ما أبهاها حينما تنعكس أشعة الشمس الذهبية على صفحة ماء بحرها، فيسري فيه دفءُ الحياةِ وعنفوانها؛ فيتدفق منسابًا نابضًا إلى الشاطئ في صورة أمواج متتابعة تلتقي بالرمال؛ فتتحول هذه الدفقات من الماء المحملة بدفء الشمس ونبضها إلى حطام يصطدم على صخور الشاطئ القاسية؛ فينتشر رذاذ الحطام مداعبًا لكل ما يقابله.

يومًا ما كان هذا الرذاذ ناعمًا لطيفًا يرتطم بك فتنتعش من ملامسته الرقيقة لوجهك، لكنه الآن بات قاسيًا عنيفًا مزعجًا؛ تُذكرك كل قطرة فيه بتلك القسوة التي صارت عليها تلك المعشوقة التي تَبدلَ وجهها، فصارت كما لم تكن. كان صوتُها يشبه في رقته خرير الماء المنبعث من جدول رقراق يخترق السمع فتنتشي له النفس، فبات الآن صوتُها كهزيمِ الرعدِ في ليلةٍ ممطرةٍ، كان لونها هادئًا يشبهُ في روعتهِ زُرقةِ السماء الصافية حين تمتد لتعانق لون البحر الصافي في يومٍ مشمسٍ زاهي الألوان، فبات الأحمر القاني كلون الدم هو لونها الأثير، ترتديه دائمًا، ثم تتشح بسواد الحداد على أحبةٍ لم ترع لهم ودًا، ولا عهدًا.

كانت تنبعث منها دائمًا رائحة البحر المنعشة المحملة باليود، تبدأ صباحاتك باستنشاق عبير؛ فيعطيك طاقة مبهجة تدفعك للعمل والأمل، أما الآن فباتت رائحتها تعبق بالبارود والرصاص. حقًا أهي تلك المعشوقة التي فتنتنا وهِمْنَا بها عشقًا؟ أم أنها تحولت إلى وحشٍ أسطوري يبتلعُ عاشقيه؟ خُطواتُك على أرضها كانت تشبه احتضان أمٍ لطفلها بعد عودته من مدرسته، فباتت الخُطوات ثقيلة خائفة؛ فقد تغدو تلك آخر خطواتك حين تلتفت يمنةً أو يسرةً فتجدها وقد اختارتك؛ لأنه حان دورك في طابور المغدورين المقبورين بباطنها.

في عيون هؤلاء كُنت ترى مرحًا وألفةً وبهجةً حين يصطفون علي أسوار بحرها، يتسامرون ويتناولون المثلجات، أما الآن فهم بالكاد يمشون متوجسين خيفة، ففي أية لحظة قد تحتاج إلي النجاة بنفسك من الهلكة إن هي غَضِبتْ غَضْبَتَها التي تحصد الأبرياء من عاشقيها. حين تُغادرها لأول مرة إلي غيرها من البلدان يَعتَصِرُ قلبك حزنًا، فكيف تفارق تلك المعشوقة الأثيرة المدللة! فيكونَ عَزاؤكَ أن تلتقي أحبةٍ فصلتك عنهم بحار وصحراء، ثم تعُود إليها وأنت تسأل تري هل تذكُرني معشوقتي كما أذكرها؟ هل تحبني كما أحبها؟ فيأتيك الجواب عندما تراها في ثوبها الجديد وقد ألقت عنها زُرْقَةَ البحرِ واختارت حُمْرةَ الدماء، فتُدركُ تمامًا أن تلك المدينة باتت بلا عنوان.

على هذا الشاطئ سارت كثيرًا مع توأمُ الروح ورفيق العمرِ؛ يتحاكون ويتسامرون ويحلمون ويلتقطون صورًا مع أطفالهم لازال يضمها ألبوم ذكرياتهم، فكان شاطؤها لمستقبلهم دليلًا ومُؤْنِسًا، وفي نفس المكان تلوث الشاطئ بدماء أحبةٍ طالتهم لعنةُ عِشْقِها، فصارت رمال الشاطئ لهم وسادةً وصار باطنه لهم قبرًا، يَالَقَسْوَتِهَا مدينتي حين تطال لعنتها عاشقيها فتصير لهم قبرًا بعد أن كانت لهم مَرْسَى. كيف بعد أن كانت معشوقتي محط أنظار المحبين باتت سببًا لجزعهم وخوفهم وترقبهم، كيف صارت مدينتي هكذا لا تخيف أبناءها فقط، بل أيضًا تُخيف من هم خارجها من عُشاقِها، حقًا مدينتي لم تَعُدْ كمدينتي.

أتُراك تَعْرِفُها؟ نعم أنت تعرفها، حيثما كان موقعك من التاريخ والجغرافيا فأنت مؤكدٌ تَعْرِفُهَا، تجدها هناك فى ذلك الزمن البعيد، فى البلدة القديمة التى تَبْعُدُ عن حيفا بضعة كيلومترات، حيث كانت رُقَيْة بطلة رواية الطنطورية تقف على شاطئ البحر تنتظر فارس أحلامها الذى انشق عنه الماء، تبلل رجليها ثم تباغتها الموجة فتقفز إلى الوراء لتحتمى برمالِ الشاطئ فى جذلٍ ثم تُعَاودُ الكرة من جديد، تتسامر مع صويحباتها فَيُغَنْين ويَمْرَحْنَ ويجمعن الذكريات من هنا وهناك كى تقتات عليها أرواحهن حين تغدر بهن مدينتهن، وعلى نفس الشاطئ هاهى رُقَيْة تسير من جديد، ولكن هذه المرة مهجرةً قسرًا من قريتها والبندقية مصوبة نحو ظهرها، ستخرج من مدينتها إلى الأبد مُوَدعةً فارسَ أحلامها وكل ذكريات عمرها الفائت، وستظل تتذكرُ أنها فى الطريق وأثناء خروجها رأت أبيها وأخويها هناك فوق كومة الجُثَث.

وهُناكَ فى ذلكَ الزمَنِ البَعيدِ القَريبِ في بُقْعَةٍ مُجاورة على شواطئِ صَيدا وبيروت، حيثُ يَسْتَقْبِلُ الناسَ صَبَاحَاتِهم مع زَقْزَقَاتِ العَصَافِير، تفوحُ رائحةَ قَهْوَتِهم الصباحية مُخْتَلِطةً برائحةِ البَحْر، فيبدأون يومهم منطلقين كلٌ إلى وِجْهته؛ سواءٌ إلى العمل، شِراءِ الجرائد اليومية، التمشية على الشاطئ، أو شراء الخبز ربما، إنها مُمَارساتٌ يَوْميةٌ بسيطة، هِي الحياةُ بنبضِهَا وعُنْفُوَانِها، يجمعهم على اختلاف وجهاتهم ذلك البحر بشاطئهِ القريب، يَعِيشونَ حياتهم ويستمتعونَ بها كما هي، ولا تلبث تلكَ الحياةُ أن تَنْقَلِب رأسًا على عَقِبْ، فها هى مدينتهم أسْفَرت عن وجْهِهَا الآخر، هاهو الاجتياحُ الكبير يَحْدُثُ فى الجنوب، هاهو الحِصَارُ يَضْرِبُ حياتهم بكلِ قَسْوَة، هاهى السماء فى عَتْمَة الليل مُضَاءةً بالقنابلِ، ها هى البِنَايات تَتَهَدمُ فَوْقَ رُؤوسِ أَصْحَابِها، قَصْفٌ هُنَا وتَفْجِيرٌ هُناك، مَجزَرةٌ هُنَا وتَهْجِيرٌ هُنَاك، لا قُدْسية لِأَى شئٍ، كُل شَئٍ مُسْتَباح، بينما يَقِفُ البَحرُ صامِتًا هَادِئًا لاَ يُدافِعُ عن عُشاقِه، ولا نَدرى هل هو هُدوء ما قَبْل العاصفة، أم أنها العَاصفة التى كانت كامنةً فى أعماقهِ فأطلق لها العنان فى وُجُوهِ مُحبيه مُتَنكِرًا لما كان بينهم يومًا من ارتباط أبدي.

وهُنَاكَ فى تِلْكَ البُقعةِ البَعيدة، بَلْ هُنا، فَهِىَ قَريبة بالرغْم من تَبَاعُدِ المَسافات، فى القَلْبِ تَسْكُن بالرغْم من قَسْوَتِهَا، هُناك فى الإِسْكَندَرية، عَرُوُسُ البَحْر التى اتَشَحت بالسوادِ فى زَمَنِ عُرْسِهَا، هُناكَ عَلىَ شَاطِئها الحبيب، خَرَجَ هَؤُلاَءِ الشُبانِ اليَافِعِونَ مِن جَامِعَتِهم التى تُجَاوِر الشاطئ فَيزِيُدها بَهَاءً، ويَمْنَحُهَا من عبقه الكثير، وقف هؤلاء الشبان يُسِّرون للبَحرِ بمكنُونَاتِهم وأحْلَامِهم، كانت أحلامهم بسيطة وحَلموا لها أكْثَر مِما حَلموا لأنْفُسِهم، حَلموا لِتِلْكَ المَعْشُوقة أنْ تَتَحَرر من قَيْدِها وتَنْزِعُ عَنْهَا سَوَادَ ثِيَابِها، أَسَّروا لِلْبَحْرِ بِحُبِهم لَهَا، بِعِشقهم لترابها، يَغَارونَ عليها حَدَّ الجُنُون، خرجوا ليُعْلِنوا حُبهم لها ويهتفون بِاسْمِها عَاليًا، فَبَادرتْهُم قبل أن يكتمل الهُتاف، لم تَدعهم يُكْمِلُوه، بَادرتهم بغَضْبَتِها التعيسة فَسَقَطُوا، حصدتهم حَصْدًا فصاروا أَثَرًا بعد عَيْن، رَوْت دِمَاؤهم أَرْضَها لِتنبت مكان أقدَامِهم شجرةَ الصبارِ، لَمْ يَعُد هناك مكانٌ لِلِيَاسمين، في مدينتي.

وفي ذلك الشاطئ المُجَاور هُناك، على بحرِ اللاذِقِية، ضَحَّى هؤلاءِ بِكل شَئ، تَمامًا كما أَبْدَعوا في كل شيء، كان حُلْمُهُم بَسيطًا، حَلموا أن تَعُودَ لهم ملكية هذا البحرِ الواسع، فيَعْبُر إِبداعهم إلى الطرفِ الآخرِ منِ العَالمِ عَلَّهم يستعيدونَ مَجدًا وعزًا كان، حَلموا أن يَنتصِروا على ذلكَ المَاردِ اللعين الذى يقف على بوابة البحرِ فَيَحُوُلُ بينهم وبين مجدِهم القدِيم وعِزِّهم الفائت، لكنَّ المَاردَ وشَى بهم للبحرَ فمالبث البحرُ أن غدر بِهم وخانهم حين لجأوا إليه هاربين فى ظُلْمَةِ الليلِ على متن قارِبِهم المُتهَالِك، ابْتَلَعهمُ البحرُ كما تبتلع الْعَنقَاءَ ضَحايَاهَا فى الأساطيرِ القديمةِ، سَقطوا فى جوفه سُقُوطَ اللاعودة، سُقوطًا يتوعد كل من يَحْذُو حَذوهم، لكنهم فَقدوا الخيارات فكان عليهمُ المُغامَرةِ، إما فى البحرِ أو تحت السماءِ المضاءة بِلَهِيب البراميلِ المُتفجرة، ابْتَلَعهمُ البحرُ ابتلاعًا، ثُمَّ ما لبث أن أَلْقَى بِجُثْةِ هذا الرضيعِ على الرِّمالِ، هذا الصغيرُ الذي قال كل الحَكَايَات فِي صَمْتٍ، احْتَضَنَ رِمَالِ الشاطئِ وهَمَسَ لها بكلمة الوداع.

هنا وهناك… مُدنٌ كَثِيرة، بِحارٌ كَثيرة، عُشاقٌ كُثَّر، أحْلامٌ حَبيسة وحَكايات مُتشَابِهة على اختلاف الشُخُوص والتفاصيلِ والأماكنِ، جَميعُها تَنْبُتُ مَا بينَ زُرْقَةُ البَحْرِ وحُمْرَةُ الدِّمَاءِ.. حَيْثُ مَدِيَنَتى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد