تطل الآلام برأسها على البشرية كلها، فلا تستثني منها أحدًا.

تستشعر أن لها عبق الموت وقوة نفاذه، كلما هربت البشرية منها تلاقيها الآلام من الأمام، إن جريت ولهثت على أنها ستطاردها من الخلف وجدتها بغتة أمامها مباشرة، ثم إنها لتأتي البشر ولو كنتَ في برج محصن ومشيد.

بسابق علمه وإدراكه وإحاطته بنا علم الله ألا طاقة بالإنسان بالنعيم المقيم في الجنة، دون أن يمر بالعذاب والتأرجح والانتقال بين الألم تارة والراحة أخرى.

أو أن يحيا بنو آدم مرات مع الألم ومرة مع الراحة، إن شئنا الدقة في الوصف، ولأنه تعالى أدرك أن الإنسان لا يصلحه النعيم دون المرور بالعذاب.. أجرى تجربة علم نتيجتها مسبقًا.

يملأ أحدهم شدقيه من الهواء ويقول:

لماذا لم يجعلنا الله مستمرين في نعيم الجنة؟

ولِمَ قضت رحمته تعالى أن نمر بالدنيا وآلامها ورخيص أشيائها قبل أن نخلد في النعيم؟

خلق الله الإنسان في كبد، يعمل ويشقى وأكثر ما يشقيه عقله.

ولذا إن لم يكن للمفكرين والفلاسفة والأدباء عون منه تعالى وجدتهم أشقى أهل الأرض مع أن المفترض أن يكونوا على النقيض تمامًا، فيما (أخو الجهالة في الجهالة يرتع)، برأي الشاعر.

ومن ضمن كبد وكدح وتعب الإنسان في الحياة الدنيا كونه (كان) منذ القدم أكثر (شيئًا) جدلًا، كما في الآية الكريمة.

حكمته تعالى اقتضت أن يكون الإنسان أكثر شيء في الكون جدلًا، لا مخلوقًا ولا حتى حيوانًا له قدرة على النطق، بل أكثر الأشياء على الإطلاق جدلًا وعدم تسليم بالحقائق.

كانت الجنة كلها لدى أبي البشر، آدم عليه السلام، النعيم المقيم من جمال يبهر الروح في كل ما تراه، إلى ثمرات متشابهة في الشكل والمظهر الخارجي ومختلفة تمامًا في الطعم والمذاق والجوهر، إلى تمني الشيء فيكون بين يديه.

مجرد التمني لشهي المأكل والمشرب وأدوات الراحة، الجنة كلها بيته، والنعيم لا يمنعه عنه تعب أو كدح أو مجرد صارف، والجنة ليس فيها وحش أو حتى حيوان منفر الشكل أو خبيث التصرف.

اشتكى الوحدة، فخلق الله له من ضلعه الأقرب إلى الخلق (مخلوقة) أكثر جمالًا في الشكل منه، وأقرب إلى العاطفة والحنان من طبعه المحب للعقل.

ومع أن شجر الجنة كله متشابه في نعيمه واختلاف مذاقه ومتعة تناوله.. ومع أن آدم لم يطعم من جميع شجر الجنة، ولم يكن ليفعل ولو كرس عمره كله، إذ إن الله تعالى، كان يُغير له الطعم والمظهر الخارجي مع كل مرة يقترب فيها من شجرة مرة أخرى.

ومع كثرة الشجر الذي لا يحصى إلا أنه عليه السلام وجد ألمًا وإشكالية عقلية شديدة ظهرت بالنسبة له في الجنة.

وآلام البشرية تتسبب بنفسها في جزء غير قليل منها.. بسوء الفهم أو تعمد عدم الفهم الصائب، أو ربما بالضعف الذي في النفوس جميعًا.

لا يمكن للإنسان الخلوص إلى الراحة التامة مع تكوينه المحب للاستئثار بالخير للنفس دون الآخرين، والأمر ليس على إطلاقه، فيمكننا أن نروض على الخير أنفسنا بحيث نقلل من تلك الأدواء والأمراض بدرجات.. ولكن هل نخلص منها.. ولم يخلص (آدم) أبونا منها؟

شجرة واحدة فحسب، شجرة كجميع أشجار الجنة لا تختلف عن أي منها في شيء.. سوى أن الله أراد اختباره بها.

أي أن السعادة والنعيم المقيم له شرط واحد لا يكلف شيئًا ولا يمنع خيرًا ولا يحض أو يدعو إلى شر، إنها شجرة ككل الأشجار، ومطلوب من أبي البشر على سبيل إثبات الطاعة والولاء ألا يقرب هذه الشجرة.

ومع التحذير من القرب من الشجرة كان العقاب واضحًا حادًا صريحًا، بل مخيفًا مريعًا.

فإنك يا آدم في الجنة بلطف ورحمة ربك.. فإن عصيته واستمعت لكلمات خصمك إبليس:

(فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ117) سورة طه.

ومع ذلك كانت النتيجة مريعة مخيفة.. تتطلب منا جميعًا الحذر قبل اتهام الدنيا بأنها لا تريحنا ولا تهبنا السعادة.

جاء إبليس إلى آدم فقال إن الشجرة الوحيدة التي منعك الله عنها هي شجرة الخلد وملك لا يبلى!

تلك آفة البشرية التي لا تديم عليها سعادة، وتقض عليها مضجع كل هناء، ومن أجلها تجد رئيس الولايات المتحدة أكبر دولة في العالم يتمادى في الشرور، ينظر إلى طائرة أميرية لأحد حكام الخليج، بل يحسده عليها.. ويروح يشعلها نارًا من أجل أخذ مزيد من الأموال منه ومن أقرانه.

وبعيدًا عن تفاصيل الموقف الأخير، فكل إنسان منا.. من أرق الناس أحوالًا إلى أكثرهم ثراء ينظر في طبق أخيه، لكن بدرجات.

ولذلك عبر الراحل الشاعر العامي نجاح الغنيمي، وغنى الراحل: محمد عبد المطلب هذا المعنى في كلمات إحدى أغنياته قائلًا:

(ما أعرفش ليه الناس شربوا سوا من كاس).

ونظر كلٌّ إلى طبق الآخر يساوي حسده على ما لديه من أشياء ونعم ومتع.. الناظر إليها يتخيل أنه يفتقدها.

فذلك يرى الجمال والوسامة لدى هذا.

وهذا يرى المسكن الواسع لدى ذاك.

وثالث يجد جماعة وصلت إلى الحكم رغم جودة المخططات التي أعدت لدفعها بعيدًا عنه.

ورابع لا يسلم بهزيمة جماعته كلها في معركة لم تكن مؤهلة لخوضها، ومع تسارع المآسي والبلايا والمصائب على جماعته يستصعب أن يترك الحكم لمنْ اغتصبه منه.. رغم أن الأخير يحكم في الحقيقة رغم أنف الأول.

وخامس يعيش في نعمة ومتعة ومنعة وسيادة لكنه يخاف إن ارتاحت الملايين في دولة محورية أن يجوروا على سلطانه لذلك لا يتورع ولا يستحيي من انفاق بعض ماله على تنغيص حياتهم ودفعهم دفعًا إلى الشقاء المقيم.

وسادس وسابع وعاشر ومليون.

أخطاء بشرية عقيمة ومميتة قاتلة لا تقارن بنسيان أبي الأنبياء.. ومع توغل المتاهة وكثرتها من حولها.. بل تعمد الكثيرون حتى من المصلحين زيادة دهاليزها وآبارها المليئة بالسموم.. يخرج إليك قائل:

ـ لماذا لا نستريح في الحياة الدنيا؟!

ولماذا لا نُريح نحن البشر بعضنا بعضًا والكون أولًا؟!

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد