لا شك أن الوعي الفقهي عامة، والسوري خاصة، ما زال قاصرًا في جوانب عديدة تتعلق بالحضور والريادة وفهم الأزمة الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، والتوقف عن خلط الوعظ بالفقه، وتحنيط الفقه بالاستنساخ الدقيق وترك الاستنتاج العميق.

تتبرقع الوجوه الدينية المعاصرة بخرق ومسوح التقليد، وبنسب متباينة، وإن بدا بعض التحرر في صورها، إلا أن الروح التراثية حاضرة، ليس فقط بمفرداتها، بل بأحكامها وتصوراتها أيضًا، وفي وضوح جلي يخاصم الزمن ويفقد الإسلام زمالته الحياة «ربنا آتنا في الدينا حسنة» وترك المقاصد العليا للقرآن الكريم التي تربط الأحكام بغاية الرحمة، وهذا مخالف لأصول العلم والبحث عن الحق، إذ يقول الإمام ابن تيمية: «وأحق الناس بالحق من علق الأحكام بالمعاني التي علقها بها الشارع» (مجموعة الفتاوى، 22/321).

الارتباط وثيق بين فقه التنزيل والمقاصد ذلك أن المقاصد:

خلفية لتنـزيل الأحكام ابتداء.

ضابط لتسديد التنـزيل اهتداء.

كما أن فقه التنـزيل إحدى أهم السبل لتفعيل مقاصد الشريعة الإسلامية في الواقع المعاش.

إن استحضار الفقه التقليدي لا يعني إجابة صحيحة بالضرورة عن متغيرات الزمن؛ ولذلك يرى الدكتور محمد حبش أن:

«الزمن هو البعد الرابع للأشياء، ولا معنى لأي معطى علمي دون اقترانه بالزمان والمكان، وفي الواقع فإن القرآن الكريم لم يذكر أي جغرافيا خارج مصر والجزيرة العربية، ولم يذكر شيئًا عن الشعوب العالمية من غير نسل إبراهيم، وهذا في الواقع يحدد الأفق الذي تنزل القرآن فيه، لتنذر أم القرى وما حولها، مع أنه جاء رحمة للعالمين، فليس في القرآن الكريم ذكر أوروبا ولا أمريكا ولا الهند ولا الصين، وليس فيه ذكر السلاف، ولا البربر، ولا الآريين، ولا الفايكنج، ولا الكارولنجيين، هذا كله لا يعيبه ولا ينقصه، ولكن يفرض موضوعيًّا علينا نحن أهل القرآن والتوحيد ألا نحمل القرآن ما ليس فيه، وألا نستنطقه بما لم ينطق فيه، وأن نترك أفقًا أكبر للعقل في المسكوت عنه في النص».

وفي مباشرة وتصريح أكبر يقول د. حبش:

لو سألتني ما حكم البوذيين، أو الهندوس، أو الشنتو، أو السيخ، أو الأوموتو، أو الجينية، أو الزرادشتية؟

فالجواب ببساطة:

إنهم غير مذكورين في القرآن، وحكمهم هو الاجتهاد والعقل والنظر والبحث فيما يمكن أن نستفيد منهم أو نتضرر إذا بنينا معهم مصالحنا ورؤيتنا.

بل إن المشهد المسيحي اليوم بكاثوليكه، وأرثوذكسه، وبرتستانته، ليس مذكورًا في القرآن ولا في السنة، وما أخبر عنه القرآن هم قوم غابرون قال عقب الحديث عنهم تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعلمون.

ولو سألتني ما حكم الديمقراطية، والعلمانية، والاشتراكية، والرأسمالية، والشيوعية، والليبرالية؟

فمن التعسف والتكلف أن أجد الجواب في القرآن الكريم، وهي نظم سياسية ولدت في القرون الأخيرة، وإنما السبيل لمعرفة حكمها هو النضال المعرفي، والكفاح الوطني، والتعاون مع الشرفاء والنبلاء للوصول إلى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

باختصار القرآن نور يهدي، وليس قيدًا يأسر.

وهذه أهم المشاكل التي يعيشها الفقه الراهن القائم على تغييب العقل والتوسع في دائرة المحظورات المتكلف فيها، ومع تغييب واضح للمقاصد العليا.

لقد توسع بعض أهل العلم في نقد حصر المقاصد، ومن هؤلاء الإمام ابن تيمية، إذ يقول «وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان أخروية، ودنيوية: جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس، وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء، والأموال، والفروج، والعقول، والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله، وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة، وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك، والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظًا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح.» (مجموعة الفتاوى، 32/234).

«فمن قصر المصالح على العقوبات، التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقد قصر».

يقول الإمام الشاطبي في الموافقات:

«تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام، أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية، فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد، وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين».

هذه المعاني تكاد تكون معدومة في واقعنا الفقهي اليوم، حيث نرى التأرجح والعبثية، وتحول الخطيب إلى فقيه، والفقيه إلى مبرر، والتبرير يكرس الدورة الرديئة للتخلف.

ويبقى الإحساس الأساسي للفقيه الذي يسعى لحفظ كرامة دينه وعقله هو إحساسه بالأهمية القصوى بضرورة تفعيل أصول الفقه من جديد، كي لا يظل الإسلام فكرة حلوة على الورق فقط، ويتجاوزها في الواقع الخلق.

«هناك أكثرية جماهيرية اسمها (الناس)؛ وهناك قطب ضد هؤلاء الناس، هو القطب القابيلي الذي له ثلاثة وجوه: وجه اقتصادي، ووجه سياسي، ووجه ديني، المال والقوة والدّين، ثلاثة مظاهر موجودة في القرآن وتتكرّر دائمًا، وهي موجودة في التوراة أيضًا: أحدها فرعون باعتباره نموذج السلطة، والثاني قارون باعتباره نموذج الثروة والرأسمال الاقتصادي، والثالث بلعم بن باعورا، الروحاني الذي بيده الدين، هؤلاء الثلاثة هم نماذج الطبقة القابيلية». علي شريعتي، الإنسان والإسلام، ص: 62– 63، والإنسان والإسلام لعلي شريعتي ص: 63. ط1 2007 دار الأمير لبنان.

مع أني ممن يؤمن بأن الحل ليس دينيًا، وأن التجديد الديني ليس هو السبيل الأوحد للنهوض بواقع متشابك معقد، بل الحل سياسي ثم تليه المشاريع العلمية، فالناس على دين زعائمها، عندما تكون البلد بلا مؤسسات، والقيادات يفصلون دساتير توضع فيها «الأحكام على قياس كرسي الحكام» و«استثناء الناس وكتم الأنفاس»، وكل تجديد في ظل الاستبداد ينسف ببساطة بل يطوع في ظل العوج السياسي، فالرأس السياسي أولًا، فإذا ما تم العلاج السياسي قويت المؤسسات وتمدد الإصلاح تلقائيًا. إن التدهور العام الذي وقعنا فيه، كان متعدد الأوجه، ولعل الغش الثقافي أحد معالم الرهق العام.

من الملاحظ أن الفقه يعيش غربة زمانية تعادل غربة العلماني المكانية، فالفقيه يصر على ترك الحاضر والارتحال إلى محاكمات الماضي؛ فيعيش غربة فكرية عن زمانه، وكذلك العلماني المتطرف الذي يرفض الواقع، والتراث ومعالم هوية بأكمله ويعيش الغربة عن مكانه.

وبين غربة الزمن واغتراب المكان، تتسع الفجوة أكثر وأكثر، ويقاس مقدار الألم بمبضع الغياب، فكلما غاب الفاعلون اتسع الوجع والألم. وتطور الواقع الذي تجاوز كل أطروحات هذين الصنفين.

من هنا يبرز دور د. محمد حبش، فهو الفقيه والمقرئ والسياسي الإنساني، وهو الإشكالي الأكبر في الخطاب الديني السوري.

التاريخ مصدر أساسي للفقه الشهودي، واكتشاف السنن بوابة للنهوض والارتقاء، التحصين الثقافي والتبصر بالقوانين التي تحكم الحياة والأحياء، وفتح العقل للنص القرآني دون سطوة تاريخية أو رهبة لأحد، هي زبدة رؤية الفقه الإصلاحي للدكتور محمد حبش.

وكذلك تجديد الخطاب الديني يجعل مساره لا يتوقف عند نقد مقولات الفقه التقليدي، بل يتعداه إلى نقد دعوات العلمانية الراهنة، ويرى د. حبش أن الدعوات التغريبية الزمانية الفقهية والمكانية العلمانية جرت الويلات وفشلت في إيقاف الانحسار الحضاري.

تتميز آلية التفكير الفقهية التي يتحرك من خلالها د. حبش بالسمات الآتية:

1- إعمال العقل في مصادر التشريع فريضة مغيبة ويسيطر العقل الروائي أكثر من الدراية والتدقيق

ولذلك يصرح د. حبش بأن «العقل هو أبرز مصادر الشريعة، ومن المؤسف أن المعتزلة هم من قال بذلك، وأننا نخاف من التصريح بهذا، ولكن المصادر التشريعية التي ابتكرها الفقهاء المحترمون في التاريخ الإسلامي هي في الواقع دلالة العقل المنظمة، ومنها الاستحسان عند الحنفية، والاستصلاح عند المالكية، والاستصحاب عند الشافعية، والعرف عند الحنابلة والحنفية، فهذه المصادر الأربعة التي التزمها الفقهاء على تفاوت بينهم هي في قوانين العقل الاستنباطي، خلال التاريخ الإسلامي الطويل، وبها حكمت الدولة الأموية، والعباسية، والأيوبية، والزنكية، والسلجوقية، والمملوكية، وكل الدول الحقيقية التي قامت في التاريخ الإسلامي والتزمت واحدًا من هذه المذاهب المحترمة، وكلهم عدوها مصادر حقيقية للشريعة، قبل أن يستيقظ العقل السلفي مؤخرًا ويعلن رفض المصادر كلها إلا الكتاب والسنة، في تراجع خطير إلى الشعار القديم الذي رفعته الخوارج لا حكم إلا لله، وهو شعار عده الخلفاء الراشدون ضد العقل وضد الاجتهاد وضد المصادر الشرعية الأخرى.

2- تحقيق المقاصد العليا للقرآن

يرى الدكتور حبش أن المقاصد العليا للقرآن هي المقاصد العليا للإنسانية، وهي لا تحتاج لمصنفات ولا كتب شارحة، هي الفطرة التي فطر الناس عليها، وهي القيم التي كان يعرفها الأعرابي حين يجالس النبي ساعة من زمان ويعلن إسلامه ويتحول إلى قومه مبشرًا وداعيًا، إنها ليست أشياء تعلمها، ولا هي نصوص تقرأها، ولا تفاسير، ولا شروح، إنها ببساطة القيم المغروسة في الإنسان، والتي تحتاج فقط للإرادة والعزيمة حتى يعلن المرء التزامها والعمل بها.

مات الرسول وليس للمسلمين فكرة عن مصحف مكتوب ينسخ العقل ويفرض الحقائق من الغيب، ويميز لهم الخير من الشر، وحين اقترح عمر بن الخطاب جمع القرآن اعترض أبو بكر غاية الاعتراض، وعد ذلك ترفًا لا مبرر له، فلم يرد أي أمر عن الرسول بهذا الشأن، وفي النهاية جرى الاتفاق على جمع الوثائق لأسباب معرفية وتراثية بحتة، ولم تخرج الوثائق من حجرة حفصة بنت عمر إلى منتصف عهد عثمان.

هل كانت الأمة خلال ذلك بدون قيم ولا مبادئ؟ أم أن الناس كلهم كانوا يحفظون القرآن من الجلدة إلى الجلدة ولا حاجة للتدوين؟ يروي البخاري في الصحيح أن الذين حفظوا القرآن كله على عهد النبي الكريم هم فقط أربعة أشخاص، كلهم من الخزرج، وهم زيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب، وأبو زيد، والأخير ليس له ترجمة، والأربعة ليسوا هم الخلفاء، ولا قادة الفتوح، ولا أمراء السرايا، ولا المستشارين الكبار، إنهم الخبراء الوثائقيون الذين يديرون في العادة المكتبة الوطنية في جو أبعد ما يكون عن السياسة والإدارة والحرب.

إن المقاصد العليا للقرآن ليست أسرارًا بوهيمية، ولا عجائب متخيلة، إنها القيم ذاتها الذي ما زال الإنسان يناضل من أجلها بفطرته ونقائه وصفائه، هي التوحيد، والعدل، والمساواة، والرحمة، والعفاف، والسلام، والفضيلة، والخير، والرذائل هي بالضبط ما يناضل الإنسان لمواجهته منذ فجر التاريخ، وهي الشر، والمكر، والغدر، والخيانة، والشرقة، والفحشاء، وهي بالضبط وفق التعبير القرآني ما أوحي إليك وإلى الرسل من قبلك، وهي مقاصد التوراة والإنجيل وشريعة حمورابي وتشريعات جوستنيان، وما قال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، وهي صحف إبراهيم وصحف موسى «ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك».

كيف تُحدد الفضائل والرذائل؟ وما القيم وما الكبائر، إن أي لجنة من الحقوقيين الخبراء تجتمع في مكة، أو نيوزيلاندا، أو مونتريال، أو كلكتا، ستصل إلى نتائج متقاربة.

ويستشهد الدكتور حبش بتجربة مهمة تتصل بذلك في عام 2014، إذ يقول:

«دعيت إلى فيينا عبر منظمة الإنترفاكشن، التي تضم رؤساء العالم السابقين، وطلب إلي أن أشارك في لجنة تضم خبراء من رجال الأديان الخمسة في العالم، الإسلام، والمسيحية، واليهودية، والبوذية، والهندوكية، وخبراء حقوقيين لوضع ميثاق عالمي للقيم لعرضه على الأمم المتحدة، وبالفعل جلسنا مطولًا وتحاورنا وفي النهاية توصلنا إلى اتفاق على الفضائل العليا للبشرية يمكن الاستدلال لها من القرآن، والإنجيل، والتوراة، والمهابهاراتا، والفيدا، وإعلان حقوق الإنسان، ولم نختلف إلا في البنود السياسية، وعلى رأسها: بند تناقض الفيتو مع القيم الإنسانية، وحق الإنسان في التمرد على الحرب الظالمة، وهي في الواقع قيم سياسية لم يكن من الحكمة إدراجها في سعي نبيل كهذا.

إن تكليف أي لجنة من فقهاء الشريعة الكبار، وحقوقيين، وتربويين أكاديميين لوضع القيم الأخلاقية العليا، سيحقق نتائج متشابهة، سواء كانت هذه اللجنة برئاسة مكة، أو ماليزيا، أو تركيا، او إندونسيا، أو جزر القمر.

ستقول: ولكن الغرب سيضع الإباحية الجنسية في الفضائل!

والصواب أن هذا وهم، ولدى حكماء الغرب وعقلائه ورجال دينه من النضال في سبيل العفاف ومحاربة الإدمان مثل ما لدينا وأكثر، والفضائح الجنسية تسوق الحكام والنبلاء والمشاهير في الغرب إلى السجون، والمجتمع الغربي يخوض نضالًا ضاريًا ضد شركات الفحشاء عبر منظمات الأسرة والدين والمجتمع والطفولة، ولا زالت الدول التي خضعت لابتزاز شركات الفحشاء قليلة ومحدودة، والذين يشرعنون هذه الممارسات الرذيلة هم في الغالب لا ينكرون خطرها ولا بشاعتها، ولكنهم يرون أن من واجب القانون أن يتدخل لتقليل أخطارها ومساعدة المتورطين فيها على العودة إلى الرشاد.

إن الوصول إلى الفضائل عبر القرآن الكريم هو أمر علمي تمامًا، ولكن لا يجوز أن نفترض تناقضه مع القيم العليا التي يصل إليها أحرار العالم وشرفاؤه، وقناعتي أن البحث العلمي الحقوقي الاجتماعي سيجد تطابقًا بين القيم التي ينادي بها القرآن وبين روح الدساتير التي يحتكم إليها العالم المتحضر، وافتراض التناقض بين هذه القيم هو حاجة دوغمائية ديماغوجية أكثر مما هو مطلب إبستمولوجي».

3- استحضار اللغة الأصولية الفقهية في المعالجة والاشتباك مع المدرسة السلفية

يقول د. حبش:

الحقيقة أن الأمة الإسلامية بوعيها الحضاري لم تتعامل مع القرآن على أنه صنمٌ يعبد، ولم تمضِ إلى إطلاقاته بالطريقة التي يتعامل بها التيار السلفي اليوم، بل كانت واضحة في بناء الحياة وتشريع القوانين على أساس من مصلحة الناس، بغض النطر عن السياق الذي ورد فيه ظاهر النص، كتابًا أو سُنة، ولا يوجد مذهب إسلامي من المذاهب المعتبرة إلا وله مشكلة مع عشرات النصوص في الكتاب والسنة، ولكنه يتعامل معها بواحد من هذه المسالك الخمسة.

وأبرز المسالك التي سلكها الفقهاء المسلمون عبر التاريخ، لوقف إعمال ظاهر النصوص بشكل أساسي، هي خمسة: باب النسخ، وباب المجاز، وباب التخصيص، وباب التقييد، وباب التشابه. ومن أهم الملامح الفقهية في التجديد عند الدكتور حبش.

4- التفرقة بين قال الله وقال الشارح الفقيه

تؤكد دراسات وبحوث الدكتور محمد حبش أن القرآن الكريم مصدره الوحي، وهو في ضمير الأمة الإسلامية كتاب معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا لا يعني أنه لا يخالف العقل والواقع، فالحياة متغيرة، ومتبدلة، ومتطورة، وقد عرض للقرآن النسخ 20 مرة في حياة الرسول نفسه، وبعد رحيل الرسول وضع الفقهاء خمسة أساليب لتطوير مقاصد النص القرآني وتأويلها، وهي باب الحقيقة والمجاز، وباب تخصيص العام، وباب تقييد المطلق، وباب القول بالمتشابه، إضافة إلى باب النسخ الذي كان مفتوحًا خلال فترة النبوة.

مع توفر هذه الوسائل الخمس، لم يجد الفقهاء المسلمون أي حاجة خلال التاريخ لرد أي آية، ولا توجد اليوم أي حاجة لهذا، ومن الممكن أن يستمر القرآن مقدسًا يتعبد الناس بتلاوته في أعلى درج الاحترام والتكريم، وفيه المنسوخ، والمجاز، والمخصوص، والمقيد، والمتشابه.

ولكن هذه الحالة من القداسة للقرآن ليست من حق الفقيه، ومن المنطقي أن نقبل قول فلان ونرد قول فلان، ولسنا ملزمين أن نتأول لهم كما صنعنا في القرآن والسنة الصحيحة، فإنما نتأول للمعصوم، ولا نتأول لغيره، وهذا هو بالضبط الفرق بين قال الله وقال الفقيه.

لطالما كان التحدي الأساسي في تعريف الإسلام في الزمن الراهن يتمثل في إيجاد حلول لمشاكل متعددة منها: عدم مقدرة المسلمين على استعادة الاجتهاد والخروج من شرنقة التقليد، الذي أفضى بنا إلى ما نراه اليوم، ومما لا شك فيه، أن الانحياز إلى تصور ورأي علمي ضرورة أخلاقية إذا بني على وعي متكامل، وتجرد، والتزام بالبحث العلمي، وهذا هو خلاصة جهد الدكتور حبش.

لا بد من القول إن د. محمد حبش يشكل وعيًا متقدمًا ونوعيًا على كثيرين من العاملين في المجال المعرفي الإسلامي، ويحظى د. حبش بلغة أصولية مرنة وملحوظة، وتغيب عن كثيرين من العاملين في المجال الإسلامي، وتجعله في مواجهة بين مؤمن يحسده، ومخالف يبغضه، بعد أن تحرر من الفقه المأسور، ودعا إلى الوعي المأثور المعقلن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الفتوحات المكية
الموافقات في أصول الشريعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد