يعتقد معظم الناس حول العالم أن نمط عيشنا اليومي هو حتمي لا مناص منه، حيث يزداد هذا التصور تجذرًا كلما تدنى المستوى الثقافي والاقتصادي للمجتمعات، وتفسير هذه العلاقة التناسبية بين المعطيين يبدو جليًا حين نتأمل تلك المقولة شائعة التداول: يجب أن تتحصل على قوت يومك من عرق جبينك؛ ففي بادئ الأمر تبدو محفزًا على الكسب الحلال بيد أنها صارت بفعل التداول الحالي ذات حمولة سلبية جعلت شريحة كبيرة تعتقد أنه لا مرادف لحياة المرء غير التعب واستنزاف طاقته كي يتحصل على دخل يضمن له استمرارية حيوية دون رسم أي أهداف أخرى، وبالتالي صارت مبررًا لكل أشكال الروتين والاضطرابات النفسية الشائعة.

فمن هذه النظرة الاستسلامية بالذات كان منطلق النظام الرأسمالي الذي بزغ نوره منتصف القرن التاسع عشر، أي تزامنًا مع الثورة الصناعية والتي شكلت المنعرج البارز في تاريخ أوروبا ومستعمراتها لاحقًا، بعد القطيعة مع اقتصاد كان قوامه الاستهلاك الفردي المعتمد على فلاحة معيشية إلى نظام تصنيعي ضخم يختزل حياة شريحة مجتمعية واسعة داخل معامل ما فتئت تقتحم نقاوة الطبيعة بغازاتها السامة بعد أن قتلت لتوها مفهوم العيش وعوضته بمبدأ ضمان الوجود. فلأنه كان لزامًا التذكير بالسياق التاريخي كي يعي القارئ أن الاعتبار الحالي للإنسان كوسيلة إنتاج لمضاعفة الأرباح ليست هي الفطرة التي جبل عليها أو الغاية التي خلق من أجلها، بل هو فقط تصور من ابتداع القرنين المنصرفين. فهل ما زال باستطاعتنا فعلًا الهروب من هذا الإيقاع اليومي الرتيب المفروض علينا إلى آفاق أوسع، يكون فيها الفرد هو الفاعل الرئيس والمحدد لنمط الحياة التي يريد عيشها دون أية قيود؟

1- أنهك نفسك ستة أيام متتالية كي تحظى بقسط راحة شكلية يومًا واحدًا، أي حياة تلك نتبع؟

يكفي فقط تتبع شريط حياة شخص ما منذ مولده إلى حين وفاته حتى نقوم بطرح أكثر من سؤال؛ فمنذ نعومة أظفار الطفل يقوم والداه باغتصاب صباه تحت مسمى التمدرس، تمدرس صار ذريعة ليبرمج ذاك الصبي على الاستيقاظ مع السابعة صباحًا متناسين حقه في اللعب واكتشاف محيطه. فحتى مفهوم الوقت الذي كان قديمًا منظمًا لحياة المجتمعات ليقسموا أشغالهم اليومية بين النهار والليل، أصبح متحكمًا في مجرى حياتنا بدءًا من التعلم داخل أسوار المدارس من أجل مزاولة عمل إذا ما حسنت أحواله فسيكون رهينًا بمكتب وزي معين وربطة عنق وذقن مهذب… إلخ. هذا هو النموذج الرأسمالي المسبق التحديد والذي تم فرضه اعتقادًا منا أنه هو السبيل الوحيد للعيش. فلو كان هاجسنا الوحيد هو العيش، فأين يتجلى دور ملكة العقل التي جعلت المرء يسمو عن باقي الكائنات، لأن المتأمل لهذا الأمر سيجد أن مفهوم الحياة هو عاملنا المميز حيث إننا نتشارك مع الحيوان في مفهوم العيش المقتصر على توفير قوت يومي من أجل الأكل والشرب والنوم والتزاوج.

2- عقدة الاثنين:

ففي خضم الصراع اليومي الذي ينطلق باستيقاظ صباحي مبرمج مسبقًا من أجل الالتحاق بمقرات الدراسة أو العمل، فإن العديد من الآباء يلاحظون انتشار متلازمة الرهبة من يوم الاثنين وسط أبنائهم، لأن هذا الأخير ينذر بانقطاع أوقات المرح والتعلم الحر من أجل التقيد بنظام سكولاري يقوم باستغباء التلميذ وتقييد مهاراته الإبداعية، والحديث هنا يحيل على واقع غالبية أنظمتنا التعليمية العربية ذات الجودة المتدنية. أنسي هؤلاء الآباء والأمهات أن كلمة «التعلم» في المعجم لم تشر قط إلى الجلوس فوق مقاعد خشبية (إن توفرت بالأساس) تمنع الطفل حتى من أبسط حقوقه ألا وهي اكتشاف تركيبه الفيسيولوجي واللعب مع أقرانه؛ لذا فإن النظام التعليمي المعاصر يقوم بتنميط الأجيال باتباع مسار ميكانيكي كما الحال بالنسبة للآلات. فإذا ما افترضنا أن أجيرًا مثلًا من الطبقة المتوسطة يحظى بإجازة سنوية مدتها شهر فإنه يستنزف جهده منذ تعليمه الأولي والابتدائي كي ينعم بـ8% من الوقت الحر لتحقيق مشاريعه الشخصية وأحلامنا الدفينة. فهل من طريق تمكننا أن نكسب حياتنا العملية تآنيًا مع تحقيق طموحاتنا الشخصية؟

3- بعيدًا عن أنماط العيش الغاشمة – مقتطفات من قصص أناس غاصوا ضد التيار ليجسدوا حياة الترحال دون قيود:

لقد حاول مخرج الفيلم الأمريكي into the wild الصادر سنة 2007 والمقتبس من كتاب يحمل نفس الاسم لبيوغرافيا شخصية حقيقية الولايات المتحدة طولًا حتى المكسيك قبل بلوغ حلمها في الاستقرار وسط صحاري ألاسكا الثلجية والمترامية الأطراف الممات، أن يبرز عن كثب يمكن لشخص في ريعان شبابه خريج من أعتد الجامعات الأمريكية أن يفضل حياة الترحال والمغامرة عوض الاتباع الأعمى للنمط الرأسمالي الجشع الذي دائمًا ما يربط مفهوم السعادة بالماديات والممتلكات من سيارات وبيوت فاخرة، متناسيًا بذلك الجانب الروحاني والتأملي كما كان حال العديد من الفلاسفة والمفكرين أمثال روسو، داروين، نيتشه، غيفارا، كانط، أرسطو، غاندي، وحتى محمد رسول الله وعدد من الأنبياء، والذين اختاروا جميعًا المشي سبيلًا للتأمل، لأن حياة السفر والتجوال تبدو بعيدة من أن تشكل مصدر ملل لأنها مرتبطة بعنصر لا بداية أو نهاية له؛ ألا وهو الطريق! فالدافع الذي مكن بطل الشريط السينمائي من القطيعة مع مغريات العالم المادي لتحقيق استقرار داخلي وطمأنينة معنوية هو التخلي عن مفهومين مثبطين هما: عدم القدرة على التغيير والمخاطر، والخوف من مخالفة نمط عيش غالبية الناس (أي التخوف من التصنيف ضمن خانة الغرباء غير المرغوب فيهم).

فلكي يتم دحض هذا الطرح وجب علينا التفكير أن مفهوم المخاطرة يرتبط ضمنيًا مع مفهوم التطور فبانعدامه لما تمكنت البشرية من اكتشاف العالم الجديد أو اختراع المصباح مثلًا. أما فيما يخص الرهبة من نظرة المجتمع الدونية، فإنها ليست إلا نتاج عقلية القطيع التي ما فتئ العديد من الشباب المعاصر يفلت من قبضتها، والحديث هنا عن مغامرة الشاب المغربي أنس يقين والذي تمكن من التغلب على الإكراهات المجتمعية ليحقق حلم طفولته المتمثل في أن يكون المهندس الأوحد لنمط حياته بعيدًا عن الخطاطات التقليدية، وكانت أولى خطواته هي رحلة 5 آلاف كم قطع خلالها التراب المغربي من أقصى جنوب إلى شماله بعيدًا عن أي اعتبارات رياضية أم سياسية، لينطلق فيما بعد تحصيل دخله المالي انطلاقًا من الصور والأشرطة الوثائقية التي كانت الشاهد على مغامرته السابقة من نوعها، إضافة إلى الندوات والاستضافات الإعلامية التي ألقاها تحت ما يعرف بطريقة الكسب travlog، مجسدًا بذلك أحد سبل توفير مداخيل مادية كافية انطلاقًا من مصادر شغف الفرد في إطار مشاريع شبابية حرة.

ولأن المستحيل ليس بشريًا، فإن مداعبة أحضان الطبيعة كانت وما زالت خير ملجأ للقطيعة مع نمط العيش الرأسمالي الرتيب والمستبد بحياة الموالين له. فلتبدأ إذن من الآن التخطيط لرحلاتك القادمة والتي قد تصبح يومًا ما واقعًا يوميًا تحياه ومشروعًا تعمل من أجله، لا استثناءً ظل سنوات حبيس العطل الصيفية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد