تقول الحكمة «يبلغ المرء باللين ما لا يبلغه بالشدة»، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» صحيح الجامع 5654. فالمملكة العربية السعودية منذ قيامها حتى عام 2011 كانت تستخدم الحكمة الشديدة فى سياستها الخارجية، إلا أنه بعد ثورات الربيع العربي، وعند اندلاع  الأزمة السورية كانت بداية تبدل سياسات المملكة، فمن اللحظة الأولى للأزمة السورية، والمملكة تطالب برحيل الأسد، أو أنهُ سيواجه خيارًا عسكريًا، ولم تخف ذلك، وأعلنت عدة مرات على لسان وزيري خارجيتها السابق والحالي أن الأسد أصبح ليس له مكان فى سوريا، وأكد وزير الخارجية السعودي الحالي «عادل الجبير» أن المملكة تمد المعارضة المسلحة المعتدلة بالسلاح، ولمح فى شهر يونيو (حزيران) الماضى فى حوار له مع مجلة «دير شبيجل» الألمانية الأسبوعية، خلال حوار لها معه، إنه يمكن تزويد المعارضة المسلحة بصواريخ أرض ـ جو، وأضاف الجبير أن هذه الصواريخ سوف تمكن المعارضة المعتدلة من تحييد طائرات نظام الأسد وطائرات الهليكوبتر التابعة له.

منذ 5 سنوات لم تقض السعودية على الأسد، ولم يقض الأسد على المعارضة، ولكن الشعب السوري هو الذى يقضى عليه بين قرارات الحكام الذين، يعتقدون أن الحرب عبارة عن نزهة، فالسعودية الذى تورطت فى اليمن هى والتحالف، بالرغم من مشروعية الحرب، فهى حرب فرضت عليه، وعلى العرب؛ لاستعادة شرعية دولة اغتصبت بالسلاح، ولكن هل سقوط بشار الأسد فرض أيضًا على المملكة العربية السعودية؟ وهل مد المعارضة السورية بالأسلحة للرد على طيران النظام واجب قومي ودينى على المملكة؟ ولماذا استغلت قوى الشر المتحالفة على الشعب السوري الثورة بإسقاط بشار؟ ذلك لأن هذا الديكتاتور السوري لم يكن له مدخل مثل غيره كان لا ينتظر مساعدات من أحد ولا ضغوط عليه في شيء، فكان نشر الفوضى أمرًا صعبًا على هؤلاء المراقبين بسوريا. حتى نهض الشعب السوري ليطلب بالحرية، فاستغلو هذا الطلب النبيل الراقى المشروع، وقاموا بصناعة الفوضى، ولأن السيطرة على الفوضي ممكنة ويمكن القضاء عليها، كان يجب أن يضع هؤلاء عنصر الطائفية،  قد يزيد من إشعال الفوضي، ويعطي لهم نارًا لا تنطفئ، ودودًا لا يموت من كثرة أعداد القتلي يأكل في أجسادهم أمواتًا وأحياء تحت أنقاض القصف، فجميعهم قتلة وسفاحين.

ومن المستفيد الأول من سقوط بشار الأسد؟ الدولة السورية التي تريد المملكة وقوى الغرب إسقاطها، كانت دولة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع وتعالج من دوائها، وليس عليها ديون خارجية قط وبها ثورة مستمرة فى البحوث الزراعية حتى كانت تقوم بتصدير فائض إنتاجها من القمح ِإلى مصر، الآن أصبحت هذة الدولة بها مليون قتيل ونصف شعبها مشرد، والنصف الآخر يعيش تحت القصف ونيران الاشتباك المتواصل بين الأطراف المتنازعة يموت الشعب، ويبقى المتنازعون القتلة أحياء ليطلقو مزيدًا من الرصاص على بعضهم البعض يصيب فى منتصف الطريق طفلًا أو شيخًا كبيرًا أو امراة، ويبقى حامل السلاح المجرم فى الاتجاه الآخر حي يستريح استراحة مقاتل مأجور، ثم ينهض؛ ليتاجر بجثث وأشلاء الضحايا من المدنيين ويلصق كل منهم التهمة بالآخر، فتبا لوقاحتهم.

أختلف دائمًا مع الرئيس المصرى في قراراته وسياستة الداخلية والنظام الإقتصادي الفاشل، وكنت لا أعتقد أن هذا الرجل لن يصدر قرارًا أوافقه عليه، حتى قامت الدولة المصرية بإعلان أن حل الأزمة السورية لن يكون إلا بالطريقة السلمية والتفاوض، وكان هذا على لسان كثيرين من رجالها منهم رئيس الدولة كان هذا الموقف معروف منذ البداية، ولكن كان غير معلن بشكل صريح وهذا الموقف مخالف تمامًا للموقف السعودي الذى يريد التخلص من بشار، حتى لو سيتم قتل الشعب السورى كاملًا، فالمملكة العربية السعودية، تمتلك أموالًا طائلة لإسقاط ومد المعارضة بصواريخ أرض جو لإسقاط طائرات بشار، ولكن لا تمتلك أموالًا لمد الشعب المشرد الجائع بطعام أو غطاء أو كساء ولا تمتلك الرضا لتستضيف اللاجئين السوريين على أراضيها تكفيرًا لما تصنع فى أرضهم، وليست المملكة فقط، من تتحمل هذا الذنب، بل كل الدول الذى تمد المعارضة بالسلاح شرقية أو غربية.

ولا يعلم هؤلاء إن قرار سوريا الآن لم يصبح قرارًا عربيًا ولا دوليًا، فسوريا الآن ماهي إلا رقعة شطرنج بين روسيا والولايات المتحدة، لكل منهم جيش على الأرض، إن انتصرت سوريا سيبقى الديكتاتور بشار، وإن انتصرت الولايات سيختلف الجميع، وسينتصر فى النهاية من له قدرة أكبر على سفك دماء الآخرين باسم الدين أو المدنية أو الحرية أو التقدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد