قُتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد صراع طويل من الجهاد والكفاح بدأ من أول يومٍ في حياته، قُتل وكان قد بُويع خليفةً للمسلمين من جميع الأمصار ما عدا الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان، التي رفضت البيعة له بحجة أنهم لن يبايعوا قبل الثأر لعثمان بن عفان من قاتليه. رفض أهل الشام البيعة لعلي -رضي الله عنه-، فتوجه لقتالهم، وبعد فترة حرب طويلة استمرت بين علي -رضي الله عنه- وأهل الشام؛ قُتل علي -رضي الله عنه- على يد خارجي اسمه عبد الرحمن بن ملجم، وكان ذلك في سنة 40هـ. حمل الراية بعده ابنه الحسن، وبايع الناس الحسن خليفةً لهم وأحبوه أكثر من أبيه في بعض الروايات، وتحمسوا لاستكمال مشوار أبيه، واستئناف حرب أهل الشام.

فجأة يعلن الحسن لأخيه الحسين أنه يريد السلام والبيعة لمعاوية. يقال إن ذلك حدث بعد تعرُّض الحسن لمحاولة قتل من أحد أفراد جيشه الناقمين عليه، لكن وإن صحت تلك الرواية، إلا أنها لم تكن سببًا مباشرًا للصلح، فليست مجرد طعنة هي ما تثني الحسن عن المضي قدمًا في ما مضى فيه أبوه من قبل، وأبوه كان يُؤذَى أكثر ما تكون الأذية، وكل ذلك كان يراه الحسن ويسمعه. بعض الروايات تقول: إن الحسن دُفع إلى البيعة لمعاوية دفعًا؛ نظرًا إلى تخاذُل جيشه عنه. لقد كان جيشه هو الجيش  نفسه الذي حارب به أبوه لم يتغير فيه شيء؛ بل ربما أُعِدَّ أكثر من سابقه، فلقد وصل تعداد جيش الحسن إلى 40 ألف مقاتل.

لقد كان الحسين زاهدًا في الحرب، والتمس سبيلًا إلى مصالحة معاوية لو استخدمنا تعبير «فلهوزن». لقد كان الفرق بين علي -رضي الله عنه- وابنه الحسن واضحًا، عليّ -رضي الله عنه- لم يكن يكل ولا يمل وإن طال به الدهر، لكن الحسن كانت نفسه تواقة إلى السلم والجنوح له، وكأنه قد مَلَّ من كثرة الدماء التي أريقت ولا يعرف إلى أين ستتجه به الريح. يؤكد لنا ذلك أيضًا أن بعض الروايات تقول: إن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فبعث إليه سرًّا مقابل شروط عرضها معاوية، وقبلها الحسن.

لقد بعث معاوية إلى الحسن أن يبايع له شريطة أن يكون له الأمر من بعده، وفي بعض الروايات أن يكون الأمر بعد ذلك شورى بين المسلمين، ومبلغ من المال له ولأهله قُدِّر بألف ألف درهم كل سنة، وأن يعفو معاوية عن الأبيض والأحمر. توافق الطرفان وسار الأمر إلى معاوية، وأصبح خليفةً مجمعًا عليه من المسلمين، ولبث في الأمر 20 سنة، لكن معاوية قبل وفاته بتسع سنين أخذ البيعة لابنه يزيد بمشورة أشار عليه بها المغيرة بن شعبة.

بايع الناس يزيد بن معاوية في حياة أبيه، وبعد وفاته خرجت الكوفة ناقضة للبيعة، وأرسلت إلى الحسين تريد منه القدوم إلى الكوفة ليبايعه أهلها، فخرج الحسين للكوفة إثر دعوتهم تلك، وكان دائمًا ما يردد أنه ما خرج إلا للدفاع عن دين جده -صلى الله عليه وسلم-، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين، وما الإمام إلا العاملُ بالكتاب، والقائمُ بالقسط، والدائنُ بدين الحق، وأنه حتى في لحظاته الأخيرة وهو ينادي على جيش يزيد يقول لهم: والله ما أتيتكم حتى أتتني كُتُب أمثالكم بأن السُّنة قد أُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عُطلت.

على كل حالٍ، الحسين لم يخرج طامعًا في حكم، ولا راجيًا ملكًا، ولا طالبًا دنيا، كل ما خرج له هو إصلاح ما اعوجَّ من دين جده -صلى الله عليه وسلم-، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين، وانتهى الأمر به بقتله في واقعة كربلاء الشهيرة.

أصبح الآن الموقفان (موقف الحسن وموقف الحسين) واضِحَيْن للقارئ، وعلينا بعد ذلك أن نضعهما في ميزان التفضيل، فلا نقبل أن يوضع الموقفان في كفتين متساويتين لا من حيث التاريخ، ولا من حيث الحاضر، ولا نقبل أن يوضع موقف الحسن في موضع أفضل من موقف الحسين -رضي الله عنهما-.

من حيث التاريخ ندرك أن الحسن التمس الصلح التماسًا من معاوية، والحسين على كل حال لم يكن موافقًا على موقف أخيه من التنازل لمعاوية عن البيعة، وأن الحسن في نهاية الأمر وافق على الصلح مقابل ثمن يرضي معاوية أكثر ما يكون الرضا، ولو طلب الحسن أكثر من ذلك لأعطاه معاوية ما أراد. لا نعرف على وجه التحديد إلى أي مدى كان الجمهور ينادي للصلح، فجيش الحسن وإن ظهر فيه بعض السخط على الحرب، إلا أنه كان بمقدوره الحرب، وربما كان النصر حليفًا له، ومن المؤكد أن معاوية كان يدرك ذلك جيدًا ويعلمه تمام العلم، أما جيش معاوية فإنه كان كما بدأ مع معاوية إلى نهاية المطاف.

لقد كان لخروج الحسين وقتله في موقعة كربلاء أعظم الأثر في من خرج بعد ذلك ضد الدولة الأموية، ومن بعدها الدولة العباسية، فلو لم يخرج الحسين لما خرج عبد الله بن الزبير، ولم يخرج بعد ذلك عبد الرحمن بن الأشعث، ولم يخرج كل خارج بعد ذلك من آل البيت ضد النظم القائمة، إن خروج الحسين مثل حجر الأساس في المعارضة الإسلامية عبر تاريخها الاجتماعي والسياسي.

من حيث الحاضر لو وضعنا الموقفين للترجيح بينهما لن نختار إلا موقف الحسين؛ لأنه هو الصالح للناس فكرًا وشعورًا ووجودًا، وبعبارةٍ أوضح ستختار الأمة والجماهير موقف الحسين، وستختار الأنظمة والحكومات موقف الحسن وترضى به وتصفق له وتشجع عليه. الأمم على اختلاف ثقافتها وبيئتها لن تهفو إلا إلى موقف الحسين تتذكره وتنادي إليه، وتتمنى أن يعود الحسين بموقفه ليكون حاضرًا بينها، والأنظمة في نهاية الأمر لا تريد في لحظات الانكسار إلا التفاوض تجلس إليه، ثم بعد أن تهدأ الأمور ويستقر نظامها تصنع ما تشاء.

على كل حالٍ وجود الموقفين مع بعضهما مُهِمّ للغاية، مهم للأمم أن تعرف متى تسامح وتتنازل عن حقوقها، وأن تحسب لذلك حسابات السنين قبل الأيام في لحظة تسامحها، ومهم للأنظمة والدول أن تعرف أن التسامح ما هو إلا الغضب كامن تحت الرماد يوشك أن يتأجج، وأن نقض عهد يُحْسَب له حسابان: حساب الزمان، وحساب المكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ الحضارة العربية - يوليوس فلهوزن
عرض التعليقات
تحميل المزيد