مساء الخير، حتی لو أنك تقرأ هذا المقال في الرابعة فجرًا، اعذرني لن أكتب لك مقدمة جميلة تجعلك تقرأ كل ما كتبت، ولكني أحب الكتابة، وبما أنك تحب القراءة فأهلًا بك.

في مجتمعات مظلمة، في دول القمع والمنع، هنا في العالم الثالث تغدو الحرية أمنية لا تتحقق؛ لأنك مِلك النظام الحاكم.

الأسرة التي تنشأ فيها، المدرسة التي تُعلمك، الجامعة التي تُحملّك مؤهلك الدراسي، الكنيسة/ الجامع الذي تنتمي إليه، الشركة/ المحل أو أي مكان تعمل فيه، كل تلك الأشياء تُحدد لك أنظمة لا تقتصر علی كفاءتك أو قدرتك علی البقاء فيها، بل لأنه يجب أن يكون النظام خانقًا ومُضيقًا كي يضمن خضوع العامة وانسيقاهم دون ثورة أو فوضی.

الفن

بالنسبة لي خُلق الفن فوق كل شيء، لأنه خُلق من أجل الإنسان، ومن الإنسان، لذلك في تعريفي الفن يمكن أن أقول: «إن الفن خُلق لمواساة الإنسان في مأساة الحياة، كي يجعل الحياة أقل وطأة، حتی لو خلق الفن من لا يعرفون هذا».

وللتقصير من مقالي الممل، أتحدث عن الأزمة الحالية بين جيل «الكلاسيكيات» وجيل «المهرجانات».

تلك الأزمة التي وجدت نفسي داخلها منذ وعيي علی الفن، فبين التجديد والتراث الفني حروب طويلة لم تنته، ولن تنتهي حتی إذا انتهينا، وإذا كنا «سنحارب» المهرجانات من أجل ما تربينا عليه، فمن الأفضل أن نعرف لماذا نحارب، ولماذا يجب علينا خوض الحرب.

كتابة أم موسيقى!

هل الأزمة في كل من لا يستهويه سماع المهرجان بسبب نظام تعبئة المزيكا من الكمبيوتر مما يجعلها تبدو مزعجة؟ أم المشكلة في «الكلمات» السيئة التي تلوث الذوق العام؟

أعتقد لو أن الأزمة في الموسيقى فهناك ملايين المستمعين للمهرجان في كل مكان، تعجبهم الموسيقى حتی لو كانت «خبط ورزع»، كما يحب المحافظون القول، فهنا يمكننا القول إن الموسيقی ليست أساس الأزمة، أما بالنسبة للكلمات فمنذ رحيل أم كلثوم تقريبًا وهناك صخب وصراع وثورة علی كل من يكتبون الأغاني لأنها مُخلة بالآداب العامة وتقود الذوق العام للانهيار، والأمثلة عديدة للغاية بداية من عبد الحليم حافظ مثلًا؛ ثم عدوية، مرورًا بشعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة قامات الأغنية الشعبية والأدب الشعبي، كما يجري ذكرهما حاليًا، حتی الأزمة الحالية بين شاكوش وبيكا وغيرهم، فإذا كان الشطب والنبذ من نقابة المهن الموسيقية المصرية هو الحل فلماذا لم تنته الأزمة منذ الثمانينيات؟

ولو كان الحل هو صياح أي أحد في لقاءات التلفاز في وجه أحد مغنيي المهرجانات وسبّه وتوبيخه لأنه يقول «أشرب خمور وحشيش»، جملة حسن شاكوش، أو «رب الكون ميسنا بميسة»، جملة حمو بيكا، فإن سبّ أولئك لا يُجدي لأنهم يرون هذا ضمن قاعدة «القافلة تسير والكلاب تعوي»!

إذًا ما الحل؟

الحل منذ البداية في ثقافة الناس، الحل من تعريف ماهية الذوق العام، وتعريف خدش الحياء، فحينما يملأ السب والقذف الشوارع ومواقع التواصل الاجتماعي فلا توجد مشكلة في ترديد أي شخص كلمات بذيئة علی صوت موسيقى صُنعت بواسطة جهاز كمبيوتر، لأنك لن تمنع الناس من سماع هذا إلا إذا توقفوا عن هذا برغبتهم، حينما يدركون أن تلك الكلمات لا تناسب ذوقهم هم، ليس ذوق النقابة، يمكنك حل الأمر ببساطة حينما تكون حفلة «استاد القاهرة الدولي» تضم شخصًا يقول كلمات عامة جيدة، يمكن لثمانين ألف قبولها، لا التأفأف من ثقلها، يمكن حل الأزمة حينما تكف عن سبّ ونبذ أولئك لمجرد أن أرباحهم تتخطی الملايين من مشاهدات المهرجانات، حينما يُنقد الأمر بموضوعية دون تنظير، ودون إبراز قوتك وإمكانياتك في منع هذا ومدح هذا لأسباب غير فنية، أما الفن فهو ما يعيش طويلًا، دون صياح صاحبه أو جمهوره، الفن الحقيقي لا تُجدي معه سُبل المنع والإخفاء القسري، وإذا حدث هذا فتأكد أن هذا ليس فنًّا، وأنك أيضًا لم تفلح في الحفاظ علی الذوق العام، بل فلحت في تكميم أفواه وكسر أقلام من يزعجك «أنت» فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد