حددت العلاقات الدولية قوانين ومبادئ عديدة لتنظيم وضبط علاقات الدول فيما بينها، سواء كانت هذه الدول تجمعها المصلحة المشتركة أم لا، ومن هنا فإن العمود الفقري لتواصل وتنسيق الدول فيما بينها يتم عبر طريق واحد وهو الدبلوماسية، والتي تُوصف في كثيرٍ من الأحيان بالناعمة؛ لأنها تقوم على مبدأ المفاوضات ووسيلة للتواصل ما بين الدول في الجماعة أو المجتمع الدولي، هدفها إيصال الأفكار وإيجاد الحلول والتفاهمات بالطرق السلمية، وعندما نتحدث عن الطرق السلمية فنحن هنا نعني الدبلوماسية والتمثيل السياسي.

ما بين الدبلوماسية والتدخل العسكري خيط رفيع اسمه المفاوضات ومجموعة من التفاهمات، فإن نجحت هذه المفاوضات بين الدول نجحت العلاقات فيما بينهما في كافة المجالات، وتُوصف العلاقات الدبلوماسية الناجحة بين دولتين أو أكثر بالعلاقات الوثيقة، والتي قد تتطور لإنشاء حلف يضم الدول التي تنسجم مع بعضها البعض حفاظًا على مصالحهم المشتركة وصونًا للعلاقة التي تجمعهم، والتي غالبًا تكون علاقة مصالح متناسقة فيما بينهم تعود بالفائدة على البلدين.

أما في حالة فشل الدبلوماسية، وبالتالي فشل المفاوضات بين دولتين أو أكثر، فإن العلاقات بين هذه الدول قد تتأثر بشكل كبير وخطير يهدد مصالح البلدين وعلاقاتهم الدبلوماسية تمهيدًا للتدخل العسكري، والتي قد تشنه دولة عظمى على دولة أخرى، تحقيقًا لمصلحة ما أو هدف معين أو غاية غير معلنة، سواء كان السبب اقتصاديًا أو من باب فرض الهيبة والوصاية على هذه الدولة، والتي في الغالب تكون قوتها أقل من قوة الدولة التي اتخذت قرار التدخل العسكري.

اليوم الدول العظمى كما نرى هي التي تتحكم وتُفصل القانون الدولي، وفقًا لما تقتضيه مصالحها في الدول الأقل قوة وصاحبة الموارد، ومثال ذلك حرب الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل كما أدعى الرئيس الأمريكي جورج بوش، لتشن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها حربًا على العراق دمرت بنيته التحتية واستولت على موارده الاقتصادية وثروته النفطية، ليتضح فيما بعد وحسب تصريح الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الحرب كانت خاطئة، والتهمة باطلة وإن العراق لا يمتلك الأسلحة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.

شرعنت الدول الكبرى قرارها بالتدخل العسكري بالدول الأخرى، عن طريق قائمة طويلة من الاتهامات والفبركات والتي تجيز تدخلها بطرق مشروعة وبما يتفق مع القانون الدولي، وسياسات مجلس الأمن الدولي وذلك تحقيقًا لمصالحها خلف الكواليس، والتي تتعارض مع الأسباب المعلنة جملة وتفصيلًا، وهنا تبدأ الدولة بتوجيه إعلامها للعالم برغبتها بمحاربة الإرهاب أو الحفاظ على السلم الدولي، وأن قرار التدخل العسكري بدولة معينة هو الحل الوحيد للتخلص من الخطر الصادر منها.

ضَمن القانون الدولي سلامة وأمن الدول ومواطنيها بمختلف أنظمتها السياسية، وحدد مجموعة من الإجراءات ضد الدول التي تشكل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين، كما نلاحظ في مجلس الأمن الدولي، والذي تم تأسيسه لحفظ الأمن والسلم الدوليين طبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولمجلس الأمن سلطة قانونية على حكومات الدول الأعضاء لذلك تعتبر قراراته ملزمة وقانونية للدول الأعضاء، وفق المادة الرابعة من الميثاق ويتكون المجلس من خمسة أعضاء دائمين ولهم حق النقض الفيتو، وهم الاتحاد الروسي والصين وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، ويعود سبب حصولهم على المقاعد الدائمة بسبب انتصاراتهم التي تحققت في الحرب العالمية الثانية.

يرى محللون ومراقبون أن آلية قررات مجلس الأمن الدولي تبقى محصورة حسب مصالح وقرارات هذه الدول الخمسة الدائمة العضوية، وفي حال صدور قرار دولي يخالف مصالح إحدى هذه الدول يتم إلغاؤه مباشرة؛ مما يؤدي لإقصاء الدول الأخرى التي لا تمتلك حق النقض الفيتو، وهذه ثغرة في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

ومن هنا تأتي شرعنة وقانونية التدخل العسكري في الدول التي لا تمتلك حق النقض الفيتو، كما حصل في العراق وأفغانستان والعديد من الدول الأخرى، ناهيكم عن الضغوطات الدبلوماسية أو العقوبات التي تجري خلف الكواليس تجاه الدول التي لا تمتلك حق النقض الفيتو.

أدت هذه السياسة الدولية للانحدار المباشر من الدبلوماسية إلى التدخل العسكري، الذي ضمنه القانون الدولي للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، وأصبحت تمارس هيمنتها سرًا وعلانية تجاه كل دولة تخالفها في الرأي والمصالح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!