«إذا رأيت الناس تخشى العيب أكثر من الحرام، وتحترم الأصول قبل العقول، وتقدس رجل الدين أكثر من الدين نفسه. فأهلاً بك في الدول العربية».
د.مصطفى محمود

كنا ذات مرة نصلي الفجر جماعة في المسجد في إحدى ليالي رمضان، وكان عدد المصليين يتعدى القدرة الاستيعابية للمسجد الذي كنا نصلي به؛ مما اضطر المصلين إلى الصلاة في ساحة المسجد، وقبل أن يأخذك الخيال فنحن كنا نصلي بزاوية تحتل الدور الأرضي من أحد البيوت وكانت الساحة عبارة عن تقاطع مجموعة من الحارات في المنطقة. بدأت الصلاة ولم يمنعنا صوت الإمام المتحشرج النشاذ المتعطش للعودة للنوم سريعًا قبل أن يفيق، ولا صوت الميكروفون الرديء المتهالك من الخشوع والسكينة، إنه رمضان!!

وفجأة وبدون مقدمات جاء رجل يلهث ليلحق بركب الصالحين -حتى وإن لم يكن منهم- فلم يجد له مكانًا وسط صفوف المصلين، تلفت الرجل يمينًا ويسارًا باحثًا عن مكان إلى أن هداه تفكيره إلى فكرة عبقرية لا تقل عبقرية عن خطة الموظف المسئول عن أعمال صيانة الطريق الدائري في الثانية ظهرًا.

حمل الرجل طفل صغير لا يتعدى سنواته السبع، ساقه حظه السيء أنه كان في طرف أحد الصفوف، وألقي به خارج الصف وأحتل مكانه وبكل أريحية قام من ركعته وصرخ بما فيه من قوة إيمانية «اللهم لك الحمد».

لك أن تتخيل طبعًا نظرات هذا الطفل المتعجبة الممزوجة بالسخط إلى هذا السفيه الذي قطع عليه حبل صلته مع الله لأنه أولى أن يصلي لله صلاة مقبولة عن هذا الصغير الذي يستطيع هذا الرجل أن يقسم لك أنه ذهب إلى صلاته دون وضوء أصلا.

وهنا تكمن المشكلة، لقد تحول الدين إلى تجارة وبالتأكيد ليس تجارة مع الله، كم من مرة سمعت الخطيب في خطبته يحذر من عذاب القبر ويتوعد بالنار وجهنم وبئس المصير ونسي –أو تناسى- أن مهمة الخطيب الأساسية هي التعبير عن الأديان، ومهمة الأديان الأساسية هي الموائمة والمواكبة لكل العصور، فالمجتمع يحتاج إلى من يخبره عن تعاملاته في قضاياه الحياتية عن الذي يخبره بفلان الذي ابيض وجه أربع مرات أكثر عندما توفي لأنه رأى حذاءً مقلوبًا ذات مرة فقام بعدله.

واعتمد الخطباء هذه الأيام على السجية الطبيعية للمصري -المتدين بطبعه- فأصبحت شهرة الخطيب تتناسب طرديًّا مع عدد بكاء المصلين وراءه، وقوته البلاغية تتناسب مع قوة صرخته في وجه المصلين وكأن القيامة ستقوم بمجرد نزوله من على المنبر، فتحول الخطيب من رجل دين إلى رجل مجتمع، يؤجر على خشوعه في صلاة التراويح، يفسر الأحلام على الفضائيات، وإذا كان من ذوي النفوذ، يطلب من مخرج برنامجه تشغيل صدى الصوت عند البدء في الدعاء لأن ذلك يضفي على الأجواء نوعًا من السكينة المحببة للنفس وتلهب حماسة المعجبين.

ولأن رجال الدين مرآة للمجتمع، فلا تستعجب أن ترى من يسأل ذلك الشيخ هل التبول واقفا حلال أم حرام، أو هذا الشيخ الذي ينصح «أختاه» أن تحذر من اللبس الضيق أمام أبيها أو أخيها في البيت، أو عن شيخ الزاوية يوم الجمعة عندما استهل خطبته للمصليين بصوت رخيم أقرب إلي صوت «مورجان فريمان» المحبب للنفس اختاره خصيصًا مناسبًا للموقف للتحذير من الفيسبوك والإنترنت بصفة عامة والمخطط العالمي لتدمير شباب المسلمين الذي سيحرر الأقصى، واختتم خطبته بفتوى تحرم الإنترنت من الأساس.

وعندما أبدى قطاع عريض من الناس وخاصة الشباب استياءهم ممن يطلقون على أنفسهم شيوخ وخطباء، بدأ يظهر على الساحة العديد من شيوخ «التيك أواي» الذين اكتفوا بخلع «العمامة» و«الجبة والقفطان» واستبدلوها بالـ «آيس كاب» و«السويت شيرت» واستبدلوا لقب «شيخ» بلقب «داعية»، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وباستخدام لغة ركيكة وتعابير حنونة، وتأكيدهم أن الله يحبنا و«يطبب علينا» ارتضوا بأنهم كذلك حسنوا الوضع وأظهروا صورة الإسلام الوسطي الجميل.

الإسلام دين عالمي وصالح لكل العصور وهنا تكمن معجزته، فمن يريد أن يحصره حول الثواب والعقاب ونظرية التربص للخطأ، فهو بذلك يحيد عن المسار الإلهي لأصل الدين، ومن يريد أن يحصره في الحنية والطبطبة فهو لا يبتغي إلا مرضاة «الفلوورز» على «الإنستجرام».

وبالتالي أصبح الحديث عن تجديد الخطاب الديني مزحة سخيفة، تزداد ابتذالًا كل يوم، لأنه رغم كل الشواهد، يبقي هناك الكثير من المستفيدين من الحالة المتردية لصوت الخطاب الديني، لأن اللعب على وتر الدين لا يخسر أبدًا مع شعوبنا العربية.

ولمن يستمر في الضحك على نفسه أولًا ثم على الجميع ثانيًا، ويسأل لماذا لا يصل الخطاب الديني للشباب بالذات، فالإجابة واضحة وضوح الشمس، الخطاب الديني لم يصل لأن جزءًا من النص مفقود.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد