هناك أسطورة يتم الترويج لها بين الجماهير حول خطورة التباعد الاجتماعي وحظر التجول الصحي على الاقتصاد، وإن من مصلحة البشرية تدوير عجلة الإنتاج مرة أخرى، حتى لو كان هذا على حساب بعض البشر من كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة، وأنه في أحسن الأحوال يجب على هذه الفئة أن تتحمل مسئوليتها الخاصة عن صحتها وتلتزم بالتباعد الاجتماعي.

الحقيقة أن هذه الدعاية تنطلق بالأساس من فرضية بسيطة، هي وجود تناقض بين حياة البشر والاقتصاد، وإن توقف الاقتصاد أكثر خطورة من استمراره في ظل الوباء، ليس هذا فقط، بل وأن التضحية ببعض البشرية ضروري لإنقاذ كل البشرية، وهذا الكلام بدأ على لسان بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا مطلقا عليه اسم «مناعة القطيع» وقال في نفس الخطاب (استعدوا لوداع أحبائكم)، ثم انتقل إلى لسان ترامب الذي لا يترك خطابًا من خطاباته إلا ويتكلم عن ضرورة تخطي الأزمة وإلغاء الحظر وضرورة فتح الاقتصاد مرة أخرى، ليس هذا فقط بل ودعم تظاهرات اليمين المتطرف في أمريكا التي تنادي بنفس المطالب.

وعلى المستوى المحلي ترددت نفس النظرية على لسان العديد من رجال الأعمال المصريين مثل ساويرس وحسين صبور وعلاء عرفة وغيرهم، وكان مضمون تصريحاتهم هي أن يموت البعض خير من أن ينهار الاقتصاد، وليس رجال الأعمال فقط من تكلم بهذا، بل صرح السيسي نفسه في 7 أبريل الماضي أن المشاريع القومية يجب أن تكتمل وأن حجم الضرر من توقف الاقتصاد أكبر بكثير من استمرار عمله، وعلى إثر هذا صرح رئيس الوزراء المصري بضرورة مضاعفة العمل بالمدن الجديدة لتعويض ما فات، بل وتقليل الحكومة لعدد ساعات الحظر في رمضان وكلامها عن ضرورة عودة الحياة لطبيعتها بعد عيد الفطر، وأعلان رئيس مجلس الشعب المصري أن الظروف الحالية لا تتطلب أي نوع من أنواع توقف العمل.

ولكن هل هذه فرضية صحيحة؟! وهل هي قادرة بالفعل على إنقاذ مصر والعالم؟!

الحقيقة أنه لا يوجد بين من يدافعون عن ضرورة التباعد الاجتماعي والحظر الصحي، من يتكلم عن ضرورة توقف الاقتصاد لحين القضاء على فيروس كورونا، ولكن ما يتم تداوله في جميع الأوساط المجتمعية المهتمة بصحة المواطن، هو أهمية التباعد الاجتماعي مع ضرورة استمرار القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل الزراعات الهامة والصناعات الخاصة بإنتاج الغذاء والملبس والدواء وطبعًا قطاع الصحة، وهذا طبعًا مشروط بالحفاظ على الحد الأقصى من إجراءات التباعد الاجتماعى داخل مواقع العمل ليس فقط عبر ارتداء الأقنعة الواقية، ولكن بالأساس عبر تقليل عدد ساعات عمل العمال بكل دوام، وزيادة عدد العاملين بهذه القطاعات على طول اليوم، بمعنى عمل حد أقصى لعدد العاملين على خطوط الإنتاج بكل دوام قصير، بما يحقق التباعد الاجتماعي اللازم، ويخلق فجوات مكانية وزمانية بين الأفراد تسمح بتحقيق هذا التباعد، مع السعي لتحقيق معدل إنتاجية كاف، والمقصود بالكفاية هنا هي سد حاجة المجتمع وليس تحقيق الأرباح، مع تأميم كل المستشفيات الخاصة التي تقدم الخدمة الصحية، وتحويل خطوط الإنتاج غير الحيوية إلى إنتاج كل ما هو حيوي كأن تنتج مصانع السيارات أجهزة التنفس الصناعي… إلخ.

مع منح تعويضات نقدية وعينية لمن لا عمل لهم، وبالطبع تحويل الإنتاج ليغطي حاجة المجتمع وليس تحقيق الأرباح، سوف يخلق فائضًا من هذه السلع الأساسية ويجعل من الدعم العيني ممكنًا، ويقلل إلى الحد الأدنى من كل دعم نقدي، وبالتالي يمنع فكرة الاستدانة من الخارج، خاصة في الدول النامية، حيث سيتم تحقيق أكبر قدر من التوازن في المجتمع بالاعتماد على إنتاج المجتمع، بالتوازي مع تقليل الإصابات إلى حدها الأدنى وإعطاء فرصة للتجهيزات الطبية لإستيعاب الحد الاقصى من المرضى، وبالتالي يصبح المجتمع قادرا على الصمود في مواجهة الوباء لحين اكتشاف العلاج والفاكسين.

المقصود بالطبع هو التخلص من هيمنة قانون السوق الساعي من أجل الربح، واستبداله بقانون آخر هو قانون توجيه إنتاج المجتمع من أجل تغطية الحاجات الحقيقية لهذا المجتمع، وأن يتحول العمل من مسئولية فردية يتحملها الفرد إلى مسئولية اجتماعية يتشارك الجميع فيها كل حسب قدرته ولكل بحسب حاجته.

المقصود أيضًا هو فتح الباب للديمقراطية من أسفل والسماح للمبادرات الشعبية والأحزاب والنقابات بالعمل وتنظيم نفسها وتنظيم الجماهير، بحيث يستطيع كل حي أو شارع أو مدينة تنظيم نفسه وقت الأزمة بما يحقق التباعد الاجتماعي بين المواطنين، والحجر الصحي السليم للمصابين، ويمنع انتشار العدوى وسط المخالطين مع التكفل بعائلاتهم، والأهم أن مثل هذا التنظيم سوف يسمح بمرونة شديدة في توزيع المزايا والأعباء على الجميع بعدالة تسمح للكل بالتكاتف والصمود في وجه أي وباء حتى زواله.

إن التناقض الحقيقي ليس بين صحة الإنسان والاقتصاد، كما يتم الترويج له، ولكن بين صحة الإنسان والسبيل الرأسمالي في إدارة هذا الاقتصاد، إنه بين طريقة معينة في إدارة الاقتصاد وبين صحة المواطن، ولو كان لا بد من التضحية من أجل المستقبل، فالتضحية يجب أن تكون بهذا السبيل الرأسمالى في الإدارة وليس الديمقراطية أو صحة الإنسان أو حقوقه.

فما يتم الترويج له من فتح كل القطاعات الإنتاجية بغض النظر عن حاجة المجتمع الفعلية لها، لمجرد الخوف من توقف تدفق الأرباح إلى جيوب الرأسماليين، مثل إعادة تشغيل قطاع العقارات والمقاولات السياحة وإنتاج السيارات والغاز …إلخ، والبدأ في العمل بالمشاريع القومية والإنشاءات والمدن الجديدة والحديد والصلب …إلخ، واستمرار العمال في العمل بدواماتهم المعتادة ولأوقات طويلة لتحقيق الأرباح، هو الذي يخلق التناقض الحقيقي بين الاقتصاد وصحة المواطن.

وما يحدث اليوم من حظر جزئي تقوم به الدول ورجال الأعمال -مع استمرار العمل بهذه القطاعات- هو محاولة مؤقتة للتحايل على الجماهير، يقومون بها مجبرين تحت ضغط الأزمة المفاجئ، ولكن لو لم تنتصر الرؤية التي تقدم الإنسان على الأرباح، سيتم التراجع عن سياسات التباعد الاجتماعي هذه تدريجيًا، لينتهي الحظر، ويبقى العمل بهذه القطاعات الربحية غير الحيوية، مع الإلقاء باللوم كاملًا على وعي الجماهير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد