل).. وكأنه لا أزمة غذاء طاحنة ولا معتقلين في مصر من أصله، فالممثلون لهم ممثلون ليواكبوهم في اللجان الانتخابية.. ومصر لها الله.. وكذلك المعتقلون والجوعى أيضًا!

ثم ألم تصبر يا أستاذ عادل حتى لترى لمحة الديمقرطية مطفأة في مصر تمامًا؟

فلماذا تتعجب من أن اللجنة خاوية على عروشها؟ ولما تعجبت فلماذا لا تحتفظ بتعجبك وتعلنها مدوية وتكون الرجل المستحق للقلب رجل مرة في حياتك، بدلًا عن أن تؤشر على السيسي وأنت واقف في مكانك إبراءً لذمتك مما قلتَ من عابر الكلمات.

ألا جازى الله الهازلين الذين أطفأوا أحلام وآمال مصر.. ثم يتحدثون ويتفكهون في وقت المصائب مع فتاة عن المكرونة ومشتاقاتها مُتناسين أنهم جعلوا مصر كلها (مكرونة نيئة)، بلا (باشميل)، ولا حتى مجرد طهو!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات