سلطة الاب وسلطة الحاكم.. ماذا يعني أن تلد طفلًا وأن تسير دولة؟

أنذر القارئ بضرورة قراءة هذا المقال بدقة؛ لأنني لا أعرف فن جعل نفسي واضحًا، عند من لا يريد أن يكون منتبهًا.

لا شك أن مجتمع الأسرة هو أقدم المجتمعات، وهو المجتمع الطبيعي الوحيد؛ ذلك لأن الأولاد لا يبقون مرتبطين بالأب إلا للزمن الذي يحتاجون فيه إليه لحفظ أنفسهم، وتحقيق حاجياتهم، وفور انقطاع هذا الاحتياج عندها تحل الرابطة الطبيعية (الأسرة الأولى)، فيعود الأولاد إلى الاستقلال بالتساوي، عندما يتخلصون من الطاعة الواجبة عليهم نحو الأب، ويتخلص الأب بدوره من مسئولية رعاية الأولاد الواجبة عليه.

وهم إذا ما استمروا على البقاء متحدين، وإذا ما استمرت الرابطة الطبيعية قائمة، فهذا لا يكون طبعًا بل طوعًا، ولم تدم الأسرة نفسها إلا عهدًا.

هذه الحرية العامة هي نتيجة طبيعة الإنسان، وقانون الإنسان الأول؛ هو أن يعني بقاءه الخاص، وواجبه تجاه نفسه هو أول ما يحرص عليه، وهو إذا ما بلغ سن الرشد أصبح سيد نفسه؛ لكونه متحكمًا في وسائله الخاصة وسيدًا لنفسه.

ويمكن أن تعد الأسرة إذًا أول نموذج للمجتمعات السياسية؛ حيث يكون الرئيس صورة الأب، والشعب صورة الأولاد، وبما أن الجميع يولدون أحرارًا متساوين، فإنهم لا يتنازلون عن حريتهم إلا لنفعهم أو تحقيق مصلحة تخصهم، وكل الفرق هو أن حب الأب لأولاده في الأسرة، يؤديه من خلال رعايتهم وتحقيق احتياجاتهم، ولذة القيادة في الدولة تقوم مقام هذا الحب الذي يحمله الرئيس نحو شعبه.

وأرى أن النوع البشري مقسوم إلى قطيعين؛ فيكون لكل قطيع منه راعيه الذي يرعاه ليلتهمه، وبما أن الراعي أعلى من القطيع مرتبة؛ فإنه من الطبيعي أيضًا أن رعاة الناس الذين هم رؤساء عليهم أعلى من شعوبهم بالضرورة، ولا أخفيكم أمرًا قد يفاجئكم قولي إن الناس ليسوا متساويين بحكم الطبيعة، بل يولد بعضهم للسيطرة، ويولد الآخرون للعبودية بالفطرة، فلا شيء أكثر صحة من كون الإنسان الذي يولد عبدًا يولد للعبودية، ويخسر العبيد كل شيء يخص حريتهم، حتى الرغبة في التخلص من عبوديتهم، فهم يحبونها وراضين كل الرضى عنها، فالقوة والاضطهاد والسيطرة التي يمارسها الحكام صنعت العبيد الأوائل، والنذالة أدامتهم، وعززت عبوديتهم.

ما أود قوله بصيغة أخرى؛ إن هناك شيئًا فوق مستوى الإدراك، العالم من منظور بالغ، هو ذاته من منظور طفل في عمر السادسة، هذا ما أثبتته الدراسات، عن النطاق الدماغي الذي يعيش به الطفل، إن من الأهمية بمكان جعل الطفل حرًا، أن نعامله باعتباره إنسانًا، يتعلم الحرية منذ طفولته، رغم كون بعضنا عبدًا للعديد من الأمور مثل المال والمنصب، يجب علينا أن نجعل من أولادنا أحرارًا، أن لا يخطئوا نفس خطأ الأولين، أن يفكروا وحدهم، أن يختاروا لأنفسهم من يكونون.

إن القيام بميلاد طفل، لا يعني إشباع شيء غريزي له هو نوع من استمرار الجنس البشري، استمرار اسم الأب، وكذلك الأمر بالنسبة للدولة، إن عزة مواطني دولة ما يكون بمقدار قوتها الدبلوماسية، مقدار مكانتها بين دول العالم، فالعالم كله يضج لموت فرد أمريكي، عكس عشرات الفلسطينيين الذين يتوفون دون ذلك الكم الكبير من الصرخات الإعلانية.

إن العالم النفسي الشهير «سيغموند فرويد»، قد كان من أوائل من أشاروا إلى هذه المقاربة، مقاربة الأب والرئيس؛ فالرئيس هو ترجمة لرمزية الأب بالنسبة للطفل، فهذا يعني أن تعامل مواطني أي دولة مع دولتهم، هو تعالم أب لابنه، فانتفاضة الربيع العربي، ما هي إلا صرخة ابن لوالده بأن بهتم به أكثر، وما الثورات إلا انعكاس آخر حدي لهذا المضمون، يعني مضمون الثورة والصياح، فصراخ الأبناء ليس كله من نفس النوع، فهناك من يتكلم فقط، وهناك من يصل به الحد إلى قتل والده.

وكذلك بعض مواطني الدول التي زارها شتاء الخريف العربي المتقلب، قد كان بمثابة الإعصار الذي أخرج لنا مكبوتات الشعب (الولد بالنسبة لفرويد).

عمومًا تبقى هذه الرؤى من بين الزوايا التي يتم بها النظر إلى أزمة العربي النفسية، والتي مست الجانب السياسي منه، والذي أصبح يعاني من بعض الاختلالات في الآونة الأخيرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد