عندما نقترب من التاريخ أكثر نستطيع البناء عليه في تفسير الأزمات الإقليمية والدولية وتحليلها، الأتراك والأكراد أسسوا الجمهورية التركية معًا، كما أنهم شركاء في الحرب ضدّ اليونانيين في عام 1922، والتي تسببت في إبادة الأرمن سنة 1915، فلم يجد الأرمن ملاذًا آمنًا سوى سوريا، وخاصة حلب المدينة وريفها. وترجع جذور الخلاف بين الأتراك والأكراد مع قرب سقوط الحكم العثماني.

فعندما قامت ثورة «مصطفى كمال أتاتورك» وقف إلى جانبه الأكراد خوفًا من سيطرة دولة أرمينيا عليهم، لأنهم كانوا ينتشرون وقتها في 18 ولاية من الحدود الجنوبية لتركيا، وفي كل ولاية يتزعمها شيخ يتمتع بشعبية كبيرة بسبب تأثره بالخلافة العثمانية التي كانت سببًا في تنصيبه زعيمًا، لكن انتهى دور الأكراد فعليًّا بسقوط الخليفة العثماني سنة 1924، وبذلك ذهبت وعود أتاتورك أدراج الرياح في إقامة دولة لهم على النمط الأوروبي، وعليه بدأت الحملات الأمنية والمسلحة ضدّ الأكراد، فهُجِّر الأغلبية الكردية من مناطق تجمعهم إلى إقليم كردستان، الذي أصبح منطقة عسكرية بحلول عام 1932. ونتيجةً لهذه الأحداث تأسس حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان، لتبدأ مرحلة الكفاح المسلح للدفاع عن الوجود الكردي في تركيا.

حادثة مقتل القنصل التركي في أربيل

أفادت الأخبار في تاريخ 17 يوليو (تموز) 2019 بتعرض دبلوماسي تركي وشخص آخر إلى هجوم مسلح في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراقي، مما أدى إلى قتلهما أثناء تناول الطعام في المطعم. وبالطبع أصابع الاتهام تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني في تلك الحادثة، لكن لم يصرح رسميًّا من المسؤول عن قتل الدبلوماسي، كما في المقابل نفى حزب العمال الكردستاني تورطه في ذلك. من جهتها أعلنت قوات الأمن الداخلي الكردية «الآسايش» أنها فتحت تحقيقًا شاملًا، وأنها اتصلت بدبلوماسيين أتراك للمشاركة في التحقيق.

إدانة الحدث وما وراء الخبر

توالت التصريحات التي أدانت الهجوم على الدبلوماسي التركي، إذ قال وزير الخارجية التركي إنّ بلاده ستتواصل مع بغداد وأربيل لكشف ملابسات الهجوم، وإلقاء القبض على منفذيه ومعرفة غاياتهم في ما ارتكبوه، كذلك وأضاف «مولود تشاووش أوغلو» أنه سيرسل وفدًا إلى العراق للكشف عن تفاصيل الهجوم. في حين وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحادث بأنه شنيع.

وفي السياق ذاته ترجع بنا الأحداث إلى الغارة الجوية التركية، التي حلقت في سماء كردستان العراق في تاريخ 20 يناير (كانون الثاني) 2019، يشار إلى أنّ الغارة قد تسببت في مقتل أربعة أشخاص من أبناء منطقة دهوك، مما أدى إلى قيام متظاهرين أكراد بإحراق دبابتين ومعدات عسكرية أخرى أثناء اقتحامهم للقاعدة العسكرية التركية «شيلا دزي»، فقتل العديد من المتظاهرين برصاص الأتراك.

وفي طبيعة الحال الأمر ليس جديدًا كما يذكر أبناء المنطقة، فمن حين لآخر تشن تركيا غارات جوية بشكل منتظم على مواقع حزب العمال الكردستاني، الذي يتخذ من جبال قنديل مقرًّا له، ويخوض صراعًا مسلحًا ضدّ الحكومة التركية منذ ثمانينات القرن الماضي.

الجدير بالذكر وكما يقال: لا يوجد دخان بلا نار، وحادثة مقتل الدبلوماسي التركي في أربيل سبقها قتلى بالعشرات، لكن الشك يدور على أكثر من ذلك، وما بعد الشك إلا اليقين، فحزب العمال الكردستاني ليس غبيًّا، ليتسبب في قتل قنصل تركي، في ظل توافق واتفاق الحكومتين التركية والكردية في الإقليم، عبر قنوات الاقتصاد ومرور السلاح وغيره، خصوصًا وأن الحادثة تمت على أرض كردستان. فإذا أراد حزب العمال الكردستاني قتل مسؤول فلن يكون بتلك الطريقة، وإنما تنفذ داخل مكان العمل، سواء في مكاتب عسكرية أم أمنية، أم أثناء اشتباك بين الجانبين، كما من البعيد ذهنيًّا أن تنفذ أعمال قتل دون سبب، فكيف في داخل مطعم؟!

أعتقد أنّ الهجوم المسلح وراءه المخابرات التركية نفسها، ولأسباب أمنية لا أكثر ولا أقل، وإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

تركيا تعود
شارك 155
منذ سنة واحدة
ماذا بعد قمة إسطنبول؟
شارك 59
منذ سنة واحدة