(1)

في الحياة السياسية التحالفات شيء مهم وضروري وتعطي السياسة زخمًا وحراكًا ينعشها ويقويها، بقدر الحاجة للتحالفات تكون أهميتها، وبحسب أساسها الذي بُنيت عليه تكون قوتها، وبحسب الغاية منها والقوى المنضمة لها تتنوع أشكالها.

من بين عدة عوامل تؤثر في التحالفات وتحدد عمرها يبرز أهمية الأساس الذي بُني عليه أي تحالف وطبيعة القوى المشكلة له، فلا بد للقوى المتحالفة من بعض القواسم المشتركة، وأن يجمعها رابط ما قوي يمثل الأساس أو الأرض الصلبة التي يُقام عليها التحالف (سواء كان هذا الرابط سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو أيديولوجيًّا)، وهناك تحالفات لا تدوم طويلًا (ولأسباب داخلية) إما لأنها لم تبن على أساس قوي، وإما أنها جاءت كاستجابة لموقف سياسي معين لا يتجاوز اللحظة الآنية، وإما أنها تحوي تناقضات سياسية وأيديولوجية لا يظهر تأثيرها في البداية لكنه حتمًا يظهر مع مرور الوقت.

أسباب قيام التحالف تمده بالاستمرارية وطريقة إدارته تمنحه القوة ومكوناته تمنحه التجدد، وقد يكون بعض ما سبق عوامل هدم للتحالف نفسه فيما بعد إذا كانت الأسباب وقتية، وطريقة إدارته لا تتمتع بالديمقراطية الداخلية، ومكوناته متنافرة سياسيًّا، أي أنه تشكل ويحوي أسباب فشله وانفراط عقده.

 

(2)

شكلت استقالة 32 عضوًا من حزب نداء تونس (إثر خلافات داخلية حول طريقة إدارة الحزب) ضربة قوية للحزب وللتحالف الذي نشأ الحزب من رحمه، كان نداء تونس (الحزب) نشأ من تحالف حمل نفس الاسم (حركة نداء تونس) اُعلن عنه في ديسمبر 2012 (كجبهة سياسية لتجميع القوى اليسارية والديموقراطية والليبرالية وشخصيات من نظام زين العابدين بن علي).

استقالة أثارت كثيرًا من التكهنات حول الشكل المستقبلي لحزب نداء تونس ومصير الكتلة البرلمانية للحزب، وبالتالي مصير الحكومة والآثار التي تلحق بالحياة السياسة التونسية بعد هذا التغيير لما يمثله نداء تونس (الفائز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية) من ثقل وتوازن للحياة السياسية التونسية.

استقالة تبرز مجددًا التحالفات ونشأتها ومكوناتها وطريقة إدارتها وعمرها وأسباب نجاحها وأسباب فشلها أيضًا، حيث مَثْل نداء تونس تحالفًا لقوى سياسية انتمت في أغلبها لعهد بن علي (تحركت بعد مقتل معارضين تونسيين وجمعها مطالبة المجلس الوطني ذي الأغلبية النهضاوية بتحديد مدته وسرعة تحديد موعد إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية)، تحالف تحول إلى حزب سياسي وانضم له كل من تخوف على مصالحه من التحول الثوري الديمقراطي بالإضافة للمختلفين أيديولوجيًّا مع الإسلاميين والراغبين في العودة للحكم مجددًا، لذلك ولد نداء تونس كبيرًا، ورغم ذلك فشل (إلى الآن) في الاستمرار على حاله لاختلاف الاتجاهات السياسية لمكوناته ولافتقاده الديمقراطية الداخلية.

يمكننا القول إنه تحالف جميع مكوناته في مواجهة الإسلاميين حيث ضم اليساريين بجوار الليبراليين مع قوى بيروقراطية انتمت لحكومات بن علي وشخصيات عملت في نظامه لسنوات، أي يمكننا أن نصنفه ضمن تحالفات بيروقراطية – برجوازية.

 

(3)

وفي الحالة المصرية نجد التحالفات التي جرت في مصر لا تختلف كثيرًا عن تحالفات تونس، فقد ظهرت جبهة الإنقاذ في نوفمبر 2012 بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي بيومين (تشكلت من أحزاب سياسية ذات أيديولوجيات ليبرالية ويسارية وأحزاب ما قبل ثورة يناير) لا لتكون تحالفًا معارضًا حقيقيًّا بل ضد الإعلان الدستوري  (للدفاع عن الدولة المدنية الديمقراطية والوقوف مع القضاء واتخاذ موقف موحد لرفض الإعلان الدستوري.. بحسب إعلان قادة الجبهة أنفسهم).

تحالف مرحلي نشأ من رحم اللحظة واستجابة لظرف سياسي واحد، كانت مكوناته قد فشلت في تسمية مرشح رئاسي واحد في الانتخابات الرئاسية المصرية مايو 2012 قبل تكونه بأشهر قليلة.

الخلاف داخل الجبهة حول تضارب مواقف أعضائها من المشاركة في استفتاء دستور 2012 (ما بين المقاطعة أو التصويت بلا أو إلغاء التصويت على الاستفتاء)، وحول قيادتها، وحول انضمام الفلول لها، خلاف لم يمنحها القوة الداخلية، وجاء إقرار دستور 2012 لينهي عمليًّا دورها بعد أن انقضى السبب الذي قامت الجبهة من أجله.

تحالف كان من الممكن أن يكون قويًّا لو قام على أساس سياسي- اجتماعي واضح، لكنه أضاع فرصة تاريخية كانت أقرب للتحقق لو وافق التحالف على خوض الانتخابات البرلمانية التي كان من المزمع إجراؤها في ذلك الوقت، فكان بإمكانه اكتساح الإسلاميين (نظرًا لتدني شعبيتهم في الشارع) ولسيطر على الحياة البرلمانية لسنوات، ويمكننا تصنيفه ضمن تحالفات بيروقراطية– مصلحية.

 

(4)

مع تزايد الغضب النخبوي تجاه الرئيس محمد مرسي ظهر تحالف جديد/ قديم تمثل في جبهة الإنقاذ بالإضافة إلى أجهزة الدولة البيروقراطية (جيش- شرطة- قضاء) انضم لهم رجال أعمال ممثلو الرأسمالية مشكلين ما أطلق عليه تحالف 30 يونيو.

كسابقته الجبهة نشأ تحالف 30 يونيو استجابة لظرف سياسي واحد، وجمع أحزابًا ذات أيديولوجيات متباينة والأقباط وتيارًا سلفيًّا وأجهزة أمنية وفلول النظام القديم ورجال أعمال ساهموا في تمويل التحركات وإعلاميين، واختصارًا التقى فيه كل من يؤيد إزاحة الإسلاميين عن الحكم ومن يريد تغيير الأوضاع التي أفرزتها ثورة يناير، أي أنه تحالف أمني- رأسمالي.

فبعد أقل من شهرين على الانقلاب العسكري الذي أزاح الرئيس محمد مرسي لم يستطع التحالف الاستمرار على حاله، فقد شكلت استقالة محمد البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت (الذي عينه الانقلاب) أول ضربة قوية للتحالف، ثم تلا ذلك الخلاف حول استحقاقات خارطة الطريق المعلنة في 3/7 ومطالبة قوى التحالف السياسية بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بدون تأخير بعكس قوى التحالف المتمثلة في قيادات الجيش التي عارضت هذا المطلب لأنها تحتاج وقتًا أكبر لترتيب الأوضاع لصالحها، ورجال أعمال يريدون المقابل لتدعيمهم للتحالف ماليًّا وإعلاميًّا، ما بين هذا كله دار الصراع داخل التحالف الذي انقضى دوره ووجوده عمليًّا بعد إقالة حكومة حازم الببلاوي في فبراير 2014.

 

(5)

القاسم المشترك بين تحالفات المرحلة الانتقالية في مصر وتونس هو إعادة إنتاج تحالفات تقليدية من رحم شبكات الدولة العميقة لتُؤمن الوصول للسلطة أو الاحتفاظ بها، تؤسس للاستقطاب وترسخه، (ومن أجل التجمع ضد الإسلاميين)، ظهرت معتمدة على الظرف السياسي اللحظي، وهي أمور ليست بأساس تبنى عليه تحالفات تستطيع البقاء، فهي تحالفات لم تقم على أساس حقيقي سواء أيديولوجي أو اجتماعي أو سياسي.

فشل نداء تونس لاختلاف التوجهات السياسية بين أعضائه ولعدم استكمال بنائه الداخلي الذي يحدد قيادته ويحدد مسار الحزب ويحل الخلافات المتوقعة.

وفشل 30 يونيو بسب إقصاء القوى المدنية لصالح الجهات الأمنية- السيادية وأتباعها، وبسبب الطبيعة المتناقضة لمكوناته (سلفيين وأقباط – يساريين ورأسماليين – مدنيين وعسكريين) فكان مستحيل أن يستمر.

تحالفات مصلحة ناتجة عن ظرف سياسي آني تفتقد البعد الاجتماعي وتقودها أجهزة الدولة أو برعايتها أو أحزاب ما قبل الثورة ورجال أعمال يخشون على أوضاعهم ونخب سياسية يمنون أنفسهم بالسلطة ويخشون وصول الإسلاميين للحكم، هي في الحقيقة تحالفات هشة لا تستطيع أن تصمد مع التقلبات السياسة، تحالفات تحمل في طياتها أسباب انهيارها أكثر من أسباب استمرارها، لتكونها من كيانات وأفراد مختلفين فكريًّا وأيديولوجيًّا واجتماعيًّا، شكلوا هم بأدائهم معاول هدم أكثر منها بناء.

فشلت لأنها لم تتمكن من صياغة تحالفات اجتماعية تهتم بمتطلبات المجتمع وتراعي مصالحه وحركة التغيير فيه، ولعجزها عن إدارة الاختلاف والخلاف بين مكوناتها لانعدام الديمقراطية الداخلية فيها.

 

(6)

إن استمرار أي تحالف مستقبلي يتطلب عدة أمور أهمها عدم التحالف مع القوى البيروقراطية (وخصوصًا الأمنية والعسكرية) للدولة مهما توددت للسياسيين أو تقربت منهم، فهي أجهزة معنية بإدارة جهاز الدولة وليس حكم الدولة، والتجربة أثبتت أن تلك الأجهزة تعتمد طريقة حرق الأوراق بعد الاستفادة منها.

تبنى سياسات اقتصادية تهتم بالعدالة الاجتماعية وقضايا الفقر والبطالة وإعادة توزيع الثروة، لتوسيع الحائل الاجتماعي للتحالف، الارتباط بقوى سياسية والتحالف على أُطر سياسية تجمع المختلفين فكريًّا وأيديولوجيًّا وفق قواعد لإدارة أي خلاف قد ينشأ وفق اُطر مؤسسية واضحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد