إلى حسام أبو البخاري وضياء أحمد

ثمة مشكلة حقيقية مع اعتبار تحويل العلم الشرعي إلى صنعة وظهور المدارس المذهبية في العالم الإسلامي – والذي كان متزامنًا مع إغلاق أبواب الاجتهاد وبداية عصر انحدار الحضارة الإسلامية – علمًا على منهجية إسلامية صحيحة بالكامل.

 

هذه مشكلة منهجية متعلقة “بالتدوين” أساسًا. فكما كان تدوين أصول الفقه – التي استخرج بها الصحابة رضوان الله عليهم الأحكام من النصوص – مهمًا على يد سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكما كان تدوين الحديث مهمًا؛ إلا أن هذا ساهم بدرجة ما في إخراج الوحي من كونه وحيًا مرتبطًا بالعمل وداخلاً بالأساس في تكوين النسق الخلقي للمجتمع إلى نصوص خارج النفوس، بل إلى نصوص قامت على يد المدارس المتمذهبة مقام الوحي، فتحولت – مع تطاول الأزمنة عليها وانفصالها عن الواقع – من واسطة للوصول إلى الوحي إلى حاجز بين المسلمين وبينه.

 

وبالتالي فالمنهجية العلمية التي تشكلت بها المدارس الإسلامية مسألة تاريخية بالغة التعقيد. واختيار منهج عقدي وفقهي ما لمدرسة عملية تم في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية مركبّة.

 

وغني عن الذكر أنها ليست مقدسة، لذا فالقول بأن الأزهر كان أشعريًا صوفيًا متمذهبًا على المذاهب الأربعة – باستثناء الحنبلية ربما – قول صحيح تاريخيًا، لكن القول بأن هذا يجب أن يستمر إلى أبد الآبدين معناه تقديس الظروف الاجتماعية سابقة الذكر وبناء هوية هي عبارة عن جوهر واحد لا يتغير عبر التاريخ، وهذه خطاب قومي نازي فاشي، وكأي خطاب قومي يدور حول مطلقات مادية (أصنام) فهو بالضرورة يتشكل في مقابل “الآخر” ويقوم “السلفيون” بدور “الآخر” هذا هنا.

والأزهر تاريخيًا مؤسسة تكونت داخل مجتمع تقليدي، دور الدولة فيه محدود في الأساس، وقد تغيَّر هذا في مصر بداية مع مشروع محمد علي. وكأي دولة حديثة تتبنى مشروع بناء “دولة” بالتعريف القومي الغربي الحديث؛ فإنها في إطار ذلك تسعى لتفكيك كل الروابط العضوية الاجتماعية لكي تجعل ولاء “المواطنين” لها وحدها. وهذا ما فعله محمد علي مع الأزهر ومؤسسات الوقف وروابط العائلات ونقابات الأشراف والطرق الصوفية.

 

أما القول بأن تدريس العلوم الحديثة داخل الأزهر إلى جانب العلوم الشرعية سيساهم في الجمع بين “الأصالة والمعاصرة” فهو قول نظري بحت لأن العلوم الحديثة مؤسسة على رؤية كونية مناقضة للرؤية التي تأسست عليها العلوم التراثية والعلوم الطبيعية التراثية. وهو قول نظري لأنه لا يراعي علاقات القوة القائمة بين الحضارة الغربية والإسلام. إنه نوع من وهم المساواة الذي يُغرِق فيه القويُّ الضعيفَ خارج علاقات القوة الحقيقية.

وأخيرًا فإن جوهر المسألة أن محاولة التوفيق بين دور الأزهر كمؤسسة إسلامية عالمية والدولة المصرية الحديثة كدولة قومية محاولة فاشلة في جوهرها، لأن هذا سيربط إلى الأبد مؤسسة الأزهر بمؤسسة الدولة ويجعلها تابعة لها ليس فقط من جهة إنفاق الدولة عليه وتحكمها في توجهاتها؛ وإنما أيضًا من جهة ارتباط فاعليته بفاعلية الدولة نفسها. كما كان الحال في التجربة الناصرية حيث أمّم النظام الناصري الأزهر في الداخل وفتح له باب الدعوة والعمل في أفريقيا وآسيا خدمة للنظام بشكل رئيسي، ثم انحدار دوره وأدائه مع انحدار دور الدولة وأدائها كالحاصل حاليًا.

 

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, الأزهر, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد