«لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني»، عباس محمود العقاد

واستقللت القطار وحلقت بعيدًا عبر الكلمات، باحثًا عن الحكم والأسرار ممتشقًا قلمًا وممتطيًا كتابًا، وإنها كانت من أجمل الرحلات التي حملتني إلى عالم الأنس والضياء عالم الكتاب، وإنك لتجد في نفسك من العلل والملل ما تضيق به النفس وتصعب عن وصفه الألسن وتضيع في بحث دوائه اللحظات، فتبحث عن ما يهون الأمر ويشرح الصدر ويطيب به الفؤاد وقد قمت من مجلسك باحثًا عن الدواء وقد أهملت فوق الطاولة «كتابًا» كنز ثمين وصديق معين وعقل مجرب حكيم، وآلة للزمن تنقلك إلى عوالم وأنت بين الدثار والدثار، وإني من أشد المعجبين بتوصيف الكاتب محمد الرطيان للكتاب فيقول في ديباجة كتابه «وصايا»: «بإمكانك أن تشعر بصقيع موسكو، وتشم رائحة أمستردام، وروائح التوابل الهندية في بومباي، وتتجاذب أطراف الحديث مع حكيم صيني عاش في القرن الثاني قبل الميلاد»، وأضيف أنا لما قاله محمد الرطيان ويمكنك أيضًا تدبير جلسة أدبية فاخرة في صالون العقاد أو الاستماع إلى أغاني إبراهيم الموصلي وأبي فرج الأصفهاني أو الذهاب بعيدًا إلى العالم الجديد حيث نضالات مارتن لوثر كينغ والخطب الساحقة لمالكم إكس، إن كل هذا متاح وبسهولة عبر القراءة والتنقل بين المكتبات والكتب كما يفعل النحل وهو يستعد لإنتاج أجود أنواع العسل، والقراءة ليست كما يعتقد الكثيرون من كماليات الأشياء وهوامشها ولكنها كالعصا التي يتبين بها الكفيف دربه والماء العذب الذي يطفئ به الظمآن عطشه والنجوم الزاهيات في كبد السماء تهتدي بها القوافل وتؤنس الشارد في ظلمته، ولا يدرك المرء معاني الحياة وأسرارها ولا يعيش في رفعة ولا شرف إلا إذا قرأ، وقرأ، وقرأ، حتى أن فولتير سئل عن الذين سيقودون الجنس البشري، فأجاب أولئك الذين يعرفون كيف يقرؤون.

وإنك لو تفحصت في كتب السير والتراجم فستعرف كيف غير الكتاب أقوامًا من حال إلى حال وكيف رفع أشخاصًا من العدم إلى العظم، فقرأت أن المناظل الأمريكي المسلم مالكوم إكس داوم في سجنه على القراءة واقتناء الكتب فنقلته التجربة بشكل جذري من حياة الأشرار المتسكعين إلى قائمة أعظم الخطباء الذين تركوا تأثيرهم في حياة الأمريكيين، وطرد الكاتب البريطاني برنارد شو من وظيفته كونه كان قارئًا نهمًا والكتاب يأخذ من ساعات عمله لهذا فهو يقول القارئ النهم لا يمكن إلا أن يكون كاتبًا عظيمًا، وكذلك  كان القامة الأدبية الكبيرة عباس محمود العقاد لا يغرد خارج رفوف مكتبته الغنية بكل ما جاد به الكتاب من العلم والآداب والمعارف وهو الذي قال في كتابه «ساعات بين الكتب» إنني قارئ لكل الأنواع بين كلام في الشعر وكلام في التاريخ وكلام في الدين والاجتماع والأخلاق وما إلى ذلك من المباحث المتواشحة والمسائل المتجاذبة، ولهذا يعوز الكثيرين ما وصل إليه العقاد من غزارة في العطاء والإنتاج الفكري والمعرفي إلى ولعه وعشقه الأبدي وهي قراءة الكتب، وقد ألف عباس محمود العقاد ما ينوف عن 100 كتاب و15 ألف مقال في مختلف المواضيع ونشرت في عديد الصحف العربية والمصرية، إن مثل الذي يقرأ والذي لا يقرأ  كمثل زهرة الجوري ونبات الصبار فالأول فواحة بريحها الطيب وملمسها الناعم ومنظرها البديع كذلك الذي يقرأ حسن المعشر، عذب الكلام، جدير بالمشورة، غزير في معارفه واطلاعه وفي الحالين يقول الجاحظ «ومـا رأيت أحدًا وفي يده دفـتر، وصاحبـه فـارغ اليـد، إلا اعتقدت أنه أعقل وأفضل من صاحبـه

فالذي لا يقرأ يسير على الأرض على غير هدى ولا بصيرة فتصعب محاورته ولا تستطيب النفس معاشرته ومن الجهل ما قتل، وإذا نظرت في حال الناس وتمعنت أدركت بؤس وكدر الذين لا يقرؤون ففي النفس ملل وكلل وحدة وغضب، وإن كثيرًا منهم أوتي مالًا وسلطانًا ولكنه جهل فن القراءة فجهل الطريق إلى الحياة السعيدة وغدت حياته رغم المال والسلطان دون بهجة ولا ألوان، وإن الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهاور ليدرك عمق التأثير الذي تتركه القراءة والكتاب في حياته فيلخصها في قوله المأثور «لم تمر بي أي محنة لم تخففها ساعة أقضيها في القراءة» ففي الكتاب من القصص والعبر ما تهون به المحن وتخف في أثره النوائب وتشتد بعضاته السواعد، كذلك قال ربنا تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة هود «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ» فكان القراءن أهدى طريقًا وأشد تثبيتًا.

ولا شك أن علماء السلف كانوا أشد شغفًا بالقراءة وأميل إلى العشق والهيام بالكتب دون غيرها، وقد تجلى ذلك بصورة ناصعة في عطائهم ومقاماتهم وما زرعوه من المعارف وحصده غيرهم من القراء وطلاب العلم، فقال ابن الجوزي عن نفسه في كتاب صيد الخاطر «وإني أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب. وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز». وينصح لطالب العلم القراءة قائلًا له «ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطر كتبك  وتجري في حلبات فكرك»، وإنك لتقرأ من السلف ما تعجب لحالهم والقراءة وتعلقهم بالكتب فيقول ابن القيم في «روضة المحبين» حدثنا شيخنا عبد الرحمن ابن تيمية فقال: كان الجد أبو البركات أي جد شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية وعبد الرحمان أخوه، إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع، ومما يرويه الشيخ علي طنطاوي في مذكراته «أنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر؛ أُمضي يومي أكثرَه في الدار أقرأ، وربما مر عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمائة صفحة، ومعدل قراءتي مائة صفحة، من سنة (1340هـ) إلى هذه السنة (1402هـ) اثنتان وستون سنة، احسبوا كم يومًا فيها، واضربوها بمائة تعرفوا كم صفحةً قرأت! أقرأ في كل موضوع، حتى في الموضوعات العلمية، بل والفنية والموسيقيَّة. هذا غير النظر في الجرائد والمجلات.

يقول الروائي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في كتاب «تاريخ القراءة»  كنت أريد أن أعيش وسط الكتب عندما بلغت السادسة عشرة  من عمري عثرت على عمل أقوم به بعد الدوام، في دار بغماليون إحدى المكتبات الإنجليزية الموجودة في بيونس أيرس صاحبة المكتبة كانت ليلي لباخ ألمانية يهودية وقد كلفتني بنفض الغبار من على الكتب الموجودة في الكتب حتى أستطيع بطريقة أسرع إحصاءها والإلمام بها، ولكنني كنت أتوق لمعرفة أكبر بالكتب وسحبها من على الرفوف وفتحها وتصفحها، في إحدى المرات لم أستطع أن أقاوم الإغراء فأقدمت على سرقة أحد الكتب وأخذته للبيت، كان يجب علي أن أتملكه وأن يكون ملكي». ويستشهد ألبرتو مانغويل بالروائية جامايكا كنكيد التي كان لها سلوك مشابه أيام المكتبة الطفولية، سمي الروائي ألبرتو بالرجل المكتبة مصداقًا لقوله في كتابه الآخر «المكتبة في الليل»: الحقيقة هي أنني لا أتذكر وقتًا لم أكن فيه محاطًا بكتبي، في عمر السابعة أو الثامنة، جمعت في غرفتي إسكندرية صغيرة، نحو مئة كتاب في أحجام مختلفة ومواضيع شتى. وإنه مما صح في السير وما جاء في أحوال العظماء والذين غيروا من حال البشرية أنهم اشتركوا متلازمة هامة وهي الانكباب على القراءة ومرافقة الكتاب. لويس باستر  الكيميائي الفرنسي الذي أنقذ من البشرية ما لا يمكن تصوره بإذن الله من خلال اكتشافه اللقاح وقد كان طفلًا فقيرًا معدمًا وأبوه دباغ جلود، لكنه انكب على قراءة الكتب والمطالعة والسهر على تحصيل العلوم والمعارف، وهو الأمر الذي جعل منه من العباقرة، فالعبقرية ليست في مجملها طبيعة وسجية ولكن من مقوماتها الخارجية القراءة والشغف بها ولن تجد منهم إلا وقد ملأ حياته كتبًا وكتبًا واستأثر بها على غيرها من ملذات الحياة وطيبها.

ولعل الروائي الإنجليزي يعبر على هذه الحقيقة قائلًا «عادة المطالعة هي المتعة الوحيدة التي لا زيف فيها إنها تدوم عندما تتلاشى كل المتع الأخرى»، أعرف أن الكتاب والقراءة موضوع عميق وواسع بحيث لا يمكن الإحاطة الشاملة به في مقال ولكن من المفيد أن نعي أن الذين لا يقرؤون يخسرون الكثير من جودة حياتهم ونباهة أذهانهم وصواب اختياراتهم، وإن المشوار الذي يقضية القارئ النهم في سنة ربما يقضيه من هم دون ذلك في سنين وربما لا يدركون الأمر لا لشيء إلا أن القارئ قد تعلم من سير الكتاب والمؤلفين وما نقلوه عن الأمم ما لم يتعلمه غيرهم، وفي هذه تحدث للقارئ الرفعة والهمة العالية والتسيير في الأحوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد