في كل مرة أخوض حوار حول «فَرض ديني»، سواء عبرت عن ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو تعبيرًا وجاهيًّا في لقاء مباشر، أجد أن الحوار ينتهي بمساومتي على علاقاتي مع زملائي، نعم في كل مرة يقطع أحدهم علاقته معي لمجرد إبدائي وجهة نظري الدينية في أمر ما، هذا يحدث بالرغم من تقبلي لآرائهم التي تشكل استفزازًا كبيرًا لكل فرد يتبع الدين الحنيف، لقد تكرر هذا النوع من المساومة معي في عدة مواقف كانت أغلبها عند النقاش حول عملية اغتيال فردية أو جماعية تنفذها جماعة إسلامية، كالتي نُفذت في حق الإعلامي الأردني ناهض الحتر.

لأتمكن من فهم ردة فعل زملائي الحادة تجاهي، عدت بالزمن أكثر من عشرة أعوام لأقف عند تلك الحصص المدرسية والندوات التي أُقيمت في كافة أنحاء العالم الإسلامي، حين تعرض رسولنا (عليه الصلاة والسلام) للإساءة عبر رسوم كاريكاتيرية، كانت الحملة تطالب باعتذار من الدنمارك، المسؤولون الدنماركيون بدورهم رفضوا الاعتذار؛ بل استهجنوا المطالبة به بحجة أن الرسومات لم تتجاوز حدود حرية الرأي والتعبير، مع ذات الوقت تمنع قوانين الغرب تناول موضوع محرقة اليهود النازية إلا بالطريقة التي تعجب بني إسرائيل، وأكبر مثال على ذلك المؤرخ البريطاني «ديفد إيرفينغ» الذي سُجِن ٣ سنوات لمجرد تشكيكه في مجريات المحرقة.

ثم توالت الأحداث وسطع نجم عدة صحف ورسامي كاريكاتير يختصون في الإساءة للرموز الدينية بمختلف أشكالها، إلى أن وصل الحال إلى فيلم أمريكي يجسد الرسول وصحابته بأبشع الصور وأعنفها، عدنا حينها لنشهد حملة مماثلة للأولى، ولكن هذه المرة كانت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر قوةً ورواجًا بين الناس، فكان للحملة صيت أكبر وأوسع، وتعرض الفيلم لهجوم عنيف أكد للجميع أن الإسلام ما زال كامنًا في نفوس المسلمين، بالرغم من بعدهم عنه، فتم إيقاف الحملة بأسلوب يعتمد على تكميم الأفواه ولكن بطريقة احتيالية، حيث أُقنِع رواد الحملة بأن استمرارهم في نقد الفيلم يزيد من شهرته، وبالتالي ترتفع مشاهداته ويسهمون بذلك في نجاحه بدلًا من إهماله، وجعله ذا تأثير منعدم على الجمهور، وهنا وجب السؤال؛ إذا كانت حملة تهاجم عمل فني (كما يقول صانعوه) تؤدي الى رفع شأنه، فلماذا وُجِد علم النقد منذ قديم الأزل؟

وفي مطلع عام 2015، اهتزت أركان باريس بعملية شارلي إيبدو التي خلفت هي واليومان التاليان لها 20 قتيلًا، وأتت على إثرها الحملة الاعلامية الأكبر، منذ التي أُطلقت عقب عملية برجي التجارة العالميين، كانت الحملة باتجاهها العام توجه النقد اللاذع لمنفذي العملية، ومن سلحهم ودربهم وخطط لهم، وتجرأ القليل من أصحاب الفكر الإسلامي على مؤازرة العملية ومباركتها، سريعا اتُّهِم هؤلاء بالتجرد من الإنسانية، ومعاداة الحريات، واضطهاد الصحفيين، في حين ذهب البعض لاعتبارهم نماذج تشوه صورة الإسلام في الغرب، بل إن مذيعًا عربيًّا شهيرًا قطع الاتصال مع شيخ يحاول شرح السبب في ردة الفعل العنيفة تجاه صحيفة شارلي إيبدو، واستضاف شيخًا آخر يدين العملية ويندد بها، ويصف من فرح بها بالخروج من الملة الإسلامية.

بعد انتهائي من التنقيب في تاريخ الأحداث المشابهة لما حدث في الأردن عند اغتيال الحتر، وجدتُ أن الطرق القمعية الوحشية التي استخدمت في القرن الماضي تجاه الإسلاميين لم تتمكن من إيقافهم أو تجريدهم من معتقداتهم، ولم تنجح في التقليل من شعبيتهم في الدول الإسلامية؛ بل أثارت تعاطف الناس معهم، وزادت من خطورتهم على الأنظمة الحاكمة، أما على الصعيد الغربي، فقد أدى الإهمال والتجاهل والاستخفاف بالمسلمين إلى إيمانهم بأن هذه الدول لن تستجيب لهم، ولن تراعي مشاعرهم الدينية حتى تتعرض لضربات مؤلمة ردًّا على كل تجاوز يُرتكَب تحت غطاء حرية الرأي.

أدركت الدولة الغربية والأنظمة العربية الخطأ الفادح الذي ارتكبوه سويًا، خطأ فكري ومنهجي أدى لاعتلاء الإسلاميين مقاعد الحكم في عدة دول، ثم تطور الأمر لتوسع دائرة العنف فتطال العمق الغربي وتُدميه، بعد أن كان الإسلاميون يكتفون بالمطالبة باعتذار رسمي، أو بحملة على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن ندم حكام العرب والغرب على أخطائهم يظهر دون أي شك في تجمعهم في «مسيرة الجمهورية» حين وصلوا الأيادي ببعضها، وتكاتفوا على رأس المسيرة التي جابت شوارع العاصمة الفرنسية عقب عملية إيبدو.

فظهر ذلك الأسلوب القمعي العصري الجديد، استند هذا الأسلوب على إطلاق ألسنة اليساريين ودعاة التحرر الفكري، وكل من يعارضون الفكر الإسلامي ممن لا ثقل لهم في صندوق الانتخابات، يطلقون ألسنتهم في كل الاتجاهات وفي كل ميادين الحوار، يجهرون بآرائهم ويصدحون بكل ما يجول في خواطرهم، والذي بطبيعة الحال سيكون معارضًا للإسلامين، ينجذب الطرف الآخر للحوار وتبادل الآراء، هنا يحصل القمع الناعم، يُتَّهمُ الإسلامي بتنصيب نفسه بدلًا من الخالق، ثم يُنعت بالمتحجر المتخلف المتزمت، لا يكاد يدافع عن نفسه من التهم السابقة حتى تأتيه موجة انتقادات ضوضائية توهمه بأنه يقول ما لا يعجب معظم الناس، لا يبرأ من كل هذا حتى تأتيه صفة معاداة الإنسانية، وينتهي النقاش بنفور من حوله منه، وإيهامه بالنبذ الاجتماعي وتشويه السمعة بالرغم من أن مؤيديه يبلغون أضعاف من أكالوا له هذه التهم، لكنهم لا يجرؤون على التصريح بهذا الرأي، حيث يظن كل منهم أنه وحيد في مواجهة هذا الكم الهائل من الاتهامات القاسية التي من شأنها القضاء على سمعة الفرد، وتدمير مستقبله المهني، خاصةً إن كان من الفئة الجامعية التي تشكل الحقل الأخصب لمثل هذه النقاشات، حتى وصل الأمر بالبعض لحث الدعاة على امتلاك نصف ما تمتلك الفتيات المتبرجات من جرأة في الدفاع عن معتقداتهن.

إن هذه التطورات الفكرية السريعة التي طرأت على المعسكرين الإسلامي، والتحرري، ورغبة الأخير بقمع خصمه وتجريده من أدنى حقوقه الفكرية، أدت إلى احتقان فكري شديد لدى الشبان الإسلاميين، واعتقادهم أن الحل لن يكون إلا بالقضاء تمامًا ونهائيًّا على الطرف الآخر، فوصلنا إلى مقتل ناهض.

سيعود البعض لمؤازرة الحادثة ومباركتها، وسيقابلهم الطرف الآخر بسيل من الاتهامات والترهيب الفكري، ليعود الاحتقان من جديد، ويعود الاستفزاز الذي تتبعه العملية تلو العملية حتى يقتنع كل دعاة الحرية والتعبير بأن ما يدعون إليه ليس إلا تعزيزًا للأحقاد، وتأجيجًا للصراعات الدامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شارلي
عرض التعليقات
تحميل المزيد