هولّع في روحي يا قلبي وعنيا… لا اوعى يا روحي ده واجب عليا

بين فريد وشادية وعلم النفس.. هل منا من يحترق؟!

ربما كانت مجرد كلمات ساخرة في الأغنية الشهيرة «يا سلام على حبي وحبك» التي غناها الفنان فريد الأطرش والفنانة شادية لكن هل توقع فتحي قورة عندما كتب تلك الكلمات الكوميدية أن تتحول إلى حقيقة يومًا ما؟

الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء وإلا لكنت أنا وزوجتي ألد الأعداء – غاندي.

إذا كان التعايش فنًا فإنه ضرورة لاستمرار الحياة الزوجية، ويقوم في الأساس على فكرة تقبل الآخر. وتأتي أهمية تقبل الآخر في المراحل اللاحقة من الزواج بعد أن يصل الطرفان لدرجة من التفاهم حول الأمور الأساسية في الحياة كالمال والأولاد والعلاقات الاجتماعية بمن حولهم.

يتأثر كل طرف بعادات الآخر ويصلان لدرجة من الانسجام الفكري والارتباط الروحي لكن تبقى تلك الأشياء الصغيرة التي لا تتغير في الإنسان لأنها أصبحت جزءًا من تكوين شخصيته.

قد يراها البعض عيوبًا ويراها الآخرون ميزات لكنها في النهاية لا تتغير وهنا تأتي أهمية التقبل والاحتواء والقدرة على التعايش مع الاختلافات ما لم تؤثر على أسس العلاقة السليمة بين الزوجين من الاحترام المتبادل والقيام بالواجبات.

قبل أن تبحث عن نصفك الآخر تأكد أن نصفك الأول مكتمل ومستعد للنصف الثاني – أحمد الشقيري.

تقول د. غادة الخولي استشاري الطب النفسي بكلية الطب بجامعة عين شمس، تقبل الآخر مسألة تربوية تدريبية، لابد أن يتربى عليها الصغير منذ سنواته الأولى ولا يصلح معها كبر السن واكتساب الخبرات والنضوج، وتتمثل فكرة تقبل الآخر في عدة إرشادات يجب على الوالدين الاهتمام بها عند تربية الصغير وغرس المفهوم الخاص بشأن أفكار الآخرين وتوجهاتهم سواء كانت محل اتفاق أو اختلاف مع ما نتبنى من أفكار.

وتشير الدكتورة غادة إلى أن هناك أناسًا في سن متقدمة يفتقرون إلى معنى تقبل الآخر، ومن ثم عليهم تدارك ذلك بالتدريب العملي واللجوء إلى أخذ تدريبات في التنمية البشرية تقوم بتفتيح مداركهم في هذا الاتجاه.

إن تقبل الآخر لا يعني بالضرورة الموافقة على سلوكه ولكنه نوع من احترام إنسانيته وتعبير عن الحب والرعاية ويعده البعض إحدى علامات النضج النفسي والوجداني.

الحياة تحتاج إلى تجاهل، تجاهل أحداث وأشخاص تجاهل أفعال فليس كل أمر يستحق وقوفك

والنضج بوجه عام هو الاكتمال والإحكام، ونضج الإنسان هو اكتمال الوظائف الجسمية والنفسية والاجتماعية والروحية والتناغم بينها. والنضج الانفعالي هو ارتقاء الفرد بضبط انفعالاته وتناسبها مع مستوى عمره الزمني وخبراته وطبيعة المواقف المتغايرة، ونحن نحتاج أن نعرف كيف نعالج ونتناول المشاعر التي تؤذينا وتزعجنا وتلك التي تسعدنا. وهذا التدريب المستمر في المعرفة والمعالجة والتناول يزيدنا خبرة يومًا بعد يوم في إدارة جهازنا الوجداني لنستفيد من مميزاته الهائلة ونتجنب مخاطره الضارة. إذًا عملية تقبل الآخر ليست بالشيء السهل بل هي حالة نفسية تتطلب بذل مجهود لضبط المشاعر والتحكم في الانفعالات.

يبدع الإنسان في انتقاد الآخرين لكنه أعمى عن سلبياته

وإذا كان تبادل المنفعة هو الأساس في العلاقات بين كل الكائنات الحية والكيانات الإنسانية بأشكالها المختلفة وهو سبب استقرار تلك العلاقات، فإن الأسرة كوحدة بناء المجتمع أولى بذلك الاستقرار، وإذا كان تقبل الآخر دليلًا على الحب والاهتمام فإنه يجب أن يكون متبادلًا بين الزوجين.

فنجاح الحياة الزوجية قائم على قدرة كلا الطرفين على تقديم التنازلات وبذل التضحيات على كافَّة الأصعدة الجسديَّة والعقليَّة والعاطفيَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة، إلَّا أنَّ بذل أحد الطرفين لهذه التضحيات وتقديمه تلك التنازلات بمعزلٍ عن مُشاركة الطرف الآخر كفيل ببناء حواجز نفسية بين الزوجين يصعب تجاوزها مع مرور الوقت.

إن محاولات تقبل الآخر تسبب ضغطًا نفسيًا يمكن التعامل معه، لكن عندما يقابل هذا الجهد بنقيضه من الطرف الآخر مع استمرار في الانتقاد وتصيد الأخطاء وإبراز العيوب فحتمًا سيؤدي ذلك لمزيد من التراكمات السلبية والإحباط والذي سيتحول إلى غضب ومن الغضب إلى الرغبة في العدوان والانتقام.

لكل إنسان طاقة محددة يتحمل بها سخافة الآخرين

وفي ظروف معينة قد لا يستطيع الطرف المحبط والغاضب إخراج عدوانه فيكبته شهورًا أو سنوات وتكون النتيجة اضطرابًا نفسيًا لدى هذا الطرف المحبط الغاضب المكبوت، ويكون الاضطراب في صورة أمراض نفس-جسمية (ارتفاع في الضغط، أزمة قلبية، مرض السكري، الروماتويد، الصداع المزمن، القولون العصبي، الحكة الجلدية العصبية) أو أمراض نفسية (قلق أو اكتئاب)، ويمكن إجمال تلك الأعراض تحت عنوان الاحتراق النفسي.

إن مأساة الحب عندما يرفض أحدهما تقبل الآخر كما هو – طاغور.

ما هو الاحتراق النفسي؟

هو حالة تنجم عن شعور الفرد بأن حاجاته الأساسية لم تلبَّ وتوقعاته لم تتحقق، فتتراكم لديه مشاعر من خيبات الأمل ترافقها أعراض نفسية وجسدية، تؤدي إلى تدني مفهوم الذات عنده، الأمر الذي ينتهي به إلى اكتساب عادات سلبية نحو ما يقوم به هو، ونحو الآخرين عمومًا.

وفقًا لعلماء النفس، تُعتبر هذه الظاهرة «آخر وأخطر مرحلة من التوتر النفسي». غالبًا ما يغفل المرء عن عوارضها الأولى، لكنّ المخزون العاطفي يتعرّض تدريجيًا لاستنزاف في موارده، بعد فترة طويلة من الضغوط النفسية، بسبب الأجواء السائدة، أو الأشخاص الذين نتعامل معهم، أو نقص الحوافز، أو ببساطة فائض الأعمال التي يجب إنجازها. نتيجة لذلك، لا تكفّ الحالة الجسديّة والنفسية عن التدهور.

السبب في وصول الشخص إلى حالة الاحتراق، هو الرغبة الشديدة والملحة لديه لتحقيق أهداف مثالية وغير واقعية، يفرضها المجتمع عليه أو يفرضها هو على نفسه وأفضل وسيلة لتجنبه هي عدم تحميل النفس فوق طاقتها وعدم الاستجابة للضغوطات المستمرة ومحاولات التغيير من أجل الآخرين.

كي تنجح في الحياة فأنت تحتاج إلى أمرين الثقة والتجاهل – مارك توين.

داوِها بالتي كانت هي الداء

إن الشخصيات شديدة الثقة بالنفس والتي لا تعبأ كثيرًا بآراء الآخرين هي الأقدر على التعامل في مثل هذه الحالات حيث إن انتقاد الآخرين لا يشكل عبئًا نفسيًا عليها. فهي إما تناقش وتجادل ولا تستسلم للكبت والإحباط، أو تتجاهل انتقادات الطرف الآخر بالكلية وفي ذلك خير وسيلة للحفاظ على حالة الاستقرار النفسي، وليس الأمر بالغ الصعوبة فإن نجح الشخص مسبقًا في تقبل شريكه وتجاهل الاختلافات بينهما إذًا هو يتقن فن التجاهل في حد ذاته لكن الأمر يتطلب فقط إعادة توجيه.

الزواج الناجح صرح لابد أن يعاد بناؤه كل يوم – أندريه موروا.

وليس من العدل أن نستمر في مطالبة طرف واحد باتخاذ رد الفعل المناسب لاستمرار الحياة الزوجية واستقرارها دون الآخر؛ فالحياة مشاركة، وكما أن النبتة لا تنمو دون شمس وماء، فالحياة لا تستمر بلا أخذ وعطاء، وقدرة الإنسان على التحمل لها نهاية، والشريك الأناني قد يحتفظ بنصفه الثاني جسدًا بلا روح وقلبًا بلا مشاعر، فربما حان الوقت لتدارك عواقب الأمور وليسأل كل منا نفسه في جلسة مصارحة مع النفس: هل أعاني من أعراض الاحتراق النفسي أم أنني أدفع الآخرين نحوه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ماذا تعني فكرة تقبل الآخر، اليوم السابع.
مفاهيم غائبة عن حياتنا الأسرية، الفرقان.نت.
النضج الوجداني، النفسي.كوم.
التضحية من طرف واحد تنهي الحياة الزوجية، الرياض.كوم.
التراكمات السلبية، طريق الإسلام.
الاحتراق النفسي والضغط النفسي، منتديات الدولي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد