يناير معجزة.. بكل المقاييس. وكاذب كل من ادعى إلمامًا بخيوط حبكتها وكاذب كل من هيأت له نفسه أنه كان يراها أو يتوقعها.

فيناير بعبقريتها كانت عصية على كل التحليلات والتوقعات. كانت رسالة مفعمة بالأمل والشباب والنضارة بعد أن شاخ العالم وامتلأ قبحًا. كانت صرخة قوية بأن الشعوب قد تتفوق في لحظة ملهمة على تحليلات الساسة وغرور أهل السلطة.

ولأنها استعصت وتمردت على تحليلاتهم وغرورهم وتقاريرهم، فهي ما زالت معجزة لا يجدون أمامها إلا الصراخ بتكرار أنماط حديثهم العقيم عن المؤامرات الكونية وتصوراتهم الطفولية عن ملائكية الدولة في مواجهة شياطين المؤامرة.

ذلك الطوفان الملهم الذي علمنا كل شيء؛ الشغف والإنسانية والحب والحزن، ثم علمنا أن ذلك الفيض يأتي لمن يستحقه وينسحب عمن يتردد أو يؤثر السلامة أو يتعايش كنصف إنسان بنصف مبادئ ونصف حياة وبمساومات رخيصة على أشياء لا تشترى.

“السياسة هي فن الممكن”.

هكذا قالوا لنا، وقالت يناير لهم أن الثورة هي فن الأمل، فن المستحيل أو بالأدق فن تمكين المستحيل، صناعة الأمل كمرحلة تأسيسية لتعاطي سياسة الغد مع مستحيل الأمس بعد أن جعلته الثورة ممكنًا.

لذا فالكلام عن أن مثالية الثورة هي سبب هزيمتها – إن افترضنا هزيمة يناير – هو كلام غير دقيق؛ ذلك أن مثالية هذه المعجزة الفتية الحالمة هي التي جعلت المستحيل ممكنًا فلو كان شباب الثورة قاموا بحسابات سياسية برجماتية وفقًا لمعطيات الأرض لما ثار أحد ولا كانت قد تزلزلت أقدام أهل السلطة دون استقرار إلى يومنا هذا.

وعلى صعيد آخر، لا يجوز الخلط بين مثالية الحلم وتخبط أصحابه بتعددهم. فهذه مغالطة مغرضة بهدف مصادرة الحلم بدعوى تجنب التخبط في التجربة، وكأن السلطة تملك بديلا أفضل عن التطور الطبيعي تقفز به إلى النتائج دون المرور بمراحل التطور الطبيعية من تجربة وخطأ وتعلم. قد نقول أن الحراك الثوري الشاب قد أخطأ حين لم يقرأ الواقع السياسي ويلتحم بسرعة مع قطاعات أوسع ليمارس اللعبة السياسية مع الوجوه القديمة الفاسدة من فلول/إخوان، ولكن ذلك القول وإن كان صحيحًا من زاوية السياسة ولكنه يتنافى مع التركيبة الثورية الحالمة والمثالية، والتي أتت بمعطيات جديدة ورسالة جديدة وصادقة ترفض اللاعبين القدامى وتحلم ببيئة أكثر صحة وشبابًا.

علاوة على أن مطالبة الثوار بالتحول بسرعة وبرجماتية إلى سياسيين لهو كلام غير منطقي وغير عاقل – حتى وإن كان هذا التحول ضروريًّا وملحًا في نظر البعض – حيث أن البيئة الفاسدة للحياة السياسية الشائخة في مصر تحول دون ذلك وتمنعه، ولهذا أتت الثورة لتنظيف قاذورات الماضي ولبداية جديدة شابة في بيئة سياسية صحية.

وعليه فإن التحول السريع بالإضافة إلى كونه غير منطقي، فهو غير متصور أيضًا حيث تنشأ معضلة أن المعطيات الحالية للواقع السياسي تتضارب مع جوهر الثورة، لذا لا مفر من أن تزيح الثورة الخيارات القديمة المتمثلة في أحاديي التفكير من الدولة والإخوان.

فالدولة والإخوان وجهان لعملة واحدة كلاهما اتجاه محافظ أحادي برجماتي لأبعد الحدود، وحريص على مصالحه الضيقة، وكل منهم شرط لوجود الآخر وضمانة لاستمراره سواء في حروبهما أو في صفقاتهما، وهذه الديلمّة السياسية المغلقة هي جوهر ما صرخت الثورة  رفضًا له ومحاولة لتغييره جذريًّا.

ولا ننكر أنه ظهرت بين صفوف الثورة أصوات أحادية، ولكن تلخيص أصوات الثورة في هذه الأصوات لهو افتراء مغرض، فالثورة طرحت البديل التعددي عوضًا عن أحادية الماضي.

قد يقول البعض أن هنالك أصواتًا معتدلة في قطبي المعادلة القديمة أي الدولة والإخوان، ولهؤلاء نقول أن الثورة كانت نداء للتغيير الجذري والذي يتناقض كليا مع مفاهيم التطور والتغيير بين صفوف قطبي المعادلة القديمة التي تطاردنا. حيث يتجه المجددون بينهم إلى محاولة التغيير أو الإصلاح من الداخل، مع الحفاظ على الهيكل والشكل المقدس، والإبقاء على الموروثات والتقاليد المحافظة، والاستمرار في الإيمان في القيادة وفي شكل النظام عمومًا، ولكن مع الطموح إلى تعديل في الأوضاع دون المساس بأسلوب العمل أو النيل من القائمين على تسييره.

بينما الثورة أتت برفض جذري لشكل ومضمون الماضي بقطبيه.

التعددية، وتقبل الآخر، والعيش، والحرية، والعدالة، والكرامة؛ كانت هي الدافع والحلم البديل الذي بدأ هذه الملحمة الإنسانية التي تفوقت على الواقع ولو لوهلة، وأرسلت رسالة قوية للعالم بأن البديل أصبح ممكنًا.

هزيمة الشباب وحزن كل من عاصر تبعات بداية التغيير من دماء وملاحقات أمنية تحت مظلات حكم قطبي المعادلة القديمة لهو مرحلة لا بد منها تأسيسًا للقادم. فالبديل الحالم الذي لاح في الأفق عقب طوفان يناير اصطدم بالحقيقة القبيحة التي كشفت عن وجهها بعد عقود من الكذب. اصطدمت الثورة بالماضي الذي يأبى الرحيل بهدوء.

كان لا بد أن يدافع الماضي عن وجوده بكل شراسة وجنون، ولكنه رغم كل الادعاءات والكذب والزيف والقمع والرعب الذي يمارسه قطبا المعادلة القديمة على الجميع، إلا أنه يرتعد عند ذكر يناير في حالة الدولة وينسحق تمسحًا فيها، ومحاولة للاستئثار بها والانتساب إليها في حالة الإخوان والتيارات الإسلامية، وهي براء من الماضي الذي ثارت ضده. وقد صح وصف من قال بأن الثورة أتت لتغيير النظام، ولكن ما حدث أن النظام هو الذي غير الثورة؛ فتواطأت الدولة والإسلاميون على نسب الثورة وتلخيصها في الإسلام السياسي، ومحاربة الأمل الحقيقي في التغيير، ومحاولة تأجيل المستقبل المنشود.

ومنذ ذلك وإلى الآن، ووتيرة الأحداث تزداد جنونًا بما ينذر بنهاية الوضع وميلاد الأمل.

أو ربما الضياع الكلي.

لا أعلم..

رفقتي في زنازين الدولة وزنازين الحزن أقول لكم بقلب متألم ومتخوف من احتضار الحلم…

قد يكون الأمل موجودًا بين ثنايا فجائعنا وأحزاننا بعد أن رأينا الحقائق المخيفة وفزعنا من هولها.. فنحن ما زلنا هنا.. لم ننتهِ بعد، نتعلم في طريق وعر ونخطو نحو الممكن، أولم يكن الممكن منذ خمس سنوات مستحيلا؟! الثورة يا أعزائي فعل متجدد ومستمر لا ينتهي عند الثورة على النظام، فالثورة هي على الماضي بنظامه ومجتمعه وأفكاره ولا نستثني أنفسنا.. فالثورة على أخطائنا حق.. والثورة على خوفنا وصمتنا ومساومات ضعفنا حق.. المعركة لم تنتهِ بعد.

لا بديل لنا عن الأمل.. فالأمل كان بداية كسر المستحيل منذ خمسة أعوام.

ولأنصار دولة العواجيز ومتوهمي أساطير الخلافة نقول؛ فلتنظروا إلى المرآة وأمعنوا النظر فأنتم الماضي وما يرعبكم هو المستقبل…

لساها ثورة يناير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد