ماهية التربية

أجمع كثير من المهتمين والمراقبين لقضايا علم التربية وعلم الاجتماع على أن العنصر البشري هو العنصر الأساسي والمحوري الذي نقوم عليه التربية في أي زمن كان، ولا سبيل إلى تحقيق المجتمع البشرى السليم إلا من خلال بناء عملية التربية بمساهمة التطور الشخصي، كما اكتسبت التربية وما تزال أهمية بالغة في حياة المجتمع البشري، فأكدت المجتمعات البشرية منذ بدء الخلقية أهمية التربية في الحياة، إذ تمارس المجتمعات البدائية بطريقة التلقين والتقليد إلى تحقيق هدف التوافق والانسجام بين الفرد والمجتمع.

فالنظرة الموضوعية في التربية كمفهومها الشامل تقوم على أساس الحياة، باعتبار أنّها هي الإنسان بأكمله، لأن الإنسان هو الإنسان أينما وجد، وأينما كان، لم يتبدل خلقًا، ولا تركيبًا بتركيب كذلك هو نقطة الحوار في عملية التربية، إذ أنها مستهدفة من أجل تغيير سلوك إلى سلوك مرغوب فيه، وارتفاع مستوى مجتمعها التي تعيش فيه، فهذه التربية ليست من كائن لا صلة لها بالمخلوق، وإنما هي تربية الخالق نفسه.. إلى الأجل.

من جانب آخر تتمثل التربية بأحد أركان التقدم في المجتمعات الإنسانية على مدار تاريخ البشرية، وهي محرك أساسي في تطور الحضارات ونماء المجتمعات فيرتبط نماؤهم بتحديث التعليم، وتعتبر المؤسسات التعليمية والمؤسسات الاجتماعية من أهم الوسائل التي تعتمد كلًا من التعليم النظري والتطبيقي في هذا العصر، وذلك في ضمان أفق مشاركتهم في جميع مجالات التربية، فالدول المتقدمة تجعل نظرية التربية والتعليم أساس التقدم في مجتمعاتها، مما أدى إلى تحصيل المجتمع في جميع أدوات الحياة، كما تساهم في تنمية الوعي وترسيخ مبادئ المواطنة في المجتمع.

وعلى الرغم من ذلك فإن هدف التربية هي حدوث تنمية شاملة في أبعاد المجتمعات البشرية، مما يتعلق بوعي الأجيال الناشئة، ويؤسس نظريات اقتصادية واجتماعية فيتم هيكل اجتماعي السليم، وهكذا يبدو الأمر تدريجيًا نحو التقدم.

إن بنية أي مجتمع وتنظيماته وسياساته تتطابق وفق بنية وسياسات وتنظيمات التربية التي تفرز في مجتمع ما، فيكون أمر التربية ودورها في المجتمع بأمرين، إما أن تنجب مجتمعًا مفتوحًا يهيئ بتحسين قدراته العقلية وحاجاته الفطرية وتنمية الأفراد والجماعات وتعبئتها إلى المقدار الكافي لكسب الحاجات ومواجهة التحديات البشرية، وإما أن تنجب مجتمعًا مغلقًا تهدر وتقهر فيه القدرات وتعطل فيه الطاقات بعدم تجسيد ماهية الفهم لواقعهم وتتقهقر مسيرة حياتهم.

والحق يقال، بأن التربية هي الوسيلة الكبرى في كيان المجتمعات البشرية منذ عقود الزمان، إذ أنها توضح مفهوم الانسجام والاندماج بين مختلف اتجاهات ومكونات المجتمع، فهي تهيئ الكوادر البشرية والكفاءات الإنسانية القادرة على بناء مجتمع ما، فعملية التربية هي التصميم المنظم وتراكم الخبرات بمرور الزمان على تعقيد الأجيال بوصول الأهداف المرجوه التي تهيئ المجتمع نحو التقدم والتطور البشري.

أهمية التربية في تنمية المجتمعات الإنسانية

تتضح أهمية التربية بالنسبة إلى تنمية المجتمع والتقدم الحضاري، حيث أن التربية في مفهومها الحديث لا تهدف فقط إلى تنمية الفرد وتحقيق مصالحه الخاصة، بل تهدف أيضًا إلى تنمية المجتمع، وتمكينه نحو التقدم الاجتماعي والسياسي والثقافي، انطلاقًا من مفهوم التنمية فإن التربية السليمة لها أهمية اجتماعية، وأهمية ثقافية، وأهمية اقتصادية، وأهمية سياسية.

فالأهمية الاجتماعية للتربية تعتبر عاملًا مهمًا في تقدم المجتمع، فهي تمكن من خلق مجتمع صالح يتصف بالكفاءة الاجتماعية، ومن جهة أخرى أن التربية عنصر يقارب بين فئات المجتمع، وإزالة سوء التفاهم وعدم الثقة بين جيل الكبار وجيل الصغار، وهي تقود المجتمع إلى الإصلاح والتوجه نحو الأفضل والأحسن، وتساعد الناس أفرادًا وجماعات على التكيف مع التغيرات التى تحدث في مجتمعهم وحل المشاكل النفسية والاجتماعية.

أما بالنسبة للثقافة فإن التربية تستطيع أن تساهم مساهمة فعالة في نقل التراث الثقافي عبر الأجيال والحفاظ عليها، كما تستطيع أن تساهم أيضًا في رفع المستوى الثقافي للشعب وإغناء حياته في الحاضر والمستقبل، فالتربية والتعليم في جهود دؤوبة لتنمية ثقافة المجتمع ولتكوين ثقافة وطنية وقومية وإسلامية، فهي عامة تؤثر في الأجهزة الثقافية الأخرى التى لها صلة بجماهير المجتمع وتوجيه أفكارهم وعاداتهم.

وفي نهاية المطاف، تكون نقطة الحوار، علاقة التربية بالمجتمع والمجتمع بالتربية، لا نبالغ إن قلنا إنها في حاجة لدراسات متعمقة في المجالات المعرفية، وإلى رؤية جديدة ومتصلة، باستفادة من تجاربها ونجاحها، بمثل ما فعلت الأمم المتقدمة وتفعل وستفعل.

في هذا الإطار شكلت مسألة التربية بالمجتمع إحدى القضايا المهمة والمؤرقة التي شغلت الدول وساستها منذ عقود من الزمان، وكانت بمثابة العامل الرئيسي لكثير من الصراعات الفكرية والأيديولوجية بين المجتمعات الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد