في كل مرة يعلن فيها عن نية المجتمع الدولي أو الدول المعنية بالملف السوري، ينقسم الشارع السوري سابقا بين مؤيد معارض لتلك الاتفاقيات، لكن بعد نتائج كل ما عقد من اجتماعات من سلسلة أستانة وصولًا لسوتشي بات الشارع السوري في المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد متيقنًا أن كل تلك الاجتماعات لم تجلب عليهم سوى المزيد من القتل والتهجير، إضافة لخسارة المزيد من المناطق وهي النتيجة الكارثية الأكبر خاصة أن روسيا وإيران الموغلتين في قتل السوريين نصبوا أنفسهم ضامنين للاتفاق.. فهل يعقل أن يكون القاتل هو الضامن!

سلسلة أستانة

عقد أول اجتماع لسلسلة أستانة في العاصمة الكازخية نور سلطان في يناير (كانون الثاني) 2017 وبلغت محطتها الثانية عشر في أبريل (نيسان) من عام 2019، ومن أهم خلاصات اللقاءات السابقة الحديث عن ضرورة المفاوضات غير المباشرة، والإفراج عن المعتقلين، وتحديد مناطق خفض التوتر أو التصعيد، وسط شكاوى من عدم التزام النظام وحلفائه بقرارات أستانة، بعض الاجتماعات أو معظمها غاب عنها وفدا النظام والمعارضة.

الجولة الأولى 23 يناير 2017 (تثبيت الهدنة)

وانطلق مسار أستانة في أول اجتماع، يومي 23 و24 يناير 2017، في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، بالعاصمة التركية أنقرة، يوم 29 ديسمبر (كانون الأول) 2016. وجاء توقيع الاتفاق بعد تقدم قوات النظام بشكل كبير في مدينة حلب، وخروج ثوارها من المناطق المحاصرة في المدينة، وأكد بيان مفاوضات أستانة أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية، وشدد على ضرورة الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية، كما تحدث البيان عن الفصل بين فصائل المقاتلة والمتشددة

الجولة الثانية 15 فبراير 2017: مجموعة عمل ثلاثية

أبرز ما جاء في هذه الجولة الحديث عن تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (روسية تركية إيرانية) لمراقبة وقف الأعمال القتالية، وتشكيل آلية لتبادل المعتقلين بين قوات النظام والمعارضة المسلحة.

وأكد ت المعارضة لن تبحث أي مواضيع سياسية ما لم يتم تثبيت إنجاز حقيقي على أرض الواقع يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار وإيجاد صيغة عملية لإيصال المساعدات الإنسانية وبحث ملف المعتقلين.

الجولة الثالثة من المفاوضات  14 مارس 2017: دستور روسي

أبرز ما فيها أن روسيا قدمت دستورًا جديدًا للبلاد، كما أن الجولة الثالثة من المفاوضات انتهت في ظل مقاطعة الفصائل الثورية المقاتلة.

وأكد البيان الختامي لهذه الجولة عقد اجتماع الجولة التالية مطلع مايو (أيار) 2017، وأنه تم الاتفاق على عقد اجتماع على مستوى الخبراء في إيران خلال يونيو (حزيران) 2017، كما أكد البيان اتفاق الدول الضامنة على تشكيل لجان لمراقبة الهدنة والخروق، ولجان لمتابعة ملف المساعدات، ولجان لملف الأسرى والمعتقلين.

الجولة الرابعة والخامسة 3 مايو، 5 يوليو 2017.. خفضُ التوتر

بعد فترة من عدم ثقة ضربت مسار أستانة؛ جراء استمرار الخروقات لوقف إطلاق النار، لاسيما من طرف النظام السوري، عُقد اجتماع «أستانة 4»، بمشاركة المعارضة، في 3 و4 مايو 2017.

وفي أستانة 5 يومي 4 و5 يوليو 2017، جرى الحديث عن آليات لمراقبة مناطق خفض التوتر، ونشر قوات فيها.

لكن الاجتماع فشل في التوصل إلى توافقات بشأن القوات التي ستنتشر في هذه المناطق، وجرى الاتفاق على تشكيل لجان فنية تجتمع لاحقًا لمناقشة ما لم يتم التوافق عليه.

الجولة السادسة 14 سبتمبر 2017 إضافة إدلب وشمال حماة وحلب واللاذقية

بعد انقطاع دام أكثر من شهرين، عادت الاجتماعات بجولة أستانة 6، في 14 و15 سبتمبر (أيلول) 2017. وأعلنت الدول الضامنة توصلها إلى اتفاق لإنشاء منطقة خفض توتر في إدلب تتضمن محافظة إدلب مع أرياف حماة وحلب واللاذقية.

هذا الاتفاق اعتبر إنجازًا كبيرًا، لكن قابله تعثر ملف المعتقلين، إذ لم تتوصل الأطراف الضامنة إلى اتفاق بشأنه، ما شكّل خيبة أمل كبيرة، خاصة لدى المعارضة وتركيا.

الجولة السابعة تشرين الأول 2017 ملف المُعتقلين

فشلت اجتماعات أستانة 7، نهاية نوفمبر (تشرين أول) 2017، في التوافق بشأن تبادل الأسرى والمعتقلين، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون انقطاع إلى المناطق المحاصرة.

وأكدت الدول الضامنة أنه لا حل عسكريا للنزاع في سورية، وأن تسويته لن تكون إلا وفق عملية سياسية، على أساس تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 (الصادر في 18 ديسمبر 2015).

ووافقت الدول الضامنة، بحسب البيان الختامي، على مناقشة مقترح روسيا حول عقد مؤتمر حوار سوري في إطار مسار جنيف.

الجولة الثامنة.. يناير 2017 المعتقلون والألغام

اتفقت الدول الضامنة، في اجتماع (أستانة-8)، يومي 21 و22 يناير 2017، على تشكيل مجموعتي عمل من أجل المعتقلين والمفقودين وتبادل الأسرى والجثث، وإزالة الألغام.

وأفاد البيان الختامي بأن الدول الضامنة تعتزم عقد مؤتمر حول سورية، في سوتشي يوم 30 يناير 2018 (تم الاتفاق فيه على تشكيل لجنة الدستور)، بمشاركة كافة الطوائف السورية والحكومة والمعارضة.

الجولة التاسعة مايو 2018.. تمسُّكٌ بخفض التصعيد

أكدت الدول الضامنة، في اجتماع (أستانة) 9 يومي 14 و15 مايو الماضي، استمرار العمل باتفاقية مناطق خفض التصعيد، وحماية نظام وقف إطلاق النار، ومواصلة العمل على ملفي المعتقلين والحل السياسي.

الجولة العاشرة يوليو 2018 من أستانة إلى سوتشي

لأول مرة تعقد مفاوضات أستانة في مدينة سوتشي الروسية يوم الاثنين 30 يوليو من عام 2017، بمشاركة وفد النظام برئاسة بشار الجعفري ووفود المعارضة والدول الضامنة والمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. انتهت بالاتفاق على عدة نقاط، من بينها استمرار اتفاق تخفيف التصعيد في محافظة إدلب شمالي سوريا.

الجولة الحادية عشر يناير 2018 محطة جديدة في مسار تصفية القضية السورية

عقدت في يوم الخميس، في العاصكة الكازاخية دون التوصل إلى أي اتفاق حول اللجنة الدستورية، وفي ظل الحديث عن توافقات محدودة على بعض النقاط.

استبق النظام وحلفاؤه أستانة 11 بتصعيد عسكري في المنطقة منزوعة السلاح الثقيل.

الجولة الثانية عشر أبريل 2019 فشل جديد مع تصعيد للروس شمال حماة

عقدت في العاصمة الكازخية يوم الخميس 25 أبريل وسط استمرار تلميحات النظام السوري وحليفه الإيراني بشن عمليات عسكرية على محافظة إدلب شمال سوريا.

وأكد البيان الختامي أهمية الالتزام بالسيادة الوطنية لسوريا، والعمل على الإسراع في العمل على تشكيل اللجنة الدستورية، داعمين عمل المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون.

تبع الاجتماع هجومًا واسعًا على أرياف حماة الشمالية والغربية مع تقدم لقوات مدعومة من روسيا على مناطق في أرياف حماة.

اجتماع سوتشي 17 سبتمبر 2018 الهدنة القاتلة

في السابع عشر من الشهر الفائت أعلن الضامنين في أستانة: تركيا وروسيا وسط غياب إيران الضامن الثالث، توصلهما لاتفاق حول مدينة إدلب، وبعض المناطق من حماة وحلب واللاذقية، وذلك بعد موجة من التهديدات من قبل النظام السوري وروسيا باجتياح مناطق الشمال السوري، وينص على إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح ويتم تعزيز نقاط المراقبة المشتركة فيها مع سحب السلاح الثقيل منها وتتعهد كل من روسيا وتركيا بحمايتها كل من طرفه.

ماذا جنينا؟

بالعودة لجميع ماسبق من اتفاقيات لم يلتزم النظام السوري ومن ورائه روسيا، بأي قرارات منها، بل على العكس كانت كل النتائج عكسية على مناطق الثوار، خسر الثوار مناطق حمص وجنوب حماة والغوطة ودرعا وكلها كانت سابقًا ضمن مناطق خفض التصعيد المتمخض عن اجتماعات أستانة، من خلال اتباع روسيا سياسة القضم للمناطق عقب كل اتفاق، وسط صمت من قبل الضامن التركي الذي من المفترض أنه يتكلم باسم المعارضة.

تم تهجير عدد كبير من رافضي التسويات في المناطق السابقة ضمن سياسة تغيير ديموغرافية حتى بات الشمال السوري ملجأ للملايين الذين توزعوا على مخيمات اللجوء وسط غياب أدنى مقومات الحياة لديهم.

لم تخرج أستانا ولو معتقلًا واحدًا من سجون النظام، لأنه لم يتم مناقشة هذا الملف بشكل جدي بعد تهرب النظام والجانب الروسي من ذلك الملف.

أما بالنسبة لاتفاق سوتشي الذي ولد ميتا قبل أن يقضي النظام وروسيا عليه، فلم يتوقف القصف منذ توقيعه على ريفي حماة وإدلب حاصدا المزيد من أرواح الأبرياء في ريفي حماة الشمالي والغربي وإدلب الجنوبي، بل زاد من حدته في الفترة الأخيرة حتى وصل لداخل النقطة التركية وسط صمت مريب وغريب من الضامن التركي، وتقدمت قوات النظام لتحتل مناطق جديدة في ريف حماة على غرار ما حصل في منطقة شرق السكة جنوب شرق إدلب على مرأى نقاط المراقبة التي كانت إحدى نتاجات ذلك الاتفاق هذا ما جنيناه للأسف.

ميليشيات النظام استهدفت النقطة التركية عدة مرات وسقط جرحى في صفوف الجنود الأتراك

الروس يطلبون هدنة جديدة بحماة

اليوم وبعد تقدم النظام في حماة، يحاول الروس مجددا الالتفاف على الثوار من خلال طلب هدنة من قبل الحليف تركيا، بغية تثبيت نقاطها في المناطق التي تقدمت إليها والاستراحة فيها كاستراحة محارب، لتكمل سياستها بقضم مناطق الثوار وفصلها عن بعض كما فعلت في مناطق سابقة انتهت بالتسليم عبر ما بات يعرف بالمصالحة.

لكن على ما يبدو أن الثوار هذه المرة خبروا سياسة روسيا، فقررت الجبهة الوطنية للتحرير رفضها لأي هدنة مالم تنسحب روسيا إلى نقاطها قبل الهجوم على ريف حماة حسب قولهم

بخصوص أية أطروحات أو عروض لوقف إطلاق النار، فإن موقف الجبهة الوطنية للتحرير هو رفض ذلك جملةً وتفصيلًا ناجي مصطفى المتحدث باسم الجبهة

معركة جديدة بعد رفض الهدنة

بعد رفض الثوار للهدنة الروسية القاضية بوقف إطلاق النار مقابل تثبيت قوات النظام وروسيا قواتها في المناطق التي تقدمت عليها، وفشل المفاوضات الروسية التركية لانسحاب تلك القوات أعلنت فصائل الثوار في 21 مايو معركة مدعومة تركيا لاستعادة ماخسروه في ريف حماة الشمالي، بعد استقدام تعزيزات من مناطق غصن الزيتون التابعة للجيش الوطني المدعوم تركيا حيث استطاعت القوات استعادة بلدة كفرنبودة شمال حماة.

ما بين مسلسل أستانة و أكذوبة سوتشي كل ما جنيناه قضم المناطق وخسارتها و تهجير أهلها فهل سيستمر الحال عليه مع الأستانات القدمة أم أن الثوار والمعارضة سيقررون نسفها بشكل جدي بعيد عن الإعلانات والإدانات السابقة؟ فمعظم من رفض الاتفاقيات السابقة من الفصائل شارك بتطبيقها بشكل ما، أم أن هنالك مسلسلًا آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد