في أية كتابة تحليلية يكون هناك اتفاق ضمني بين الكاتب والقارئ على أن القارئ يقبل ما يورده الكاتب كمعلومة شخصية، حتى يتكون عنده بالنهاية وجهة النظر التي يمررها الكاتب، ومن ثم قبول القارئ لوجهة النظر تلك أو عدم قبوله بها بعد أن تتكون عنده الصورة النهائية.

في هذا المقال نحاول أن نرسم صورة مكونة من عدة قطع متناثرة ومتفككة لكي يتكون عندنا إدراك كيف تحتشد القطع المتناثرة تلك لتصنع حدثـًا كبيرًا كالضربة الجوية المصرية على ليبيا التي سيكون لها ما بعدها.

وهذا المقال جزء منه مبني على معلومات شخصية أستسمح عذرًا من القارئ إذا لم يكن هناك سبيل لتأكيدها.

 

أولاً:- معلومات وليست تحليلات:-

1– كان من المفترض أن ينتهي المؤتمر الاقتصادي إلى تكوين مكتب ملحق بمجلس الوزراء للإشراف على أموال المنح والمعونات والدعم والاستثمار المباشر – إن وجد!- وإدارة وتصريف تلك المنح والأموال من مانحيها وأوجه إنفاقها على النحو الذي يرضي مانحيها!

2- ليس هذا بجديد فجميع المشاريع المشتركة بين القوات المسلحة وأطراف خليجية تكون بإشراف الطرف الخليجي مباشرة والقوات المسلحة لنقل واجهة أو أداة لتيسير العمل

3- ولكن انتقال الأمر لصورة أكثر فجاجة ومباشرة كتكوين مكتب هو الذي يشرف ويحدد فيما وكيف ومتى تصرف أموال المنح والدعم لم يكن ليرضي أطرافـًا داخل جهاز الدولة، وأعني تحديدًا أطرافـًا داخل جهاز المخابرات العامة حيث إن تلك الأطراف قد ترتضي علاقة شراكة لا فكاك منها مع الخليج ولكن أن يتم تسيير الشأن الداخلي المصري بالأمر المباشر فهذا مستوى لا يمكن القبول به!

4- والآن لم يعد خافيًا أن فريد التهامي أقيل لسببين الأول كمحاولة للتهدئة مع المخابرات العامة والآخر بسبب اعتراضه على فرض السعودية على مصر الهدنة أو التقارب مع قطر.

5- ومن ثم ظهر تسريبي #السيسي_يحتقر_الخليج و #السيسي_ينهب_الخليج كمحاولة للتسبب بأزمة ديبلوماسية تعرقل أو تفشل المؤتمر الاقتصادي! وبالفعل فالمؤتمر لأسباب عديدة متعلقة إجمالاً بعدم وجود استقرار سياسي يلوح بالأفق يضمن عائد الاستثمار بالحالة المصرية كان في طريقه للفشل أو عدم الانعقاد والتسريبات أعطت لهذا الفشل دفعة كبيرة.

6- حاولت الدولة المصرية أن تظبط أداءها المالي قبيل انعقاد المؤتمر فوضعت سقفـًا أعلى لتحويل الدولار إلى الخارج وخفضت سعر الجنيه أمام الدولار كطريق لمحاربة السوق السوداء للعملة وهي اتجاهات صحيحة بالمناسبة، ولكنها جعلت جميع العاملين بالنشاط الاقتصادي المصري يرتقبون المؤتمر كأنه معركة هرمجدون الاقتصادية!

7- فكثير من الشركات علقت قرارات زيادة رؤوس الأموال أو أية قرارات مصيرية بانتظار ما سيسفر عنه المؤتمر؛ حيث إن ما سيتم ضخه من دولارات سواء على شكل منح أو قروض طويلة الأجل او استثمار مباشر وغير مباشر سيؤثر في سعر الجنيه بعد مسلسل الهبوط العنيف هذا وسيؤثر بحجم السيولة المتداولة بالسوق، وبالتالي هو ما سيتوقف عليه أية قرارات مصيرية.

8- ما عرضه البنك المركزي من مناقصة هذا الأسبوع لاستيراد دولار كان حجمه حوالي 50 مليون دولار، بينما المطلوب من السوق المصري ليغطي كل احتياجات الاستيراد هذا الأسبوع كان حوالي 300 مليون دولار، أي أن الدولة عليها التزام بأن تضخ بالسوق المصري الفارق وهو 250 مليون دولار وإلا سيحدث كساد رهيب وتوقف بكل شيء بسبب حقيقة بسيطة، وهي أن الاقتصاد المصري قائم على استيراد كل شيء من القمح إلى مواد البناء إلى خامات أية صناعة… إلخ.

9- تعثرت مفاوضات مصر مع صندوق النقد حتى الآن ولن يستطيع النظام الاقتراض من صندوق النقد.

10- عرضت مصر على الصين في زيارة السيسي الأخيرة لها أن تقترض مصر منها كبديل عن صندوق النقد واشترطت الصين أن يكون لدى السيسي تنظيم سياسي قاعدي ينفذ سياساته كشرط للإقراض.

 

11- وبالتالي من هذا العرض لا يوجد أي بديل للنظام عن عقد المؤتمر الاقتصادي لضخ العملة الصعبة بالسوق المصري ومعالجة أثر التضخم أو الانخفاض الحاد بسعر الجنية، ومسألة انعقاده ليست مسألة قابلة للأخذ والرد من وجهة نظر النظام.

12- في شهر أكتوبر الماضي عقد شمال شرق بغداد اجتماعًا لوفود عسكرية مصرية وأردنية وسعودية وإماراتية لبحث جدوى التدخل العسكري البري ضد داعش، ومن المرجح أنه كان ممثلاً للوفد المصري قائد اللواء 21 المتمركز بقاعدة سيدي براني على الحدود مع ليبيا.
13- كانت أحداث كرم القواديس التي استهدفت قائد الجيش الثاني الميداني ومدير عمليات الجيش الثاني بحسب بعض المراقبين ثم تفويض الرئيس السيسي صلاحياته في إعلان التعبئة العامة لحالة الحرب إلى قائد الجيش متزامنة وتالية مباشرة لزيارة الرئيس السيسي إلى إيطاليا، والتي فسرها أيضًا بعض المراقبين إلى أنها كانت تهدف إلى الحصول على ضوء أخضر للتدخل بليبيا بمساندة إيطاليا.

وهي التي كانت السبب في الموقف المساند للضربة المصرية الآن من قبل إيطاليا والمحفز لدور أوسع، وهو ما يعني أنه بعد أن نجح السيسي بالحصول على الدعم الإيطالي لدور مصري واسع بليبيا أصبح قرار الحرب ومستواها ليس بيده كرئيس للدولة وإنما بيد وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة صدقي صبحي.

14- في سبتمبر 2013 أي بعد عزل مرسي بحوالي شهرين عرضت حكومة علي زيدان أن تضخ ليبيا لمصر مليون برميل من النفط شهريًّا، ومن قبلها كان هناك مشروع لإقامة خط للغاز من طبرق إلى الإسكندرية، وكل هذا توقف الآن بسبب ظروف الحرب.

15- تم تنفيذ الطلعة الجوية على مواقع داعش بطائرات إف 16 تحمل حمولة قنابل mk 82 أو مافريك، ونظرًا لتباين أرقام التكلفة الاقتصادية لحملة من هذا النوع، فإننا رأينا أن الأفضل الاستناد إلى الأرقام المعلنة عن الحملة الأمريكية ضد داعش العراق؛ حيث إن ظروف تلك الحملة مماثل لظروف الحملة التي يخوضها النظام المصري ضد داعش ليبيا فإن تكلفة طلعة طائرة إف- 16 الأمريكية تتراوح بين 22 و30 ألف دولار للساعة الواحدة، وكل قنبلة تسقطها على معاقل ومعدات داعش، تبلغ تكلفتها نحو 20 ألف دولار، بحسب النيويورك تايمز.

16- وهنا نود أيضًا أن نذكر معلومة هامة، وهي أن صفقة الطائرات الرافال ليس لها علاقة بالحملة الجوية أو حاجة مصر لمظلة دولية لتخوض حرب موسعة ضد ليبيا؛ لأن ببساطة أدنى معرفة عسكرية بسلاح الطيران تستطيع أن تعرف منها أن تلك الصفقة حتى تدخل الخدمة تحتاج إلى ثلاث سنوات من تدريب أطقم الطيارين على الطائرات الجديدة واستيعاب تلك التكنولوجيا الوافدة ودمجها مع التكنولوجيا المتعلقة بطائرات الإف 16 والميراج التي يستخدمها الطيران المصري؛ إذن هي ليست موضوعًا متعلقـًا نهائيًّا بتلك الحملة!

17- ستعقد قمة عربية بمصر يومي 28 و29 مارس القادم، أي بعد المؤتمر الاقتصادي بأيام قليلة، وسيكون جدول أعمالها منصبًّا على بحث التدخل العسكري بليبيا حسب ما صرح أحمد الحلي نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية.

ثانيًا:- تحليل ما سبق من معلومات:-

الطموح إلى الانتشار العسكري المصري:-

1- كما كان واضحًا من تسريب السيسي أنه كان ينقم على الأداء المصري بحرب عاصفة الصحراء وعمليات حفر الباطن، إنه لم يعلم الخليج أن طلبات الجيش المصري أوامر وأنه يسأل فيعطى “كاش” على حد قوله، وهذا بالرغم من أنه فعليًّا مشاركة مصر بحرب الخليج أخذت مقابلها دعمًا ماليًّا أنقذ مصر من أزمة اقتصادية بدأت بالنصف الثاني من الثمنينات، وهذا غير وديعة حرب الخليج التي احتفظ بها الجيش ولم يبدأ التصرف بها إلا السنة الماضية.

2- أيضًا مما يبدو أن السيسي يتبنى وجهة النظر نفسها التي كان يتبناها المشير أبو غزالة وزير الدفاع المصري من سنة 80 إلى سنة 89، وعبر عنها بمقدمة ترجمته لكتاب المحلل العسكري أنتوني كوردسمان “ما بعد العاصفة” الكتاب الذي كان يحلل أثر حرب عاصفة الصحراء على الميزان العسكري العربي.

3- وذكر أبو غزالة صراحة بمقدمة ترجمته للكتاب أنه كان المستهدف المصري من الحرب هو أن توجد قوات دائمة مصرية بالخليج لحمايته بعد الانتهاء من تحرير الكويت لمعالجة وسد الفراغ الذي سيتركه تدمير القوى العسكرية العراقية بعملية عاصفة الصحراء، ولكن على كل حل فضل الخليجيون القواعد العسكرية الأمريكية لحمايتهم عن التواجد العسكري المصري.

نقول يبدو أن السيسي مقتنع بتلك الرؤية، ولكن بنحو محدث يقضي بأن ينتشر الجيش المصري بكثافة في مناطق التوتر العربي التي تمس الأمن القومي المصري من باب المندب إلى ليبيا إلى الهلال الخصيب مع مظلة عربية راغبة بهذا الدور كقوة تدخل برية رخيصة التكاليف وسريعة وليس لديها تورع عن الاستخدام الكثيف بالنيران.

كما حدث بالفعل في سقوط المدنيين بالغارة المصرية مما يحقق الإخضاع السريع، ومرجح أنه إذا توسعت تلك الحملة بالفعل أن يكون هناك دور مصري لمواجهة أية احتمالية لقلاقل داخلية بالخليج مماثلة للانتفاضة البحرينية، لا سيما إذا ما حدثت هبات بالمنطقة الشرقية السعودية يعفي الخليج من استخدام قوات درع الجزيرة بمواجهة داخلية مع الخليج نفسه!

من مؤتمر اقتصادي إلى مؤتمر تمويل لآلة الحرب المصرية:-

4- وهذا كله له حسابه ومجددا فالسيسي كما تبين من التسريبات يفضل أن يكون الثمن “كاش” فبالتالي المتوقع أنه يكون المؤتمر الاقتصادي بعد أن كان يوشك على الفشل إلى أن يتحول لمؤتمر لممولي حرب السيسي في ليبيا.

ما بين استعادة شخصية حافظ الأسد واستعارة شخصية صدام حسين:-

5- ولكن أي حرب لا يهم تكتيكاتها ولا حتى استراتيجيتها العسكرية، ما يهم عندما تذهب للحرب ما مظلتك السياسية التي تخوض تحتها الحرب؟

 

هل أنت تخوضها بقرار أممي من مجلس الأمن يخول لك تلك الحرب؟ أم مظلة من الناتو؟ أم مظلة عربية؟ فبالتالي إذا ما نجح المؤتمر الاقتصادي بأن يكون مؤتمرًا لممولي الحرب فبالتالي هذا سيدفع أكثر ناحية أن ينال السيسي الغطاء العربي من القمة العربية القادمة بنهاية شهر مارس، إما هذا وإما ستكون القمة العربية القادمة مسارًا لتكريس الانقسام العربي يحال دور موسع لمصر بليبيا ليعيد أجواء النظام الإقليمي العربي بالستينات وانقسامه إزاء التدخل المصري باليمن.

وهو ما كان يوصف حينها بالحرب الباردة العربية، ولكن بتغير شديد بالتكتلات مع وضد تلك الحرب، وبكل الأحوال فالسيسي لأسباب سنتناولها بمقال لاحق لن يستطيع الحصول على دعم دولي لحربه بليبيا، وبكل الأحوال فالسيسي ماض بتلك الحرب بقرار ذاتي وهاجس داخلي واقتناع بان ليبيا تمثل العمق الاستراتيجي لخصمه الإخواني بمصر.

ولكن إذا ما ذهب منفردًا بتلك الحرب ستواجه عوائق سياسية متعددة تمنعه من أن يكرر مثلاً سيناريو التدخل السوري بلبنان سنة 1976 وأبسطها قرار الحظر الجوي فوق نطاق طرابلس الساري حتى الآن منذ العمليات ضد نظام القذافي، وحينها سيكون التدخل المصري بليبيا إذا ما أقدم عليه السيسي أشبه بظروف وإطار تدخل صدام حسين بالكويت بأغسطس سنة 1990، وأيضًا سنفصل تلك العوائق بمقال لاحق.

دور الحرب على ليبيا بتسوية الصراعات البينية داخل نظام السيسي

6- ولكن أيضًا كما سبق ونوهنا فالدولة المصرية الآن ليست بكيان واحد إزاء تلك الحرب لأنها تخرق كثيرًا من المستقر بالعقلية العسكرية المصرية من أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وأن الجيش المصري لا يحارب خارج أرضه وأجهزة الدولة منقسمة إزاء العلاقة مع الخليج.

لذا ظهر مجددًا ترسيب السيسي عن ليبيا الذي خلاصته الأساسية وجود إصبع لها علاقة بالنظام المصري متمثلة بقذاف الدم مشتبطة أو على ارتباط بداعش ليبيا، ثم خرج هذا الهجوم الديبلوماسي الأرعن على الخليج الذي يعتقد البعض أنه كان مقصودًا لعدم حصول السيسي على المظلة العربية التي يحتاجها بحربه؛ لذا فما يهمنا هنا بمآلات تلك الحرب ليس أهدافها الافتراضية أيًّا كانت من تطهير ليبيا من الإرهاب المفترض أو حتى وصولاً لترجيح كفة عملية الكرامة وهزيمة كتائب وميليشيات فجر ليبيا وانهيار حكومة طرابلس.

ولكن المهم إثر تلك الحرب على تركيبة الحكم وصراعاتها البينية، السيسي سيخوض تلك الحرب بالرغم من كل شيء هنا مصيره نفسه كرئيس لمصر ومصير نظام 30 يونيو الذي أنشأه متوقف على مدى تحقيقه لنجاح بتلك الحرب، وحينها سيتخلص من خصومه من داخل الدولة نفسها وتدين له مصر، وللأسف حينها ستفقد الجماهير المصرية متعة مشاهدة تسريبات جديدة، وإن كانت النتيجة كارثية على المستوى المادي والبشري حتى وإن نجح بتحقيق أهدافه فتلك تعني نهاية الرجل ومعه نظامه وسنبدأ حقبة جديدة.

شرارة انطلاق الحرب العربية الكبرى

7- ولكن كما أوردنا معلومة فإنه منذ حوالي 4 أشهر كان هناك اجتماع بين عسكريين عرب لبحث جدوى التدخل البري بالعراق ضد داعش، وقد كان ممثل الوفد المصري على الأرجح قائد اللواء 21 الذي يعد بمثابة الخطوط الخلفية لعملية الكرامة وجيش طبرق وميليشيا حفتر، فبالتالي لنا الاستنتاج هنا بأن اختيار الرجل لتمثيل الوفد المصري يأتي من أن مصر تعتبر خبرتها الليبية بالتعامل مع دواعش درنة هي الخبرة المطلوبة للتعامل مع داعش الشرق.

ويأتي أيضا بسياق ما طلبه النظام المصري من توسعة التحالف الدولي ضد داعش لكي يكون شاملاً أي تواجد لهم خارج العراق وسوريا وليس محصورًا بهما، فهنا ما ستحدثه تلك الحرب من تغييرات يتجاوز أيضًا فكرة التغيير الداخلي بتركيبة نظام حكم السيسي إلى تغييرات بنمط ومفهوم الحروب نفسه! فالحرب تقليديًّا تكون محددة بجبهات معينة وتجاه عدو واحد له معالم واضحة ولكننا نتكلم هنا عن حرب إذا تدخلت بليبيا ضد داعش عليك أن تستأنف مواجهة داعش بسوريا والعراق وتمر بسيناء بغزة ولبنان، وتنتهي باليمن! هي الحرب نفسها ولكنها على جميع تلك الرقاع ومسارح الأحداث موصولة ببعضها.

وهذا منطقي، فنحن نستطيع تحليل حادث مقتل ال21 مصري أنه لم يكن ليتم لو لم يكن قبله حادث حرق الكساسبة من قبل داعش العراق وسوريا، ومن قبله أيضًا حادث تصفية الظابط أيمن الدسوقي من قبل داعش سيناء وعملية تفجير مقر الكتيبة 101 بالعريش، فأنت هنا تتكلم عن تنظيم لديه لحمة عضوية وتكامل بين أركانه بالرغم من التباعد الجغرافي، ولن تستطيع محاربة جزء منه حتى تحارب بقية الأركان حيثما وجدت.

إذن هي الحرب الشرق أوسطية الكبرى التي حذر منها محللون بتوجس قد بدأت بالحدوث، فعلى عكس التيار السائد الذي يخوف من الغرق بالمستنقع الليبي فالتخوف الرئيسي لي هو الغرق بمستنقع حرب إقليمية تتجاوز كل الأطر التقليدية التي عهدناها لحرب بمسرح عمليات محدد، وعلى رقعة دولة واحدة أو ضد عدو أو أعداء محددين، ولعل هذا هو التخوف الموجود فعلاً عند بعض أركان النظام معارضي تلك الحرب، بل إذا نظرنا إلى مآلات تلك الحرب فإنها أصلاً عند انتهائها حدود الدول العربية كما نعرفها لن تعود موجودة.

دور الحرب على ليبيا باعادة هيكلة الاقتصاد المصري

8- وكما سبق أيضًا وأوردنا عن تكلفة ساعة واحدة من الطيران والقصف لطائرة واحدة، فحتى لو افترضنا أننا نتحدث عن استمرار نمط الضربات الجوية وليس تدخل أوسع فتلك تكلفة لا يتحملها الاقتصاد المصري حتى مع تمويل خليجي لتلك الحرب؛ لذا أيضًا ما يعنينا هنا هو التوقع أن آثار تلك الحرب ستتجاوز نتائجها وإعادة هيكلة النظام السياسي إلى تحول هيكلي بالنظام الاقتصادي يكون أكثر اقترابًا من رأسمالية الدولة والاقتصاد المغلق.

وهذا له شواهده الداخلية من الصدام مع شريحة رجال الأعمال ورأس المال والمضي بقرارات خفض قيمة الجنيه ووضع حد للتحويلات الدولارية، التوقع هنا أن تلك القرارات ليست مؤقتة حتى يأتي المؤتمر الاقتصادي أكله، بل إننا نتحدث عن قرارات دائمة يجب على الطبقة الاقتصادية المصرية الخضوع لها والتكيف معها، من وجهة نظر نظام السيسي أن تلك القرارات ستنهي النزيف الدائم للاحتياطي النقدي الأجنبي في المحاولة الدائمة لضبط سعر صرف الجنيه.

فإذا كان الجنيه ينخفض وهناك قيود على حركة الاستيراد أو بيع الدولارات فليتعود رأس المال على هذا ويتكيف معه، يتوقع هنا النظام – على الأرجح- أن هذا سيخلق حالة ركود ثم سيتبعها انتعاش بعد فترة للسوق الداخلي ويكون انخفاض سعر الجنيه ميزة للصادرات المصرية، ومن ثم مدخلاً لتأسيس نموذج رأسمالية دولة – وليس اشتراكية قطعًا- وهذا النموذج هو الذي سيتيح للدولة الاستمرار في ظرف الحرب بأداء اقتصادي مستقر نسبيًّا.

 

فلو كانت حرب أكتوبر 73 كانت المدخل لتحول اقتصادي ناحية اقتصاد السوق، فتلك الحرب إذا ما توسعت ستكون المدخل لتحول هيكلي آخر للاقتصاد ناحية رأسمالية الدولة مع تحرر الدولة بذات الوقت من التزامتها باستكمال خطط رفع الدعم.

 

فمن هنا تبدو الحرب التي يمضي إليها السيسي بليبيا هي مغامرة إذا ما نجح بها فمصر التي نعرفها ونعهدها ستتغير وإذا ما أخفقت فالقادم بالفعل مخيف وأسوأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد