إذ فقد تكلم زوبع “الأب” فملأ الدنيا ضجيجا فاعتبره البعض “ردحا”، وتكلم زوبع “الابن” فملأ الدنيا اعتراضا فاعتبره البعض “شرشحة”. هناك بالتأكيد مساحة بين “الزوبعين”.

 

جملة اعتراضية؛ زوبع “الأب” مثال المتابع لتحولاته التي تدور مع رأي الجماعة الرسمي حيثما دارت تكشفها مقالاته القديمة في جريدة “الحرية والعدالة” التي كان يحضر بعض من اجتماعات مجلس تحريرها من “غير ذي صفة”.

 

عذرا خانتني الذاكرة فقد خرج زوبع “الأب” عن الخط ذات مرة. إذ أعلن مبادرة عقب “مجرزة” فض رابعة عرض فيها بنودا كثيرة تقترب من حلول “استسلامية”.وبحسب “بوست” شهير لزوبع “الابن” قال “إن هذا الكلام لا يمثله”.

 

في تلك الفترة لم يكن قد لمع نجما زوبع “الأب والابن”. لفترة قليلة يغيب “الأب” ثم يظهر على فضائية “الجزيرة مباشر مصر” ليكون معبرا عن رؤية الجماعة وتحالف دعم الرئيس مرسي في تحول شديد عن مبادرته التي ألقاها سابقا.

 

غياب زوبع “الابن” طال بعكس والده الذي واصل الظهور على جميع الفضائيات المناهضة لسلطة الحكم العسكري في مصر. يشاركنا روحه التهكمية “اللطيفة والفجة والظريفة والمستظرفة”.

 

في مكان ما. في وقت ما من نوفمبر ما شارك زوبع “الأب” أمين عام الجماعة حينها د. محمود حسين “يعلم الله إن كان لا يزال أمينا عاما أم انتقل للعب دور آخر في الجماعة” تشارك الاثنان في اجتماع مع مجموعة ما ليتناقشوا في أمور فنية ما لا يتقنها “الأمين وزوبع الأب”. انتهى الاجتماع.

 

طال غياب زوبع “الابن”. وحضر بقوة على الشاشات زوبع “الأب”. هي نفسها أزمة الجماعة. يحضر من لا نريد حضوره ويغيب من يجب حضوره. وللأسف يزيد الحاضر قوة وأتباعا من البسطاء المنهكين اللاهثين وراء أي شيء يرضي نفوسهم المحطمة على وقع دم أحبابهم. يزيد حنق الغائبين من الشباب. يزدادون بعدا عن الجماعة. يرون فيها زوبع “الأب” بتحولاته وتناقضاته بتهكماته المستساغة وغير المستساغة. يرون فيه “أبا” خارجا عن طموحات الأبناء.

 

في علم النفس درسنا أن الشباب في سنين المراهقة يميلون إلى المثالية. يرون كل شيء لابد وأن يكون منضبطا وإلا فإن السياق قد خرج عن استوائه.

 

يعود زوبع “الابن” محملا بكل ما مضى. يحضر في ذهنه. كل شيء لم يستو على سوقه. حوارات الأب ومداخلاته. ضحكاته تهكماته. لم يعد قادرا على أن يرى جماعته “والده” قد سبقها “القطار” أو دهسها على حين غفلة أو بمحض إرادة منها.

وبغض النظر عن تفاصيل الرد على زوبع “الابن” المنشور مؤخرا. فإنه بالتأكيد يمثل مشهدا دراميا ملّ فيه الشاب من انتظار التغيير. قرر “الابن” أن “يلوش” بقلمه الغاضب الجميع. قرر “الابن” أن يصرخ في “والده”: كفى. أما يكفيك ما مضى من فشل. أما يكفيك حديثا. أما ترى أن الثورة قد حادت كثيرا عن طريقها. لا أحدثك هنا يا “أبي” عن توافق سخيف أو هوية إسلامية راسخة. أو أفكار الإمام المؤسس.

 

أحدثك هنا سياسات وأفكار تنظيمية قد تجاوزها الزمن منذ ليلة 27 أكتوبر 1954. أول ليلة في المحنة القديمة، ولا يزال يعيش فيها الكثيرون منكم. أحدثك هنا ليس على اعتذر من الجماعة لأبنائها ينشره موقع “إخوان أون لاين” الذي سقط، لا أحدثك عن ضرورة تنحيك وآخرين عن مواقع القيادة لأنكم “عذرا أبي فشلتم”. كل ما نريده أن تشاركونا أفكارنا الجديدة القديمة عن الثورة والنضال أن تكونوا في “كتفنا” وليس في مقدمة الصفوف “كما العادة”. كونوا منا كما “الصديق” من “أسامة بن زيد”، أو كما “مراد الثاني” من ولده “محمد الفاتح”.

 

قد تنتهي هنا رسالة “الابن” إلى “الأب”. مساحات وسط يعيش فيها الكثيرون من أبناء التنظيم الإسلامي الأضخم “خارج وداخل السجون”. تقترب هذه المساحات من صحاري التيه. أو السراب الذي يلمع ثم يختفي. حتى التيه والسراب والعطش ينتهون؛ فقط إذا قرر التائهون في مساحات الوسط أن يتخذوا قرارات أكثر حزما وحسما. أو يصنعوا طريقا وسطا يمضون فيه بين الـ”زوبعين”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد