في الإسلام ما يمنح الكون رصيدًا كافيًا لينعم بالتسامح والمحبة، وفيه من النظم والشرائع ما تضمن سلامة الأمة على كافة المستويات، وفي كل المقتضيات الملّحة بدءًا بالمجتمع، ووصولًا إلى هرم السلطة العليا، ومن بيده سلطة التنفيذ النهائية.

دون مرور بتلك الأنظمة السلسة والعمل على تطبيقها بحسب التحديثات المتطلبة زمنيًّا ومكانيًّا، فإننا سنظل على مدى ليس بالقصير عرضة للانهزامية، والتخلّف الناتجين عن الإفرازات التي يولّدها الابتعاد غير المبرر عن تلك القواعد الإسلامية السامية، والصالحة لكل زمان ومكان، مع الأخذ في الاعتبار بالاجتهاد، والقياس؛ لإضفاء المنطقية التغييرية المقتضاة محيطًا وواقعًا.

أعلى الإسلام من شأن التعايش السلمي كمبدأ راسخ للازدهار، والتقدّم، والانفتاح على المتغيرات المستمرة، فكانت وثيقة المدينة مثالًا راسخًا للتوجه الأسمى المُتبنى كنهًا من الرسالة السماوية الخالدة، حيث ضمنت الوثيقة التشريعية لليهود حق العيش تحت سماء الوطن الواحد غير مكرهي العقيدة، في ظل قواسم مشتركة لا يُظلم في سياقها أحد، ضامنة الانتماء الواحد، والحقوق العامة المشتركة.

وكذا على مدى التسلسل الزمني للفتوحات التوسعية الإسلامية، فهناك شواهد لا غبار عليها أكدت الحقيقة الإسلامية الصرفة التي لا تستسلم للكراهية أبدًا، وتتيح مبدأ التعايش السلمي ضمن القواسم المشتركة إنسانيًّا ووطنيًّا، حتى وصل بالبعض أن يقولوا إنهم سيبنون بجوار كل مسجد كنيسة لتعميق روابط الأخوة الإنسانية الأوثق، وشرعنة لحرية الاعتقاد والتدين؛ حيث لا إكراه ولا كراهية.

أمّا اليوم، فقد سادت المفاهيم المغلوطة، وتصدّرت الخروقات الضيقة واقعنا؛ ففرضت أطرًا سلبية معنونة التمرّد الفطري، والمشاريع السلطوية المستَزِلّة، ومحيكةً صيغ الكراهية بأساليب شتى لا تنتمي سوى للأفكار التطرفية القائمة على الإقصاء، وإنهاء الطرف الآخر لا لشيء سوى أنه يساهم وجوديًّا في تكوين الحياة بأسلوبه الخاص، في سياق الأطر العامّة، والعوامل المتصلة بالكيان المُنتمى إليه.

نحن بحاجة للتعايش التنافسي المُدرج ضمن التعايش الحقيقي السلمي، وهو منهجية واقعية لصنع ثقافة الرقي وترجمتها على الأرض من أجل الإنسان، والمجتمع، والوطن، وكل العالم. كما أنه يأتي في سياق ضمني مستلهم من الطبائع الفطرية التكوينية للإنسان والشرائع السماوية المنظّمة لتلك الطبائع والموجهة لها، وذلك كله تتويجًا لعنصر الخلافة الإنسانية على الأرض ذات المهمّة السامية، التعمير لا التدمير، والبناء لا الهدم، والتكوين لا التهوين، والإنهاء، وذلك كله يتأتى متى ما كان إيماننا في حق الآخر ودوره في الحياة مكتملًا، بحسب الرؤية الدينية، والفرضية الكونية التي تحاكي ذلك في كل خلجاتها المتعددة والمتنوعة.

أما فيما يتعلّق بمستجدات المنطقة اليوم، فإننا نعيش حالة تصادم مثيرة، عنوانها التعايش الصفري الهادف إلى إنهاء الآخر، والقائم على محوه من الوجود، حيث لا حياة إلا للأنا، وتلك الأنا تمثل فكرًا متطرفًا، طائفةً انتهازية تنتهج الغلو مبدأ للاستمرار، جماعة انسلخت عن القيم العليا كونيًّا ودينيًّا، وباتت تُسلّم لقانون ما أريكم إلا ما أرى، وفي ذلك تمردٌ على ما يقتضيه الناموس الإلهي، وما حملته السنة والسيرة النبوية، وما نهجه الخلفاء والدول الإسلامية تباعًا.

لا مجال لشرعنة الكراهية وبث سمومها المقيتة المفنية على حساب التعايش ومنهجيته الواضحة التي تعتمد التكوين الذاتي للإنسان، وصولًا إلى مرحلة الكمال المرجوة لتحقيق كل ما من شأنه بث روح السعادة والمحبة وقبول الآخر، وإرساء مدامك التعاون والرقي؛ لبناء مجتمعاتنا ودولنا وأمتنا.

علينا أن نحدد فعليًّا موقفنا من تراجيديا اليوم الآخذة في التمادي من خلال تبني فكرة الكراهية، ومحاولة إرسائها في كل ما تقوم به، وأن نجيب بكل جدية، ووضوح عن «أين نحن» من ذلك، وهل علينا النأي بأنفسنا عن مبدأ التعايش؛ لفسح المجال أمام عناوين التقويض الأخرى، أم من أقدس الواجبات أن نبحث عن عواملنا المشتركة لننطلق من خلالها نحو صناعة ذواتنا، حتى نحقق المأمول على المستوى العام؟

ودون أدنى شك، ما كانت هذه الدماء لتراق لولا اعتماد الكراهية، ونشر التفرقة تحت مسميات متنوعة ظاهرها تبني أفكار المظلومية، ومحاولة الثأر لها، وجوهرها طمس هويتنا، وتحوير معالمنا تحت تلك الذرائع الواهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. الارتقاء بتفكيرنا هو سبيل مثالي للخروج من هذه المآزق المنثنية، والعودة الكاملة للتجارب الإسلامية الشاهدة سبيل أنجع لتحقيق ما عجز عنه الآخرون اليوم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد