الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

كان يوم الخامس من يونيو (حزيران) من العام الماضي من أسود الأيام في تاريخ منطقة الخليج، ليس فقط للشقاق الذي وقع بين الإخوة وليس فقط للكسر الذي تعرض له المجتمع الخليجي، ولكن هناك أيضًا ما أفرزته الأزمة الخليجية من نفس كريه في التعامل مع الآخرين والكلام عنهم وأن يكون هناك من يسخر قلمه للسب والشتم ورمي الناس بالباطل والبهتان، والأمر لم يقتصر فقط على نزاع أحد طرفيه قطري والآخر سعودي أو إماراتي أو بحريني، بل وصل الأمر إلى أن يكون حالة مجنونة من الاستقطاب أفضت إلى صدامات بين أبناء دولة من المفروض أنها خارج دائرة الصراع هذا.

هذه الجزئية الأخيرة لا تصف المشهد الذي نحن على وشك الحديث عنه، وإنما كان ذكرها على وجه العموم وحتى يكون لدينا تصور عن مدى الآفة التي تعاني منها منطقة الخليج في هذه اللحظة دون أي بارقة أمل في حل قريب أو بعيد، رأينا في هذه الأزمة ما لم نكن لنصدق أنه سيُقال في يوم من الأيام ومن الذي أقدم عليه البعض مما لم نكن لنصدق أن أحدًا من هؤلاء سيقدم عليه في يوم من الأيام، فمن كان ليصدق أن حساب رجلٍ مثل الشيخ مشاري بن راشد العفاسي على تويتر سيكون منصة للهجوم على جماعة الإخوان المسلمين يستعين فيها بكل ما تتلقفه أيدي الذباب الإلكتروني من مقالات متجزئة ومقاطع فيديو مقتطعة من شخصيات ودعاة، ومن كان سيصدق أن حسابًا كهذا سيتم استخدامه للطعن والأذى في حق الداعية الشيخ محمد العوضي، والذي كان من أكثر الناس حرصًا على الخطاب الهادئ الذي يجمع بين المتخاصمين ويطيّب النفوس وللقارئ أن ينظر في مقالات وحسابات الشيخ على مواقع التواصل منذ بداية الأزمة وحتى يومنا هذا حتى يدرك ما أقول.

 ولكن الشيخ القارئ مشاري لم يجد بدًا في استخدام نفس خطاب محاربة الإخوان لاستهداف الشيخ على الملأ واللجوء إلى أساليب رخيصة جدًا مثل تحريف الكلام حتى يجد طريقًا للتهجم على الرجل، الحساب يعج بالكثير من منشورات الهجوم اخترت منها تغريده معلقًا فيها على ما جاء في حساب الشيخ العوضي بتاريخ 5 سبتمبر (أيلول) 2011:

(احتفالات الفرحة لتحرير طرابلس وسقوط الطاغية وزبانيته ومثقفيه وشيوخه وفقهائه وشعرائه.. عقبال سوريا)

وكان التعليق على حساب الشيخ العفاسي:

كان يصفّق في ليبيا لحلف الناتو (فرنسا وبريطانيا وأمريكا وكندا وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك وبلجيكا وهولندا والنرويج واليونان والإمارات وقطر) ويقول: عقبال سوريا!

ولما ردّت الدول الثلاث (بريطانيا وأمريكا وفرنسا) على استعمال بشار للكيماوي سماها: حروب صليبية! ربما ليست الضربة لمصلحة الحزب))

المهم هنا ليس توضيح أن العوضي كان يتحدث عن فرحة الشعب الليبي وليس حملة حلف الناتو بحسب تدليس العفاسي وهناك فرق كبير يتضح لمن وفقه الله إلى تنحية حالة الموالاة العمياء جانبًا، وإنما المهم هنا ما الذي نقرأه من تقصي منشورات العوضي القديمة وصولًا إلى عام 2011 خاصةً أنها ليست بذلك التميز الذي يجعلها ترسخ في ذهن أي أحد من ذلك الوقت وحتى الآن، ما الذي نقرأه من ذلك سوى انها حالة إستهداف مبيته تم حشد الذباب الإلكتروني للبحث والتنقيب في منشورات حساب الشيخ العوضي وتحريفها أو إخراجها عن سياقها وربما يصل الأمر إلى أن ينسب للرجل ما لم يقله، ففي المثال السابق لم يقل العوضي (حروب صليبية) وإنما قال (الحلف الصليبي) وكان يتحدث عن الضربة التي لم تكن لإسقاط الأسد وإنما لتلميعه والتغريدة بتاريخ: 14 أبريل (نيسان) 2018.

الشيخ العفاسي يحيي من جديد خطاب الجماعة السلفية في مصر إبان حكم الإخوان المسلمين عن جماعة الإخوان وخطرهم وأنهم انتهكوا الثوابت في الدين وغير ذلك، تلك الفترة التي لم ينشط فيها شباب وصبيان السلفية على مواقع التواصل الاجتماعي كما نشطوا في تلك الفترة وصوروا لنا أنهم بهجومهم على الإخوان وما كانوا يسمونه (كشف المستور) و(تبيين خطر الجماعة) وغير ذلك من المسميات إذ كانوا يخرجون لنا فيديوهات لأعضاء من الإخوان مثل المرشد محمد بديع ومحمد مرسي وخيرت الشاطر وعصام العريان وغيرهم حتى يتصور من يراهم حينها أنهم مقاتلون على الثغور يدافعون عن الإسلام، ثم اكتشفنا فيما بعد أن كل هذا هو مجرد تجسيد لحالة الغل والكراهية التي لا علاقة لها بالغيرة على الإسلام، فهؤلاء للأسف استمروا في غيهم بالرغم من الطريقة التي سقط بها حكم الإخوان وتولي العسكر للحكم في مصر والمذابح التي اُرتكبت في حق المصريين في رابعة والنهضة والتي لم تميز بين الإخوان وغير الإخوان، إضافةً إلى حالات الإعتقالات والإخفاء القسري التي لم تنته إلى هذه اللحظة، على الرغم من كل هذه الجرائم واصل هؤلاء السذج في تسخير جهودهم للحديث عن الإخوان المسلمين وكأنهم هم آفة الأمة الوحيدة.

والآن وفي الوقت الذي يطلع فيه علينا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتحدث عن وجود حفلات موسيقية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلاط بين الرجال والنساء ويتكلم عن استغلال الشباب المسلم وحبه للجهاد لتحقيق مشروع سعودي أمريكي لمحاربة الشيوعية ويتكلم عن حق اليهود في العيش في فلسطين بسلام، وفي الوقت الذي يطلع علينا فيه سفير الإمارات يتكلم عن التمكين للعلمانية في السعودية التي صدّعوا رؤوسنا بزعم أنها مهبط الوحي وبلاد الحرمين ومعقل التوحيد، يترك الشيخ العفاسي كل هذا ويضع حسابه في خدمة محاربة الإخوان المسلمين ويقول كما قال سلفه الغر: أنه يدافع عن الدين بما سماه (كشف خطورة الجماعة).

لم يتعظ الشيخ بياسر برهامي وأتباعه الذين حجزوا مكانهم مقدمًا في قاع التاريخ، هم وكل أشباه السلفية الذين بعد أن كانوا أسودًا على الإخوان أصبحوا قططًا أو أقل أمام السيسي الذي يجاهر بالديكتاتورية والحكم الفردي، وبالتأكيد لم يدرك الشيخ وهذه مرحلة متقدمة جدًا بالنسبة له أن ما نراه ويراه يصدر من أفواه الساسة ووسائل الإعلام ومن أشباه المثقفين من حديث عن الإخوان هو حديث عن شيء لا إطار له ولا ملامح وهو قطعًا أكبر بكثير من جماعة الإخوان المسلمين التي نعرفها، وإنما هو حديث عن كل من يقف ضدهم أو يعارضهم أو حتى ينأى بنفسه عن التورط فيه.

كان الأولى بالشيخ العفاسي أن يلتزم القرآن الذي هو أشرف العلوم وأعلاها منزلة وهذا لن يكون عيبًا أو منقصة وقد أصاب الشيخ الألباني رحمه الله عندما قال: من السياسة ترك السياسة، لا أقول هذا من باب الحجر على رأي الشيخ ووجهة نظره، ولكن مما يسوء المرء أن يرى أحدًا يدّعي قوة البصيرة وهو أبعد ما يكون عنها أو استخدام منبر يتابعه أكثر من 14 مليون شخص للهجوم على جماعة الإخوان المسلمين بحجة الدفاع عن الدين وحماية الثوابت والمقدسات في حين أن الأرض اليوم ومنذ ما قبل ولادة جماعة الإخوان المسلمين تعج بالفساد والمفسدين والمنحرفين فكريًا وعقائديًا من شتى الجماعات والانتماءات، فعلى الشيخ أن يحترم عقول متابعيه ويقدّم تفسيرًا مقنعًا عن لماذا يهتم في هذا التوقيت تحديدًا بجماعة الإخوان وإرثها المعروف للجميع منذ عشرات السنين وممارساتها السياسية والتي يتابعها منذ سنوات ولم يعلق عليها.

ومما يسوء المرء أكثر أن يرى هذا الهجوم على رجل مثل الشيخ العوضي الذي يكاد يقسم من يتابعه أنه لا يعلم أصلًا بما يقوله عنه العفاسي ويفتري عليه به، فما زال الشيخ يسمو أكثر وأكثر بأدبه وأخلاقه عن هذا المستوى المتدني من الصراعات لينشغل عنها بقضايا المجتمع المسلم التي سخر وقته وجهده منذ سنوات لها في الوقت الذي فيه سقط الشيخ العفاسي في نظر الكثير ممن أحسن الظن فيه وما زال يتوغل أكثر وأكثر في هذا المستنقع حتى يصل لنقطة اللاعودة، وقد يرى البعض أن الشيخ العفاسي مجرد صنم آخر يسقط في عصر سقوط العديد من الأصنام التي لم يتصور أحد أنها في يوم ما ستظهر على حقيقتها كونها مجرد أصنام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, رأي, فكر, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد