الإيمان رؤية فلسفية

الإيمان مقرونٌ في النص المقدس دائمًا أو غالبًا بالعمل الصالح، وهذا يؤكد فكرة أن الإيمان شعور وليس معلومة، لأن المعلومة قد ينتج منها عملًا، وقد لا ينتج، أما الشعور فهو تفاعل مع الموضوع واتحاد معه، حتمًا سينتج عنه عمل، سواءً كان بالإيجاب، أو بالسلب.

بالمثال يتضح فحوى المقال

قد تشاهد يومًا حالة، أو ظاهرة غريبة في المجتمع، كالاعتداء بالضرب مثلًا من شاب صغير، وقوي، على شيخ كبير في السن، هزيل البنية، أمام مرأى الجميع، ستكون ردة فعل الناس أن هذا العمل مشين، ومستنكر، وسيكون الحكم على خطأ هذا الفعل منهم تلقائيًا دون تحليلٍ، ودون تفلسفٍ، أي اعتمادًا على الشعور الذي هو أصدق الأدلة «نعم، قد يخطأ الشعور مرة، ولكننا نقصد هنا الشعور بشكله العام، فكما هو معلوم أن المنكر هو ما استنكرته العقول، والنفوس، والمعروف هو ما تعارفت العقول والنفوس على استحسانه».

هذا الشعور من قبل المشاهدين لذلك العمل القبيح، ستنتج عنه ردود فعلٍ متنوعة، فكلٌ حسب قوة تأثره بالموقف، ودرجة تفاعله مع ما شاهد، فهناك من يتدخل، وهناك من يتكلم، وهناك من سيتعجب بملامح وجهه فقط، وقد يكون هناك من يشذ ويتخذ موقفًا غريبًا، ويعالج الموضوع بطريقة مقلوبة، ويحاول تغيير وتحريف ذلك الحكم الشعوري لدى ذلكم المشاهدين، كأن يقول لهم مثلًا: إن الشيخ هو الظالم، أو إن المضروب هو الشرير يستحق ما حدث له، أو يدعي أن الذي يرونه شابًا صغيرًا هو في الحقيقة أكبر سنا من الشيخ، أي بعبارة أخرى يحاول حجب الصورة الحقيقة لذلك المشهد، والسعي لصناعة صورة مناقضة تماما لشعور المتلقين.

وهذا هو الكفر في اللغة العربية، فكَفَرَ بالشيء أي غطاه، وحجب حقيقته، ولذلك الفلاحين في اللغة هم الكفار، لأنهم يغطون الزرع، ويحجبونه داخل التربة، كما في الآية التالية من القرآن الكريم في سورة الحديد: «… كمثل غيثٍ أعجب الكفار نباته…» سورة الحديد الآية 20. الكفار هنا بمعنى الزراع والفلاحين، والإيمان هو كذلك، أي إنه نتاج للشعور الذي ينشأ لدى الإنسان، وهو يتلقى هذا الوجود أمامه، فيتأمل في نفسه، فيرى أنه قد وُهِبَ يدًا يبطش بها، وعينًا يرى بها، وأذنًا يسمع بها، وشعرًا يحمي بعضًا من جسمه، وأرجلًا يمشي بها، و، و…

كل هذه النعم، والأعضاء لم يصنعها هو بنفسه، وإنما أُعْطِيت له بلا مقابل، وكذلك حينما ينظر حوله ويجد أن له أُما حنونًا ترعاه وهو صغير، وكونًا عظيمًا، وسماءً تحفظ سلامته، بل تصنع له الجمال، فنراه يستمتع برؤية النجوم والأقمار، ويتساءل بينه، وبين نفسه: من وضع هذه النجوم؟ ومن جعلها هكذا جميلة تُزين السماء؟ وإذا ما التفت إلى الأرض يجد البحر وعظمته وامتداده اللامتناهي، وظليل الظل يجعل الصيف ربيعًا، ومن الحرارة الشديدة جوًّا لطيفًا، ولحظات الغروب وخضرة الجبال، و، و، و.

كل ذلك يصنع بداخله رَدَة فعل قوية نحو هذا الوجود بالإيمان، والاعتقاد أن هذا الكون ليس مكتفيًا بذاته، وإنما هناك حقيقة عظمى، وقوة كبرى وراء ما يتجلى من ظواهر، وأن هذا الوجود لا يمكن أن يكون صدفة، أو عبثًا؛ وهنا نحن نتكلم عن الإنسان البسيط الذي لم يتفلسف ولم يفكر كثيرًا، وإنما شعوره يخبره بذلك تلقائيًّا، وهذه النظرة نجدها عند الشيوخ الكبار، وعند العجائز الذين لا يشكون في إيمانهم للحظة، ولن تستطيع أنت بتفلسفك أن تغير قناعاتهم ببساطة، لأنهم يدركون ذلك بشعورهم، والشعور هو أقوى الأدلة.

مجرد افتراض يخدم المعنى

لو فرضنا أن هناك شخصًا يسكن في هولندا، وليكن هذا الشخص أستاذًا للكيمياء في الجامعة هناك، ولنفترض أيضًا أنه إنسان لا ديني، لا يفكر في الإيمان، وإن سألته يقول لك إنه لا يدري «ما يسمى باللا أدريين»، وفي مرة من المرات حدثت له حادثة ما، جعلته ينتبه ويستفيق من غفلته ويحاول مناقشة تلك الأسئلة الكبرى «من أنا؟ من أتى بي إلى هنا؟ ما وراء هذا الوجود؟ ماذا سيحدث لي بعد الموت؟»، فقرر هذا الشخص الذي سنطلق عليه اسم بِيتَر أن يتفرغ للبحث، ويدرس جميع الملل والنحل، والأديان، والفلسفات.

أخذ بيتر عطلة من العمل، وعزم على أن يذهب إلى مكتبته في الريف، ويبدأ مشواره في البحث عن الحقيقة بكل إخلاص وموضوعية، لكن في الطريق حدث له حادث ومات، ماذا ستكون حالة بيتر هنا؟ هل هو مؤمن؟ أم ملحد أم، أم…؟

يعجز الكثير من ورثة وأتباع الأديان في تصنيف بيتر، لكن بيتر في الحقيقة شعر بشيء وراء هذا الوجود، وأدرك في لحظة ما، أن ما وراء هذا الكون الكبير معنى أكبر منه، وأعظم وأجل مما نراه، وذلك هو أساس الإيمان ولبه.

ملاحظة أخيرة نطوي بها ورقة هذا الموضوع

لو كان الإيمان عبارة عن معارف، ومعلومات لكان إبليس مؤمنًا، لأنه يدرك أن الله موجود، ويوقن باليوم الآخر، وكل أساسيات الدين، لكن إبليس كافر، أي إنه حجب، وغطى حقيقة الإيمان، ويُحاول أن يُلبس لنا الحق بالباطل، كما فعل ذلك الشخص الذي تكلمنا عنه في بداية الحديث، عندما رأى الجميع شابًا صغيرًا يضرب شيخًا كبيرًا في السن، وظهر من يريد تغيير حقيقة الموضوع، وتصويره بشكل مخالف، ومغاير، وهذا هو ما يفعله الشيطان في حياتنا يوميًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد