لم يكن الكاتب الفرنسي “ماري هنري بيل” والمعروف باسم ستندال يعلم أن شخصًا ما في هذا العالم سيأتي بعد وفاته بأكثر من مئة وسبعين عامًا ليربط بين زيارة لفلورنسا قام بها عام 1817، وبين رواية كتبها بعدها بأربعة عشر عامًا تسمى “الأحمر والأسود”، هذه الرواية التي تناولت الصراع بين السلطة العسكرية وروح التقوى الدينية.

 

يحكي لنا ستندال في روايته قصة شاب فرنسي يدعى جوليان، يروي لنا تأرجحه بين إدعاء الدين والتقوى تارة واللحاق بركب نابليون وجيوشه تارة أخرى، هذان إذن هما اللونان الأسود والأحمر الذي يبرع جوليان في التنقل بينهما بحسب حاجته وبحسب ما يظنه حينها الأكثر رواجًا. وهذان – بالصدفة – هما اللونان اللذان يسيطران على حياتنا منذ أربعة أعوام كاملة.

 

لكن جوليان لم يكن بالمخلص لأي من اللونين وإنما كان مرائيًّا، يتخذ الدين وسيلة للحصول على وظيفة مربي تنقذه من الفقر وتأخذه بعيدًا عن الريف الذي نشأ فيه، ثم يتخذ البزة العسكرية طريقًا للوصول إلى وجاهة اجتماعية تكفل له الظفر بقلوب النساء في باريس.

 

هكذا يصور لنا ستندال كيف كانت الحياة في أوائل القرن التاسع عشر في فرنسا، وكيف كان المجتمع، يُعري هذا المجتمع ويظهر كافة مساوئه وكذا مساوئ نابليون نفسه والذي كان ستندال أحد أكبر مؤيديه قبل أن ينقلب نابليون على أهداف الثورة. يخبرنا ستندال على لسان جوليان أن هذا الحلم الذي عاشه الفرنسيون وعاشه ستندال نفسه كان خرافة، وأن الصورة الجميلة التي رسمها نابليون وجيوشه كانت اصطناعية إلى حد كبير، وبينما كان الجميع يظنون بعظمة هذا الجيش كان الخواء الثقافي والأخلاقي والديني يسيطر على أفراده، بل وعلى أغلب أفراد المجتمع كله.

هنا نعود إلى عام 1817 حين زار ستندال كنيسة سانتا كروتشه وانبهر بجدارياتها أيما انبهار. نتذكر كلماته عن هذه الحالة التي تملكته وهذا الشعور الذي انتابه والذي عُرف فيما بعد في كتب علم النفس بمتلازمة ستندال. هذا الانبهار الجارف بالجمال أو بما يتصور إنه جمال، هذا الافتتان المرضي الذي جعل ستندال أسيرًا لما شاهده في فلورنسا، أسيرًا لما تخيله عن نابليون، حتى أفاق على صوت الحقيقة الأليمة يناديه. الصوت الذي ربما تردد كثيرًا في جنبات عقله يخبره عما يختفي خلف هذه الجداريات الفاتنة أو خلف هذه البزة العسكرية المهيبة، ربما سمعه لكنه تحاشى تصديقه، خاف أن يصحو من هذا الحلم الجميل الذي رسم جميع ملامحه الأخاذة بنفسه.

هكذا، ترك لنا ماري هنري بل (ستندال) متلازمته بعد أن برأ منها، خلدها لنا بعد أن استطاع أن يتخلص من انبهاره بنابليون وأن يحكي لنا قصته مع الأحمر والأسود. قصته وقصة فرنسا مع الدين والعسكر. ربما لم يكن يعلم أننا – وبعد ما يقارب القرنين– سنبدأ في تلوين لوحاتنا بنفس اللونين، لكنه بالتأكيد – يوم أن زار فلورنسا وافتتن بجمالها- كان قريبًا جدًّا في مشاعره التي رواها في يومياته من تصوير مشاعرنا نحو ثورة يناير وميدانها.

تلك المشاعر الجارفة التي سيطرت علينا وجعلتنا نرفض تمامًا أي صوت يغرد خارج سرب العشق والافتتان بمشهد الميدان طوال الثمانية عشر يومًا. هذا المشهد الذي ظهر اليوم كم كان يخفي وراءه الكثير من القبح، قبح التزييف الذي مارسناه جميعًا على أنفسنا لإجبارها على الاعتراف بجمال المشهد – المصطنع جزئيًّا– وتكميم الأصوات التي تهدف لإضفاء أي نوع من الفوضى على هذه اللوحة البديعة.

 

 

هكذا وجب – وكما استطاع ستندال– أن نتخلص من متلازمته التي حلت بنا نحو ميدان التحرير وأن نكتب قصتنا وقصة هذا الجيل. قصة الشباب الذين خرجوا للميدان حالمين بغد أفضل، هذا الغد الذي جعلهم يحلمون كما لم يحلموا من قبل، ويموتون كما لم يموتوا من قبل. إنها قصة المستقبل الفاتن الذي أسر قلوبنا جميعًا حتى صرنا “كلنا ستندال” ولم تشفع لنا طلقات الرصاص الحي ولا جدران المعتقلات كي نبرأ من هذا الافتتان. هكذا لم نكن مذنبين إلى هذا الحد، كنا ضحية الحلم كما قال جوليان في لحظاته الأخيرة أمام القاضي:

 

“إنّني أستحق الموت إذن أيّها السادة المحلّفون، ولكنني حتى وإن لم أكن مذنبًا إلى هذا الحدّ، أرى رجالاً لا يهتمّون بما قد يثيره شبابي من شفقة، بل يرغبون في أن يحاكموا من خلالي ويحبطوا تلك الفئة من الشباب التي نشأت في طبقة دنيا واضطهدت بسبب فقرها فحاولت اكتساب تربية جيّدة وجرأة على الاختلاط بما يسمّيه غرور الأغنياء بالمجتمع. تلك هي جريمتي أيّها السادة، وسوف يحكم عليها بكثير من القسوة لكوني بكلّ بساطة لا أحاكم من قبل أمثالي”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد