إن الاستسلام لكون النقابات العمالية تنظيما رأسماليا للعمال دونما رؤية للسياق التاريخي لنشأتها ليس فقط اختزالا مخلا لطبيعة النقابات العمالية ولكن أيضا خضوع للوعي السائد الذي تحاول الطبقة الرأسمالية الحاكمة ومفكروها الترويج له لتزييف وعي العمال وتحييد النقابات عن المشاركة في العمل السياسي، بدعوى أنّ ذلك لا يخدم مصلحة العمال.

تصدر هذه النداءات عادة عن شرائح اجتماعيّة ترغب بالحدّ من التأثير النقابي في المجال العام وبعض الشباب المفتقد للعمق النظري الكافي، واستمرار هذه الأصوات في ترديد هذا الخطاب بالتوازي مع الصعود المستمر لقوى العولمة الرأسمالية يشير بشكل مباشر إلى السعي للحدّ من دور النقابات في الصراع السياسي المحتدم حاليا بسبب الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تخلقها سياسات الليبرالية الجديدة بحشر النقابات بكلّ ما لها من ثقل اجتماعي في زاوية ضيقة تحت أوهام الحياد، حتى تتمكّن القوى الاحتكاريّة الرأسمالية وتنظيماتها السياسية وممثلوها بالدول النامية من محاصرة خصومها وأعدائها السياسيين والانتصار عليهم، بعزلهم وقطع مددهم الاجتماعي المنظّم.

فالمفهوم الاصطلاحي للنقابات أنها -تجمع للعمال من أجل “التفاوض” مع الرأسمالي لتحسين شروط الاستغلال وتوحيد الصفوف في مواجهة الروح التنافسية داخل مواقع العمل ضمن إطار النظام الرأسمالي- ليس مفهوما “مطلقا” ولكنه مرتبط بسياق تاريخي وتوازنات اجتماعية متغيرة.

فقد نشأت النقابات العمالية كمعادل موضوعي لحالة توازن القوى بين البرجوازية الصاعدة على أنقاض المجتمع الإقطاعي والحركة العمالية الناشئة في بدايات القرن التاسع عشر كمحاولة من العمال لإيجاد شكل تنظيمي يستطيعون من خلاله الحصول على الحد الأقصى الذي يمكنهم انتزاعه على أرضية الصراع الطبقي وفقًا لطبيعة اللحظة السياسية وتوازن القوى الاجتماعية على الأرض وقتها.

إن خطورة تجاهل هذا السياق التاريخي هو السقوط الحتمي في فخ أوهام الإصلاحية والبيروقراطية النقابية والأكاذيب التي يتم الترويج لها حول مفهوم “الاستقلالية النقابية” بالفصل التعسفي بين ما هو نقابي وما هو سياسي، فالحقيقة أن نشأة النقابات والتنظيمات العمالية في مواجهة سلطة رأس المال من أسفل سابقة على التأطير القانوني لها من قبل النظام الرأسمالي من أعلى وبالتالي فدور هذه النقابات يتسم بسيولة عالية ترتبط بطبيعة اللحظة التاريخية ودرجة احتدام الصراع الطبقي مدّا وجذرا.

فمثلًا في حالة الثورة الروسية تحولت التنظيمات العمالية التي توصم بالتفاوضية إلى أدوات للسيطرة العمالية “سوفيتات” كما حدث في سوفييت بطرسبرج 1905 وفي الفترة ما بين فبراير وأكتوبر 1917 وما بعدها إبان الثورة البلشفية في روسيا ويعلق على ذلك الثوري الروسي لينين قائد الثورة الروسية “في ظروف الثورة يتلاشى الحد الفاصل ما بين الوعي النقابي التفاوضي وما بين الوعي الثوري، ولكن في الأوقات غير الثورية تبدأ المسافة في الاتساع وتبدأ البروقراطية النقابية في الظهور”.

وبالتالي فالفهم الذي يروج له الإصلاحيون والبيروقراطيون حول الاستقلالية النقابية بأنها “الفصل بين النقابي والسياسي” يقوم بعكس الدور الذي من أجله قد نشأت النقابات فهو يقوم بدمج الصراع الطبقي ضمن المنظومة الرأسمالية لتتحول النقابات من أدوات للصراع الطبقي مع الرأسمالي إلى أدوات للتفاوض مع الرأسمالي لتحقيق بعض الإصلاحات الجزئية في أقصى تقدير ضمن المنظومة الرأسمالية ككل، وهذا هو تدليس واضح يصب ضمنا في صالح النظام وهذا ما اعتدنا عليه من خطابات الإصلاحيين.

فالمعنى الحقيقي للاستقلالية النقابية هو الرفض القاطع لأي اندماج أو تذيل من قبل التنظيم النقابي للدولة الطبقية لأنه عند ذلك فقط سينحرف عمله النقابي عن مهمّته الأصليّة التي نشأ من أجلها، وهي الدفاع عن المصالح الماديّة والمعنويّة لعضويته القاعدية وجمعيتها العمومية ضد أرباب العمل، فالشأن النقابي في الواقع يفرض على المنظمة النقابيّة أن تكون مجموعة ضغط للدفاع عن الحقوق والمصالح الماديّة والمعنويّة الجماعيّة والفرديّة لعضويتها، وبالتالي فإنّ كلّ ما يتعلّق بهذه المصالح أو يمسّها، يصبح من اهتمام النقابة سواء كان ذلك اقتصاديّا أو اجتماعيّا أو سياسيّا.

ووفقا لهذا فالشأن السياسي يفرض نفسه دائما على الدور النقابي ولا يعاب على المنظمة النقابيّة إبداؤها لموقف سياسي أو خوضها لنضالات ضد خيارات سياسية بدت لها مضرّة بمصالح أعضائها أو حتى مصلحة البلاد إن كانت هذه الخيارات تهدف إلى تقويض الأسس الديمقراطية “كصعود النزعات الفاشية مثلا” لأنّ ذلك له انعكاس سلبي فعلي يهدّد وجود النقابة بحدّ ذاته.

ولنا في اتحاد الشغل التونسي مثال مهم في منطقتنا العربية فقد قام “اتحاد الشغل التونسي” أثناء الثورة على “بن علي” خلال التظاهرات الشعبية التي هزت البلاد في ديسمبر 2010 بالمشاركة في الصفوف الأمامية لها مناديا بالتغيير، وذلك بفضل قدرته على التعبئة الواسعة وقوة تأثيره في تحركات المجتمع التونسي.

كما قامت “الرباعية التونسية” والتي كانت تضم إلى جواره “اتحاد الصناعات التونسي” و”نقابة المحامين التونسية” و”الرابطة التونسية لحقوق الإنسان” بصياغة حل سياسي للأزمة التونسية في 2013 رغم كل العقبات والعراقيل، حيث استطاعت “الرباعية” في نهاية المطاف إقناع 21 حزبا من توجهات مختلفة بالمشاركة في الحوار الوطني، الذي رسم خارطة طريق حددت الأهداف السياسية المستقبلية على غرار التصويت على دستور جديد، ووضع هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات، فضلا عن صياغة قانون انتخابي جديد والتوافق على ضرورة حكومة جديدة يترأسها شخص مستقل.

ليس معني هذا ترفع الثوريين عن مشاركة العمال نضالاتهم الجزئية، فالعمال من خلال تلك النضالات الجزئية يشعرون بقوتهم ويلقون بأفكار الطبقة الحاكمة حول أن العمال لا يصلحون إلا خدمًا لهم في سلة القاذورات، ولكن على الثوريين العمل وسط العمال بهذه المعارك منطلقين دائمًا من التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل المأجور “على أرضية الصراع الطبقي”.

كما أن على الثوريين داخل النقابات مقاومة النزعات الاقتصادية والبيروقراطية النقابية ولهاثها وراء رأس المال ودولته وجعلها من المطالب الجزئية الصغيرة حول علاقة رأس المال بالعمل المأجور قلبًا وهدفًا لعملها، رافعين شعارات زائفة حول فصل النقابي عن السياسي بدعوى أنّ ذلك لا يخدم مصلحة العمال.

فقط عبر تلك النضالات يتم بناء الحزب الثوري الذي يضم أكثر العمال وعيًا وصلابة ويستطيع قيادة كل الطبقة في معركتها الحاسمة. فالنضال داخل إطار النظام الرأسمالي يهيئ العمال للنضال من أجل تحطيمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النقابات, تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد