دائمًا ما يجتذب البطل كل الأضواء، وعلى الأضواء يبنى الاهتمام وتزداد الشهرة، يعرف اسم البطل في كل بيت، وتعرف صورته لكل عين، وربما ملأت صوره الجدران في الشوارع والشاشات في الميادين، يقلد المعجبون صوته وحركته، وربما يقلدون سلوكه، ويسمي الكثرون أولادهم تيمنًا باسمه، ويمثل الصغار أدواره في عروض عفوية أو منظمة في ما بينهم، وربما كان دور هذا البطل في الحياة العامة أكثر شهرة من علماء ومتخصصين خبراء في عدة مجالات.

وما كان هذا البطل ليحظى بتلك البطولة ويتمتع بها لولا الكثيرون من حوله، فلولا المؤلف ما كان للبطل فكرة يقدمها، ولولا السيناريست ما عرف البطل ما يقول، ولولا المصور ما عرف أحد له شكلاََ ولا رسمًا، ولولا المخرج والمنتج ومهندس الصوت ومهندس الإضاءة، ولولا فلان وعلان هنا وهناك، لولا كل هؤلاء ما كان هذا البطل ليكون على مثل تلك المكانة أو الشهرة.

ومن هؤلاء الذين يلعبون أعظم دور في نجاح البطل، هذا الشخص الذي يلعب دورًا ثانويًّا في الظاهر، لكن القصة لا تكون بدونه، بل ربما تعتمد عليه الحبكة الدرامية، ولولاه ما كانت هناك قصة ولا حبكة، ولولاهما ما كان هناك هذا البطل الذي تملأ شهرته الآفاق، هذا الشخص ذو الدور المساند للدور الأصلي، وهو ما يعرف في الوسط الفني باسم «السَّنِّيد».

كان هناك يومًا ما برنامج تلفزيوني تحت اسم «السَّنِّيد»، يسأل مقدم البرنامج ضيوفه عن أسماء ممثلين غاية في الشهرة، بأدوارهم وعباراتهم ولقطاتهم المشهورة، والتي كثير منها يكاد لا ينسى من تاريخ السينما، بل وصل الأمر ببعض «الإفِّيهات» على ألسنتهم إلى أن صارت إحدى تركيبات الشخصية المصرية، تراهم يتحدثون بها في حياتهم الخاصة والعامة، ورغم كل هذا التأثير لأدوارهم التي أدوها في عشرات الأعمال الفنية، فإن أحدًا لم يعرف أسماءهم، وكان الضيوف فعلًا مصدومين من حقيقة أنهم من عشاق هؤلاء «السَّنِّيدة» ومن حفاظ أدوارهم، وكثير من مقولاتهم ومواقفهم، إلا أن أسماءهم لا تحضرهم أبدًا، بعكس الأبطال أصحاب الأسماء المحفورة في ذاكرة كل مشاهد.

مَنْ مِنَ المصريين – في أعمار الثلاثينات وما فوقها على الأقل- لا يعرف المقولة: «أصل أنا عندي شعرة، ساعة تروح وساعة تيجي»؟ ومَن لا يتندر أحيانًا بقوله «يا معنِّمي» بدلًا مِن «يا معلِّمي» ساخرًا، ومَن لا يستخدم عند السخرية مِن كلام صاحبه «وماله ياخويا وماله؟» ومَن ينسى الحوارات بين شخصيات مثل «أبو لمعة والخواجة بيجو»؟ حتى وصل الأمر لإطلاق لقب «أبو لمعة» على كل من يعتاد الكذب أو المبالغة، ومَن لا يستخدم عبارة «نشِّنت يا فالح» أو «يا حلاوة»، ومن ينسى حين يبتغي أن يعبر عن نفاق المشايخ والعلماء للسلطة ومن يمثلها بالمشهد الشهير الذي يتلو فيه أحد هؤلاء «السَّنِّيدة» مطلع الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ…» [النساء : 59] إن الشارع المصري يزخر بمثل تلك العبارات، والتي غالبًا يعرف وجوه قائليها دون أسمائهم.

إن التاريخ مليء بأمثال هؤلاء «السَّنِّيدة»، وإن عددهم يفوق بأضعاف الأضعاف أعداد الأبطال الذين تزدحم بهم وبأسمائهم، وبسيرتهم الذاتية، وقصصهم وحكاياتهم، وإنجازاتهم ونوادرهم صفحات الكتب والموسوعات التاريخية، أعداد لا تحصى من هؤلاء «السَّنِّيدة» حققوا الانتصارات، وأتموا الإنجازات، وبنوا الحصون، وغزوا المدن والبلاد، واخترعوا المخترعات، وأبدعوا في الزراعة والصناعة والتجارة، وسجلوا الأحداث وحفظها جيل عن جيل، بل منهم القائمون على تربية وإعداد القادة أنفسهم، هؤلاء القادة الذين استأثروا بتخليد ذكراهم دون سواهم من صنَّاع نجاحاتهم، سواء كانت تلك النجاحات في مجال البناء أم الهدم، في أنشطة الخير أم الشر، فإن العامل المشترك بين كل الحضارات والأمم، باختلاف الزمان والمكان، هو الأبطال المشهورون و«السَّنِّيدة» المغمورون.

لو ألقينا نظرة عابرة على صفحات التاريخ، نستعرض بعض الإنجازات التي خلدت فيها، ونستعرض معها تلك الأسماء التي خلدتها بصحبة كل إنجاز، حتى نؤكد وجود «السَّنِّيد» في كل زمان ومكان، لو فعلنا ذلك لوجدنا عددًا لا يحصى من «السَّنِّيدة» قد خلت منهم تلك الصفحات، أو أشارت إليهم على استحياء، في هوامشها أو تعليقاتها الجانبية.

انظر مثلاً إلى الأهرامات وأبي الهول، إنها من عجائب التاريخ التي ما زالت حقيقة كيفية بنائها تحير العلماء إلى هذه اللحظة، حتى لجأ العلماء إلى استحداث علم جديد أسموه بالهرميات «Pyramidology»، والسؤال هل هل خوفو وابنه وحفيده هم من بنوها فعلًا؟ هل هم الذين صمموه هندسيًّا، ووضعوا رسمه الهندسي أمام عباقرة البناء الذين أبدعوا في تشييدها؟ قطعًا لا هم هؤلاء ولا هؤلاء، لكن أسماءهم فقط هي التي خلدت دون أسماء الأبطال الأفذاذ الفعليين.

خذ على هذا المثال البسيط آلافًا مثله، لتحصل على النتيجة نفسها، واسأل نفسك من بنى هذا الصرح أو ذاك لتتعجب أن إجاباتك كلها، أو معظمها على الأقل، سوف تكون نسبة الإنجاز إلى القادة التاريخيين دون الأبطال الفعليين، الذين كانت على أيديهم فعلًا وواقعًا كل تفاصيل الإنجاز. من بنى القاهرة؟ «جوهر الصقلي» بأمر وتسمية «المعز لدين الله الفاطمي»، من بنى الإسكندرية؟ «الإسكندر الأكبر»، من بنى القلعة؟ «صلاح الدين الأيوبي»، بل ربما يجيب البعض؛ «محمد علي باشا»، من بنى برج القاهرة؟ «جمال عبد الناصر»، من قام بالفعل بهندسة وتصميم وبناء ما ذكرنا وغيرها مما لا يحصيه عدد؟ هل هم هؤلاء المذكورون في التاريخ بجانب كل منها؟ قطعًا لا، وهل نحن نقلل من أدوارهم؟ بالطبع لا كذلك، لكننا فقط نود أن نشير إلى اختفاء «السَّنِّيد» خلف كل واحد منهم، والذي بدونه لم يكن لهذا الإنجاز أو ذاك أن يرى النور.

كم في حياتنا من «السَّنِّيدة»؟ كم نرى من قائد مؤسسة هنا أو مدير هيئة هناك، هم فقط يكرمون، هم فقط تزين مكاتبهم الشهادات، والكؤوس، والميداليات، والدرع، والصور التذكارية مع علية القوم، هم فقط يتلقون المكافآت المادية والمعنوية على إنجازات مؤسساتهم، وربما تفضلوا بفتات يرمونه ويوزعونه هنا وهناك؛ ذرًّا للرماد في العيون، هم فقط تسجل أسماؤهم فوق الإنجازات، هم فقط تصمم الأختام والتوقيعات بأسمائهم، لكن صاحب الفكرة، لكن مصمم الفكرة، لكن منفذ العمل على الأرض، لكن صاحب الجهد والعرق والتعب والكد في أرض الواقع، لكن جميع هؤلاء هم المجهولون؛ لأنهم كلهم في هذه الحياة مجرد «سنِّيدة»، وأنت أيها القارئ، ربما تجد نفسك من هؤلاء، فلا تحزن، فلست وحدك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد