لا ينفك الناس عن استحضار الماضي كلما تشبعوا ظلمًا من الحاضر ويأسًا من تغييره لعلهم يجدون في عزة وشموخ هامات السلف ما يواسيهم فيما أضاعه الخلف وعفا عليه الزمان ولكن أبى أن يطويه ويعيد لهم الإنجازات الغابرة، لتصبح في ظل الظروف الراهنة ذكرى فتح عمورية هي المثال الحاضر والعالق في الأذهان للكرامة العربية والإسلامية قديمًا، حيث شتان بين موقف المعتصم بالله الذي خرج على رأس جيوشه ليُلبي استغاثة امرأة عربية من بطش البيزنطيين ويحقن دماء المسلمين التي تُراق، وبين موقف الحُكّام العرب اليوم من الإذلال والإهانة التي يتعرض لها كل عربي ومسلم دفعته أقداره وبلاده أن يسكن بلاد الاغتراب، حيث لم تعد أخبار مقتل العرب في الخارج نتيجة جرائم عنصرية بالأمر الذي يحرك ساكنًا أو يؤلم أحدًا سوى من هم أمثاله ممن لا تصل أصواتهم أبدًا أو حتى تتمكن من اختراق صمت العالم وإحداث الجلبة لتغيير مجرى الأحداث، بحيث يستفيق العالم ويعود كل ضمير تائه إلى صاحبه أو تصبح دماؤهم المحرك لتغيير نهج المسؤولين.

ذلك النهج الذي حط من كرامة كل عربي في الخارج وجعل لدمائه ثمنًا، وثمنًا زهيدًا أيضًا وبالأخص إن كان فردًا عاديًا لا سلطة سياسية تحميه ولا أموال تغنيه وتؤهله لشراء الذمم، لذلك تتكرر تلك المشاهد باستمرار وتقل ردود الأفعال الشعبية حيالها يومًا بعد يوم لاعتياد تلك الأمور، في حين يزداد تهاون الحكومات في دماء مواطنيها فأين لنا اليوم بمعتصم آخر؟ وهل سيجود الزمان بأمثال هؤلاء حقًا بعد ذلك؟ وإيمانًا بفرضية حدوثه هل سيجد الدعم والمؤازرة أم الهدم والخيانة؟

تلك التساؤلات وغيرها والتي تدور في خَلَد كل عربي ومسلم مضطهد وتُهدر كرامته ليست محض فكر وخيال تشاؤمي، بل هو انعكاس للواقع الذي أدت أحداثه إلى التشبث بالماضي حتى بسقطاته هربًا من الحاضر بكل إنجازاته المزيفة، والتي على رأسها الادعاء العربي بالقوة والسيطرة، تلك القوة التي تثبت زيفها وتخر جدرانها الهشة عند أول مواجهة حقيقية، ولم يكن هناك أكثر من تلك المواجهات في الآونة الأخيرة وردود الفعل السلبية إزاءها لتثبت تلك الظنون.

فلم يكن تعرض العامل المصري في اليونان إلى الاحتجاز والتعذيب عدة أيام على يد رئيسه في العمل دون أن تتخذ مصر إجراءات حيال ذلك بالأمر المثير للصدمة، حيث سبق ذلك سلسلة من الجرائم تجاه المصريين الذين حصدوا العدد الأكبر منها والتي أثارت الرأي العام ولم يكن هناك أي تحرك دولي فعال، من أبرزها مقتل محمد عادل رشدي الذي وُجدت جثته ملقاة بجانب حاوية نفايات في أبريل من العام الجاري بشيكاغو، وذلك بعد تعرضه للضرب المبرح على يد مجهول، لينتهي الأمر بإصدار الطب الشرعي أمرًا بدفنه لعدم الاستدلال على أقارب له، ولم يمر سوى يومين على تلك الجريمة إلا ولحقت بها أخرى شهدتها بريطانيا حيث وُجدت جثة شريف عادل حبيب محترقة داخل سيارته بعد أن قام مجهول بإحراق جزء من المرآب عمدًا لقتله، وقد تم إلقاء القبض على مشتبه به ولكن لم تتخذ الحكومة البريطانية أي إجراء أقصى من ذلك حيال الأمر، بل إنها رفضت طلب ذويه بالسفر وحضور جنازته، واكتفت الخارجية المصرية بالتنديد بالجريمة ومتابعة مجرياتها وهو الأمر المعهود من الخارجية في معظم القضايا، حيث تناشد كافة المواطنين الآخرين بأخذ الحيطة والحذر، ثم ينتهي الأمر بالنسبة إليها بمجرد أن يخفت إعلاميًا وتتحول عنه الأضواء.

وللتذكير لا تُعد تلك الجريمة هي الأولى من نوعها في بريطانيا التي شهدت مقتل العديد من الشخصيات المصرية البارزة، كأشرف مروان وسعاد حسني والليثي ناصف كبير ياوران السادات، وجميعها نُسبت إلى مجهولين إذ بين المصالح الدولية والتواطؤ السياسي كانت تمر تلك القضايا ومنفذوها مرور الكرام، وهو ما يُناقض تمامًا رد الفعل البريطاني إزاء قضية ريجيني الشاب الإيطالي الذي قُتل في القاهرة في ظروف غامضة، حيث خرجت أهم قياداتها لتندد بمقتله وتُدين مصر في ذلك الشأن مبدية خيبة أملها في سير التحقيقات، وهو المواطن الذي، وفي شرع الإنسانية؛ لا يزيد في شيء عن سابقي الذكر ممن قتلوا ولكنه وفي محراب السياسة يرتقي بجنسيته، ذلك الارتقاء الذي جعل ولسخرية القدر من مقتل المصري محمد باهر صبحي في مايو من نفس العام بإيطاليا أمرًا عاديًا بعد أن وُجدت جثته ملقاة على شريط القطار وعلى رأسه آثار تعذيب بآلة حادة، وذلك في ظل تداعيات قضية ريجيني والتي لم يتذكر زعماء العالم وهم في حالة استنكار لها مدى ازدواجيتهم في التعامل مع الأمر حينما كانت الضحية عربية والقاتل منهم.

ولا تتوقف قضايا القتل على المصريين حصرًا وإن كانوا الأكثر عددًا، حيث يشترك العرب جميًعا في صفة الاستهانة بكرامتهم ودمائهم في الخارج والمواقف السياسية المخزية لبلادهم والتي تهدر حقوقهم، فعلى الرغم من أن دول الخليج على وجه التحديد تُولي مواطنيها خارج حدودها اهتمامًا أكبر من ذاك الذي تمنحه الدول الأخرى لشؤون مواطنيها، إلا أن ذلك الاهتمام ومهما وصل مبلغه فإنه يتوقف عند الحد الذي تنتهي عنده كل الدول العربية، حيث تتخذ جميعها موقف الحياد من أي أمر من شأنه أن يعكر صفو العلاقات الدولية مع الغرب أو يعطل المصالح السياسية، وهو الموقف والحدود التي لا تعرفها الدول الغربية بل على العكس تمامًا لا تخشى من المجازفة بتلك العلاقات أو حتى قطعها إن لزم الأمر، وفي أفضل الأحوال تقوم باستغلال الموقف سياسيًا للضغط على الطرف الآخر ليصب في صالحها؛ وبالتالي تزداد قوةً وتزداد الدول العربية ضعفًا وخضوعًا أمامها.

ولعل ما يحمله العامان المنصرمان من قضايا هو الدليل الأبرز على ضيق تلك المساحة التي تتحرك من خلالها الدول العربية على حد سواء، ومحدودية اختياراتها التي تضاءلت بشكل كبير عما كان في السابق، والتي أبرزها قضية شابل هيل التي وقعت في 2015 وراح ضحيتها ضياء شادي طبيب سوري شاب وزوجته وشقيقتها الفلسطينيتان بعد أن أطلق متطرف النارعليهم في مسكنهم وذلك أيضًا بعد عدة مضايقات لهم بسبب مظهرهم الإسلامي، وفي نفس العام كان مقتل المهاجر العراقي أحمد الجميلي وهي القضية التي لم تلق اهتمامًا كبيرًا نظرًا لظروف بلاده السياسية، حيث قُتل بعد عدة أسابيع فقط من دخوله أمريكا وهو الذي نجا من ثلاثة حروب في بلاده ليلقى حتفه على يد مراهق أمريكي أطلق عليه أكثر من 14 طلقة أثناء تواجده قرب منزله برفقة زوجته وأخيه، وبنفس أسلوب التهميش تم التعامل مع محاولة قتل الطالب السعودي علي الهويدي البالغ من العمر 18 عامًا والذي تعرض للطعن والضرب على يد مجهولين في كندا في نوفمبر 2014، وهي القضية التي سبقها بعدة أشهر أيضًا حادث مقتل المبتعثة السعودية ناهد المانع في كولشستر بريطانيا، حيث تعرضت إلى 16 طعنة قتلتها في الحال من متطرف مجهول استهدفها بناء على مظهرها الإسلامي حيث لم يتعرض بالسرقة إلى أي متاع كان بحوزتها، وعلى الرغم من اهتمام الرأي العام الخليجي بتلك القضية ومتابعة الخارجية السعودية لأحداثها، إلا أنه لم يكن هناك أي تصعيد آخر لتُنسب القضية وكغيرها ضد مجهول.

لكن وبالعودة أكثر من ربع قرن في الماضي سنجد أن السعودية كان لها موقف آخر في قضية مشابهة قد يكون اختلاف الطرف الآخر فيها وتغير موازين القوة في تلك المعادلة أحد أسباب ذلك، حيث لم تتردد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع تايلاند عام 1989 على أثر مقتل رجل الأعمال محمد غانم الرويلي وأربعة من دبلوماسييها، كما منعت إصدار أي تأشيرات سفر إليها من أراضيها، وهي القضية التي هزت البلاد آنذاك واستمر التحقيق في ملابساتها حتى عام 2013، ليبقى التساؤل الأهم؛ هل يمكن أن نشهد رد الفعل ذلك من أي دولة عربية تجاه دولة من الدول العظمى؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك في الفترات الراهنة على وجه التحديد؟

وبغض النظر عن الإجابة التي يكاد يُدركها الجميع، فإن أسباب ذلك الوضع المزري بتدهور وتأزم أحداثه عامًا بعد عام، يعود وفي المقام الأول إلى حكام ورؤساء الدول العربية أنفسهم والذين اتبعوا نهج إذلال مواطنيهم في الداخل فكيف سيُرفع شأنهم في الخارج؟ ولا يمكن إغفال دور الوضع الاقتصادي المتدني لكثير من الدول العربية بما يدفع بعض الحكام للشعور بالامتنان لكل دولة تأوي بعضًا من شعبه وتتحمل أعباءهم عنه بما يجعله وشعبه في موقف المتلقي بضعفه دائمًا وليس المانح بقوته.

أما السبب الآخر والمؤثر الأكبر على معتقدات المواطن الغربي تجاه المسلمين تحديدًا، فهو وسائل الإعلام الغربية التي تعمل على توجيه فكر شعوبها أو الأغلبية منهم إلى المرحلة المراد الوصول إليها من قبل السلطة، وهو ما نجحوا به بالفعل حيث تحرص تلك الوسائل على نشر كل ما يتعلق بالإرهاب والخطر الذي يهددهم من ناحية العرب، وفي المقابل تُهمش ما يشهده العرب من نفس سلاح الإرهاب وصانعيه، حيث دأبت على إظهار مواطنيهم فقط بمظهر الضحايا، أما ما يحدث للعرب فتصوره كونه نتاجًا للحرب الأهلية والطائفية التي صنعوها بأنفسهم والتي تضرر الغرب من جرائها نتيجة تدخلهم للإصلاح ونشر السلام.

كما نجحت في ترسيخ نظرية أن كل عربي أو إسلامي هو شخص محط اشتباه ولديه نزعة دموية وميل للقتل وبداخله داعشي ينتظر الخروج، وهو ما انعكس بالفعل على أسلوب التعامل مع العرب على أرض الواقع، ليس فقط ما يُفضي إلى القتل كالقضايا السابقة، وإنما حتى في أبسط التعاملات اليومية التي لا تخلو من حصارهم بالتجنب والازدراء والتقليل من شأنهم باعتبارهم أشخاصًا قادمين من دول متخلفة كما يُصور لهم الإعلام وللأسف كما نُساهم نحن أيضًا في ذلك أحيانًا، وهو ما كان سببًا لما حدث في أبريل العام الجاري من طرد أسرة مسلمة من طائرة أمريكية بسبب ديانتهم، وفي يوليو أيضًا عندما هاجمت الشرطة الأمريكية رجلًا إماراتيًّا بشكل عنيف بسبب زيه العربي ولغته، وغيرها العديد من المواقف التي لا يتبعها سوى الاعتذار فقط.

وهو المشهد المعاكس تمامًا لما يلقاه أي مواطن أمريكي أو غربي من تعامل في البلاد العربية حيث لا يخفى على أحد كيف يُعامل كالمدلل الذي يبتعد الجميع عن إيذائه أو حتى أي تصرف من شأنه أن يهين كرامته، خشية إثارة غضب بلاده التي تقف وراءه دائمًا، حتى بات محط حسد من المواطن العربي المسكين الذي أصبح يشعر برضوخه تحت وطأة الهيمنة الأجنبية داخل بلاده وليس فقط خارجها، بالإضافة إلى شعوره مهما علا شأنه أن المواطن الغربي فوق الجميع ومصرح له بما لا يُسمح به لغيره، وقيمته إنسانًا أعلى من قيمة الآخرين رغم الاشتراك في نفس التكوين البشري الذي يجعل من وقع الألم ووجع الكرامة واحدًا لدى الجميع، ولكن دائمًا ما تأتي الوقائع الفعلية من آن لآخر لترسخ ذلك الفكر في ثقافة كل عربي وتُحطم أمله الأخير بالارتقاء، فليس بعيدًا ما كان في 2012 من تهريب 17 ناشطًا أجنبيًا من مطار القاهرة رغم تورطهم في قضية تمويل غير مشروع للمنظمات المدنية في مصر، حيث تم رفع حظر السفر عنهم بعد دفع غرامة تقدر بـ32 مليون دولار، وهي التسوية التي اعتبرت مصر نفسها رابحة فيها.

ليكون بعد ذلك وفي نفس العام إطلاق سراح أمريكي كان يحمل بحوزته ملايين الدولارات عبر مطار البحرين مدعيًا بأنها رواتب الجنود الأمريكيين هناك، غير مكترث بأي مساءلة قانونية فقد وصل إلى مبتغاه في النهاية بعد ضغوطات علنية وغير علنية، ولعل المثال الأبرز على اتساع الفجوة عند المقارنة كان في 2009 أثناء موجة اختطاف البحارة من قِبل القراصنة الصوماليين، حيث تم اختطاف الأمريكي ريتشارد فيلبس قبطان حاملة الحاويات مايرسك ألاباما والمساومة عليه، لتُطلق الحكومة الأمريكية آنذاك البوارج والطائرات لتعقبهم وخلال أربعة أيام فقط تم تحريره وقتل ثلاثة من القراصنة واعتقال آخر، ليكون وفي نفس العام وللمفارقة اختطاف 34 صيادًا مصريًا دارت المفاوضات بشأنهم بين القراصنة والحكومة المصرية قرابة خمسة أشهر ونصف، انتهت بأن استجمع الصيادون شجاعتهم واستعدوا لمواجهة مصيرهم بعد أن ملوا الانتظار فهاجموا القراصنة وقتلوا بعضًا منهم وأسروا الآخرين، لتخرج تصريحات الحكومة بعد انتهاء الأمر بأن ما حدث كان بمساعدة وتخطيط من جهات سيادية بالبلاد، وهو تصريح حفظ ماء الوجه كما يمكن أن نُطلق عليه حيث لا إثبات له سوى تلك التصريحات وأقوال الصيادين المتضاربة.

لذلك، وبوجود تلك الممارسات وغيرها مما يصعب على الكثيرين إدراكها أو حتى الإحاطة بها علمًا، ونسب الفساد التي تُقاس بمعايير خاصة في الوطن العربي، وارتباط وضع المواطن واستقراره بقرارات فرد واحد لا منظومة سياسية فعالة ومتوازنة تعمل لصالحه ما يجعل وضعه في تأرجح دائم في دولة غالبًا ما ستكون ونتاجًا لذلك على حافة الانهيار لأدنى سبب، ورضوخه حتى في بلاده تحت وطأة السلطة والسياسات الأجنبية الخارجية، لا يمكن أن نتوقع تغيرًا كبيرًا في المشهد يصب في صالحه ويعلو بكرامته إلا بتغير كافة الأطراف المسؤولة عن ذلك، حيث تعتبر تلك الظروف والتي هي المتحكم في وضع المواطن وكرامته لا تؤول إليه مباشرة ولا تقع خيوطها بيده، وإنما بأيدٍ أخرى لم تكن الأمانة دائمًا شرطًا يؤهلها للإمساك بزمام الأمور، ولكن ورغم ذلك ما زال المواطن العربي قويًّا وصامدًا فقد اعتاد أن يتحمل نتيجة قرارات لم يتخذها بل وأن يدفع ثمنها وحده دون حق الاعتراض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد